في ضوء التطورات المتسارعة التي يشهدها قطاع أشباه الموصلات عالميًا، عادت شركة سامسونج للإلكترونيات إلى واجهة المنافسة بقوة، مدفوعة بتقدم لافت في تقنيات «رقائق HBM4»،
وذلك وسط سباق محتدم تقوده تطبيقات الذكاء الاصطناعي والطلب المتنامي على حلول حوسبية فائقة الأداء.
وتعكس إشادات العملاء بالتنافسية المتمايزة لـ «رقائق HBM4» الجديدة مؤشرات واضحة على استعادة سامسونج لزخمها التقني. وهو ما عبّر عنه صراحة جون يونغ-هيون؛ الرئيس التنفيذي المشارك ورئيس قطاع الرقائق في الشركة. عندما نقل عن العملاء قولهم إن «سامسونج عادت».
هذا التصريح لم يكن مجرد رسالة معنوية، بل حمل في طياته دلالات إستراتيجية حول موقع الشركة في خارطة الذكاء الاصطناعي العالمية.
وفي هذا السياق تفاعلت سوق الأسهم سريعًا مع هذه المؤشرات الإيجابية -وفقًا لوكالة رويترز- إذ ارتفعت أسهم سامسونج للإلكترونيات بنسبة 4.5%. فيما صعدت أسهم منافستها المباشرة إس كيه هاينكس بنسبة 3.1%.
وتجاوزت بذلك مكاسب المؤشر القياسي كوسبي الذي ارتفع بنسبة 1.4% حتى الساعة 03:20 بتوقيت جرينتش. ما يعكس ثقة المستثمرين في آفاق القطاع.
«رقائق HBM4» تعيد «سامسونج»
من ناحية أخرى تعد رقائق HBM4 حجر الزاوية في إستراتيجية سامسونج الجديدة؛ إذ تمثل الجيل الأحدث من حلول الذاكرة المصممة لتلبية متطلبات الحوسبة المكثفة التي تفرضها نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
ومع تسارع الطلب العالمي على هذه الرقائق باتت الشركات المصنعة أمام اختبار حقيقي لقدرتها على الابتكار والإنتاج بكفاءة عالية.
وفي أكتوبر الماضي كشفت سامسونج عن دخولها في «مباحثات وثيقة» لتوريد رقائق HBM4 إلى شركة إنفيديا. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة؛ نظرًا للدور المحوري الذي تؤدبه إنفيديا في تطوير وحدات المعالجة المستخدمة في تدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي.
وبينما تسعى سامسونج للحاق بمنافسيها، وفي مقدمتهم إس كيه هاينكس. أكد جون يونغ-هيون أن الشركة لا تزال أمامها مهمة مواصلة تحسين تنافسيتها، رغم الإشارات الإيجابية الحالية.
ويعكس هذا التصريح إدراكًا واضحًا لحجم التحديات القائمة، في سوق لا تعترف سوى بالابتكار المستمر.
اشتداد المنافسة
في المقابل أقرت إس كيه هاينكس، المنافس الكوري الجنوبي الأبرز، بأنها استفادت من ظروف خارجية مواتية. مع تبلور الطلب على رقائق الذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع من المتوقع.
وأوضح رئيسها التنفيذي، كواك نو-جونغ أن هذا النمو السريع منح الشركة دفعة قوية خلال الفترة الماضية.
ومع ذلك حذر كواك من أن المنافسة تتصاعد بسرعة لافتة. مشيرًا إلى أن الطلب على الذكاء الاصطناعي بات عنصرًا ثابتًا في السوق وليس مفاجأة إيجابية كما كان في السابق.
وأضاف أن بيئة الأعمال في عام 2026 ستكون أكثر صعوبة مقارنة بالعام الماضي؛ ما يتطلب استعدادًا مبكرًا واستثمارات أكثر جرأة.
وتؤكد بيانات Counterpoint Research هذه الصورة التنافسية؛ إذ أظهرت أن إس كيه هاينكس تصدرت سوق HBM خلال الربع الثالث من عام 2025 بحصة بلغت 53%. تلتها سامسونج بنسبة 35%، ثم ميكرون بنسبة 11%.
وتعكس هذه الأرقام فجوة لا تزال قائمة، لكنها في الوقت ذاته تبرز فرصًا حقيقية أمام سامسونج لتوسيع حصتها السوقية.
أعمال المسابك وصفقات إستراتيجية داعمة
وإلى جانب الذاكرة تركز سامسونج على تعزيز أعمال المسابك، التي تختص بتصنيع الرقائق المصممة من قبل العملاء. وفي هذا الإطار أوضح جون يونغ-هيون أن صفقات التوريد الأخيرة مع كبار العملاء العالميين جعلت هذا النشاط «مهيأً لتحقيق قفزة نوعية كبيرة». ما يعزز تنويع مصادر الإيرادات.
وفي يوليو الماضي وقعت سامسونج للإلكترونيات صفقة ضخمة بقيمة 16.5 مليار دولار مع شركة تسلا. في خطوة اعتُبرت مؤشرًا قويًا على ثقة الشركات العالمية بقدرات سامسونج التصنيعية والتقنية. خصوصًا في ظل الطلب المتزايد على الرقائق المتقدمة في قطاع السيارات الكهربائية.
وتشير هذه الصفقة، إلى جانب مفاوضات HBM4، إلى أن سامسونج لا تراهن على قطاع واحد فقط. بل تتبنى إستراتيجية شاملة تجمع بين الذاكرة، والمعالجات، والتصنيع التعاقدي؛ بما يعزز قدرتها على الصمود أمام تقلبات السوق.
تحديات 2026 وإستراتيجية التحصين
وفي سياق متصل حذر تي إم روه؛ الرئيس التنفيذي المشارك لسامسونج للإلكترونيات، من أن عام 2026 قد يحمل مستويات أعلى من عدم اليقين والمخاطر. مدفوعة بارتفاع أسعار المكونات وتزايد الحواجز الجمركية عالميًا.
ويعكس هذا التحذير وعي الإدارة العليا بالتحديات الجيوسياسية والاقتصادية التي قد تؤثر في سلاسل الإمداد.
وأكد روه أن سامسونج تعتزم تعزيز تنافسيتها الأساسية عبر التنويع الاستباقي لسلاسل الإمداد وتحسين العمليات العالمية؛ بهدف التعامل مع قضايا توفير المكونات وتسعيرها. فضلًا عن تقليل مخاطر الرسوم الجمركية.
وتعد هذه المقاربة جزءًا من رؤية أوسع لضمان الاستدامة على المدى الطويل.
وفي المحصلة يبدو أن رقائق HBM4 تمثل أكثر من مجرد منتج جديد في محفظة سامسونج. بل تشكل ركيزة إستراتيجية لإعادة تموضع الشركة في قلب ثورة الذكاء الاصطناعي.
ومع تزايد حدة المنافسة وتنامي التحديات تبقى قدرة سامسونج على التنفيذ السريع والاستثمار الذكي عاملًا حاسمًا في تحديد مسارها خلال السنوات المقبلة، في سوق لا ترحم المتأخرين.



