لم تعد المنافسة في قطاع التجزئة تعتمد فقط على الأسعار أو تنوع المنتجات، بل باتت تجربة العملاء العامل الأكثر تأثيرًا في قرارات الشراء وولاء المستهلكين.
ومن هذا المنطلق بدأت شركة تارجت الأمريكية تنفيذ تحول واسع في نموذجها التشغيلي. في خطوة تعكس إدراكًا عميقًا للتغيرات السريعة في سلوك المستهلكين داخل المتاجر الفعلية.
وبحسب ما نقلته وكالة «رويترز» أعلنت الشركة أنها ستوجه استثمارات إضافية نحو زيادة ساعات عمل الموظفين في الصفوف الأمامية داخل المتاجر. وذلك مقابل إلغاء نحو 500 وظيفة مكتبية ووظائف بسلسلة الإمداد. في محاولة لإعادة توزيع الموارد بما يخدم تحسين تجربة العملاء بشكلٍ مباشر.
وعلى هذا الأساس قررت الشركة تقليص عدد مناطق المتاجر -وهي الأقاليم التي تجمع ضمنها متاجر تارجت- لتسهيل تمويل رواتب إضافية وساعات عمل أطول.
فضلًا عن توسيع برامج التدريب الخاصة بموظفي المتاجر؛ بما يعزز مستوى الخدمة المقدمة للزوار ويرفع جودة التفاعل داخل الفروع.
إعادة توزيع الموارد نحو المتاجر
تركز الإستراتيجية الجديدة على ضخ الموارد في نقاط التفاعل المباشر مع المستهلكين. إذ أوضحت تارجت أن الخطوة تمثل إضافة فورية إلى رواتب المتاجر بهدف دعم ساعات عمل أكثر وتخصيص ميزانيات تدريب أعلى لفرق العمل. ومن ثمّ تسعى الإدارة إلى رفع كفاءة الخدمة وتحقيق تجربة العملاء الأكثر سلاسة داخل المتاجر.
ومن ناحية أخرى يعد هذا القرار من أول التحركات الكبرى للرئيس التنفيذي الجديد مايكل فيدلِك. الذي تولى منصبه في وقت سابق من هذا الشهر؛ حيث يهدف إلى جعل الفروع التقليدية أكثر قدرة على المنافسة في ظل توسع التجارة الإلكترونية.
كما يأتي ذلك امتدادًا لتصريحات سابقة أدلى بها فيدلِك في أكتوبر، حين أعلن أن الشركة تعتزم تخفيض نحو 1,800 وظيفة إدارية في أول عملية تسريح كبيرة منذ نحو عقد. وهو ما يشير إلى تحول هيكلي طويل الأمد وليس إجراءً مؤقتًا، يضع تجربة العملاء في قلب النموذج التجاري الجديد.

تأثير القرارات في الموظفين وسلسلة الإمداد
وفقًا للبريد الداخلي المرسل إلى الموظفين من قبل أدريان كوستانزو؛ رئيسة قطاع المتاجر. وجريتشن مكارثي؛ رئيسة سلسلة الإمداد والخدمات اللوجستية، سوف تسرّح الشركة نحو 100 موظف على مستوى مناطق المتاجر. إضافة إلى حوالي 400 موظف في مواقع سلسلة الإمداد.
وعلى الرغم من حساسية هذه القرارات أكدت الشركة أنها أبلغت بالفعل الأفراد المتأثرين بشكلٍ مباشر. كما توفر لهم مجموعة من الموارد والمزايا لدعمهم خلال المرحلة الانتقالية؛ في محاولة لتخفيف آثار التحول التنظيمي.
وفي المقابل ترى الإدارة أن تقليل الطبقات الإدارية يتيح مرونة تشغيلية أعلى، ويقود إلى توجيه الإنفاق نحو الوظائف الأقرب للمستهلك. وهو ما يدعم بناء تجربة العملاء المتكاملة بدلًا من توزيع الميزانيات على الهياكل التنظيمية المعقدة.
لماذا تراهن «تارجت» على تجربة المتجر؟
تشهد تجارة التجزئة العالمية تغيرًا جذريًا؛ إذ أصبح المتجر الفعلي مساحة للخدمة والتفاعل وليس مجرد نقطة بيع. وبالتالي فإن زيادة عدد الموظفين في أرضية المتجر تمنح المستهلك استجابة أسرع ومساعدة أكثر دقة. وهو ما يعزز تجربة العملاء ويزيد احتمالية الشراء.
إضافة إلى ذلك يعكس الاستثمار في التدريب تحولًا نحو البيع الاستشاري؛ حيث لم يعد الموظف مجرد منفذ للعمليات. بل عنصرًا مؤثرًا في قرار الشراء، الأمر الذي يمنح المتاجر ميزة تنافسية أمام المنصات الرقمية.
وبناءً على ذلك تسعى تارجت إلى تحقيق توازن بين التجارة الإلكترونية والفروع التقليدية. إذ ترى أن المتاجر ستظل جزءًا أساسيًا من منظومة البيع؛ بشرط تطويرها لتقديم تجربة العملاء المتقدمة التي يصعب على الإنترنت محاكاتها بالكامل.
مستقبل نموذج التجزئة لدى «تارجت»
يتضح من القرارات الأخيرة أن الشركة تتبنى نموذجًا يعتمد على الكفاءة التشغيلية بدلًا من التوسع الإداري؛ حيث يتم نقل الاستثمارات من المكاتب إلى أرضية المتجر. وهو ما قد يؤدي إلى رفع الإنتاجية لكل موظف.
كما تشير الخطوة إلى توجه أوسع في قطاع التجزئة العالمي؛ حيث أصبحت الشركات الكبرى تقلص الهياكل الخلفية وتزيد الاستثمار في نقاط الاحتكاك المباشر مع المستهلكين. بهدف تحسين تجربة العملاء وتعزيز الولاء طويل الأمد.
وفي المحصلة لا تبدو هذه الإجراءات مجرد خفض تكاليف، بل إعادة صياغة فلسفة البيع بالكامل؛ حيث تتحول المتاجر من مكان لعرض المنتجات إلى منصة متكاملة للخدمة. وهو ما قد يمنح تارجت أفضلية تنافسية في السنوات المقبلة إذا نجحت في تنفيذ التحول بكفاءة.


