اندفعت أنظار المستثمرين العالميين نحو شركة أنثروبيك بعدما أعلنت حصولها على تقييم ضخم بلغ 380 مليار دولار عقب جولة تمويل قياسية بقيمة 30 مليار دولار، في خطوة تعكس تحوّلًا استثنائيًا في موازين القوة داخل سوق الذكاء الاصطناعي.
وبحسب تقرير نشرته وكالة «رويترز»، فإن جولة التمويل الجديدة أكثر من ضاعفت قيمة الشركة المطوِّرة لروبوت الدردشة Claude. وهو ما يعكس حجم الرهانات العالمية على مستقبل سوق الذكاء الاصطناعي. خاصة مع تسارع الشركات والمؤسسات لتبني أدوات الأتمتة المتقدمة.
من ناحية أخرى، لا يأتي هذا الارتفاع في التقييم بمعزل عن السياق العام؛ إذ يشهد سوق الذكاء الاصطناعي سباقًا محمومًا بين شركات التكنولوجيا الكبرى والناشئة. الأمر الذي يدفع رؤوس الأموال نحو الشركات القادرة على تقديم حلول إنتاجية مباشرة للشركات بدلًا من الاكتفاء بالاستخدامات الاستهلاكية.
إستراتيجية البرمجة
اعتمدت «أنثروبيك» على إستراتيجية مختلفة عن كثير من منافسيها؛ حيث ركزت تدريب نماذجها على البرمجة. ما منح منتج Claude Code انتشارًا واسعًا بين المطورين. وبالتالي مكّنها من تحقيق موطئ قدم قوي داخل سوق الذكاء الاصطناعي المؤسسي.
علاوة على ذلك، أحدثت الإضافات التي طرحتها الشركة لوكيلها Cowork صدمة في قطاع البرمجيات. بعدما أثارت موجة بيع حادة للأسهم عالميًا. حيث بدأ المستثمرون بإعادة تقييم مستقبل شركات البرمجيات التقليدية في ظل التوسع المتسارع داخل سوق الذكاء الاصطناعي.
أما جولة التمويل فقد قادها مستثمرون بارزون، من بينهم D. E. Shaw Ventures وICONIQ وMGX. إضافة إلى مساهمات سابقة من Microsoft وNvidia. ما يعكس توافقًا استثماريًا عالميًا على قوة اتجاه سوق الذكاء الاصطناعي.

سباق التريليونات يشتعل
كانت الشركة المدعومة من Google وAmazon قد جمعت 13 مليار دولار سابقًا في جولة Series F قيّمتها عند 183 مليار دولار. الأمر الذي يعني أن قيمتها تضاعفت تقريبًا خلال فترة قصيرة. وهو تطور نادر الحدوث حتى في أسرع القطاعات نموًا داخل سوق الذكاء الاصطناعي.
وفي المقابل، تشير تقديرات إلى أن OpenAI قد تصل قيمتها إلى نحو 830 مليار دولار ضمن محادثات استثمارية مع مجموعة سوفت بنك لضخ ما يصل إلى 30 مليار دولار إضافية في الشركة المطورة لـ ChatGPT. وهو ما يوضح حجم المعركة الاستثمارية المتصاعدة داخل صناعة الذكاء الاصطناعي.
وبالتالي، لم يعد الحديث يدور حول شركات تقنية تقليدية، بل حول كيانات مالية عملاقة قادرة على إعادة تشكيل الاقتصاد الرقمي عالميًا. حيث تتحول شركات الذكاء الاصطناعي تدريجيًا إلى ما يشبه البنية التحتية للاقتصاد الجديد.
قفزة الإيرادات وتحوّل نموذج الأعمال
وفي سياقٍ ذي صلة، نجحت «أنثروبيك» في رفع إيراداتها السنوية الجارية إلى 14 مليار دولار. وهو نمو سريع يؤكد أن الطلب المؤسسي أصبح المحرك الرئيسي داخل سوق الذكاء الاصطناعي وليس الاستخدام الفردي فقط.
أما منتج Claude Code وحده فقد تجاوزت إيراداته السنوية الجارية 2.5 مليار دولار، بعدما تضاعفت منذ بداية 2026. كما تضاعفت اشتراكات الشركات أربع مرات وأصبحت المؤسسات تمثل أكثر من نصف الإيرادات. وهو ما يعكس انتقال الشركات إلى الاعتماد المباشر على أدوات الإنتاج المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
كذلك عززت الشركة توجهها نحو الأعمال عبر وكيل Claude Cowork القادر على تنفيذ مهام الحاسوب للموظفين الإداريين. الأمر الذي يدفع صناعة الذكاء الاصطناعي نحو مرحلة الأتمتة المهنية بدلًا من المساعدة الرقمية فقط.
السياسة والتنظيم يدخلان المعادلة
اتخذت «أنثروبيك» موقفًا مختلفًا في ملف تنظيم التقنية؛ فبينما تسعى شركات عديدة إلى تقليل القيود. أعلنت خططًا للتبرع بـ 20 مليون دولار لدعم مرشحين سياسيين أمريكيين يؤيدون تنظيم صناعة الذكاء الاصطناعي.
وأكدت الشركة أن مطوري الذكاء الاصطناعي يتحملون مسؤولية ضمان خدمة التكنولوجيا للصالح العام. وهو تصريح يكشف أن المنافسة لم تعد تقنية أو اقتصادية فحسب، بل أصبحت سياسية وتشريعية أيضًا.
وفي سياق متصل، أفادت تقارير بأن شركة Blackstone تعتزم زيادة حصتها إلى نحو 1 مليار دولار. ما يعزز القناعة بأن سوق الذكاء الاصطناعي بات أحد أهم ميادين الاستثمار العالمي في المرحلة المقبلة. بل وربما أكثرها تأثيرًا على شكل الاقتصاد الرقمي لعقود قادمة.


