يبدو أن مسألة دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة باتت من القضايا الجوهرية في رسم ملامح النمو الاقتصادي المستدام، لاسيما في الدول النامية التي تعتمد على هذه المشاريع كمحرك أساسي للتشغيل والابتكار. هذه الكيانات الاقتصادية، التي تشكل العمود الفقري لسوق العمل، تساهم بنسب كبيرة في الناتج المحلي الإجمالي؛ ما يجعل تمكينها واجبًا وطنيًا واقتصاديًا في آنٍ واحد.
تعاني هذه الكيانات الحيوية غالبًا من عقبات جمة في الحصول على التمويل التقليدي، ما يعيق قدرتها على التوسع وخلق فرص عمل جديدة.
ومن هنا، يتجلى الدور المحوري الذي تلعبه البنوك الإسلامية كشريك إستراتيجي في التنمية؛ فهي لا تقتصر على توفير الحلول المالية فحسب؛ بل تسهم بفاعلية في دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتمكينها، وذلك وفق أسس شرعية متينة ومبادئ تشاركية مبتكرة تعزز من استدامتها ونجاحها.

آليات التمويل الإسلامي
تتميز البنوك الإسلامية بمجموعة من الأدوات التمويلية المرنة التي تتناغم بشكلٍ طبيعي مع متطلبات المشاريع الصغيرة والمتوسطة. وتوفر لها حلولًا مبتكرة بعيدًا عن الفوائد الربوية. تمثل هذه الآليات عنصرًا جوهريًا في دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وفتح آفاق جديدة لنموها.
-
المشاركة:
من أبرز هذه الآليات “المشاركة”، والتي تتفرع إلى “المضاربة” و”المشاركة المتناقصة”. في هذا السياق، تتحول العلاقة بين البنك وصاحب المشروع إلى شراكة حقيقية. يشارك البنك في رأس المال والأرباح بنسب متفق عليها مسبقًا، ويتحمل جزءًا من الخسائر في حالة المضاربة. ما يخفف العبء المالي المباشر عن المشروع الناشئ.
بينما في المشاركة المتناقصة، يتناقص نصيب البنك في الملكية تدريجيًا بمرور الوقت حتى يمتلك العميل الأصل بالكامل. هذا النموذج لا يوفر التمويل فحسب، بل يحفز البنك على تقديم الدعم الفني والإرشادي لضمان نجاح المشروع. وهو ما أكده التقرير السنوي للبنك الإسلامي للتنمية عام 2023.
-
المرابحة للآمر بالشراء:
علاوة على ذلك، تقدم “المرابحة للآمر بالشراء” حلًا فعالًا لتمويل شراء أصول أو سلع محددة، مثل: المعدات أو البضائع أو المواد الخام. يقوم البنك بشراء السلعة بناءً على طلب العميل، ثم يبيعها له بسعر آجل يتضمن هامش ربح متفق عليه. هذه الآلية تتيح للمشاريع الحصول على التمويل اللازم لرأس المال العامل والاستثمار في الأصول دون اللجوء إلى القروض التقليدية القائمة على الفائدة.
-
الإجارة:
من ناحية أخرى، تمكّن “الإجارة” (التأجير التمويلي) المشاريع من استخدام الأصول مثل السيارات والآلات والمباني مقابل إيجارات دورية. توفر “الإجارة المنتهية بالتمليك” إمكانية تملك الأصل في نهاية المدة. وهو ما يقلل الحاجة إلى رأس مال ضخم مقدمًا للاستثمار في البنية التحتية. ويسهل على المشاريع الصغيرة الحصول على الأصول الضرورية لعملها.
-
بيع السلم:
وبالإضافة إلى ذلك، يعد “بيع السلم” أداة تمويلية مهمة، لاسيما في القطاعين الزراعي والصناعي. يتمثل في تقديم تمويل مقدم للمنتج لشراء مدخلات الإنتاج، مقابل تسليم منتج محدد في تاريخ لاحق. هذه الآلية توفر السيولة اللازمة لدورة الإنتاج، وتسهم في دعم المزارعين والصناع الصغار.
الأثر التنموي والشمول المالي
في خضمّ ذلك، تسهم تمويلات البنوك الإسلامية للمشاريع الصغيرة والمتوسطة في تحقيق أهداف تنموية جوهرية. وتعزز من الشمول المالي والاقتصادي على نطاق واسع.
-
خلق فرص العمل:
تعد المشاريع الصغيرة والمتوسطة أكبر مشغّل للقوى العاملة في معظم الاقتصادات. وفي هذا الإطار يشير تقرير حديث لصندوق النقد العربي عام 2022 إلى أن تمويل هذه المشاريع، لا سيما عبر آليات المشاركة في البنوك الإسلامية، يساهم بشكلٍ مباشر في خفض معدلات البطالة، خصوصًا بين الشباب والخريجين الجدد. ما يعزز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
-
تعزيز الشمول المالي:
بينما تصل البنوك الإسلامية بمنتجاتها إلى شريحة أوسع من المجتمع، خاصة أولئك الذين لديهم تحفظات على النظام المالي التقليدي. أو من لا يستوفون شروطه الصارمة. فيما يوسع ذلك قاعدة المستفيدين من الخدمات المالية الرسمية. ويسهم في إدماج المزيد من الأفراد والشركات في النظام المصرفي، وذلك وفقًا لتقرير البنك الإسلامي للتنمية عام 2023.
-
تحفيز ريادة الأعمال والابتكار:
في المقابل، توفر آليات التمويل الإسلامي، خاصة المشاركة، بيئة داعمة لرواد الأعمال المبتكرين الذين قد لا يملكون ضمانات تقليدية كافية ولكن لديهم أفكار واعدة. يشارك البنك في المخاطرة، ما يقلل العبء على رواد الأعمال ويشجعهم على الإقدام على مشاريع جديدة ومبتكرة. الأمر الذي يعزز من ديناميكية الاقتصاد.
-
تنويع الاقتصاد:
ومن الضروري الإشارة إلى أن دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة يسهم في تنويع الاقتصاد من خلال دعم قطاعات متنوعة كالزراعة، الحرف اليدوية، التصنيع الصغير، والخدمات. يساهم هذا التنويع في تقليل الاعتماد على القطاعات التقليدية. ويعزز من مرونة الاقتصاد في مواجهة الصدمات الخارجية. كما يمهد الطريق نحو اقتصاد أكثر شمولية واستدامة.

شراكة إستراتيجية وتنموية
في ختام هذا الطرح، يظهر أن دور البنوك الإسلامية يتجاوز مجرد تقديم التمويل ليشمل شراكة استراتيجية وتنموية مع قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة. فمن خلال آلياتها المتنوعة والمبتكرة، لا تسهم هذه البنوك فقط في حل معضلة التمويل التي تواجهها هذه المشاريع الحيوية، بل تعمل كذلك على تحقيق أبعاد تنموية واقتصادية واسعة.
وتذكّر أن تبني مبادئ المشاركة والمرابحة والإجارة والسلم لا يوفر حلولًا مالية مستدامة تتوافق مع الشريعة فحسب، بل يعزز أيضًا من خلق فرص العمل، ويدعم الشمول المالي. كما يعمل على تحفيز ريادة الأعمال والابتكار، ويسهم في تنويع الاقتصاد الوطني.


