تجسد قصة لويسا سيرين شنايدر نموذجًا لافتًا لريادة الأعمال الحديثة؛ إذ استطاعت تحويل فكرة تبدو تقليدية -مثل مشروع ثقب الأذن- إلى علامة تجارية متنامية تنتشر في عشرات الولايات الأمريكية.
وتكشف تجربتها عن مزيج من الجرأة والابتكار والقدرة على مواجهة الشكوك. ما يجعل قصتها مصدر إلهام لرواد الأعمال الساعين إلى الانطلاق من أفكار صغيرة نحو نجاحات واسعة. وتعكس مسيرتها أيضًا كيف يمكن لملاحظة فجوة صغيرة في السوق أن تتحول إلى مشروع مربح يستقطب العملاء ورؤوس الأموال على حدٍ سواء.
وتفاصيل بدايتها، بحسب تقرير موقع CNBC، تشير إلى تخلي لويسا عن راتب تنفيذي مغرٍ في “وول ستريت” لتشرع في رحلتها الجديدة من عليّة منزلها المتواضع. تلك الخطوة مثّلت شجاعة نادرة ومخاطرة محسوبة بعناية، أفضت لاحقًا إلى تأسيس صناعة متخصصة بالكامل تعتمد على الجانب الطبي لتقديم خدمة آمنة وموثوقة لثقب الأذن.
في حين بعد مرور سبع سنوات على التأسيس أصبحت شركتها “Rowan” علامة تجارية رائدة ومرجعية في هذا القطاع. ونتيجة لذلك باتت تقدم خدمات ثقب الأذن تحت إشراف هيئة طبية متخصصة، مستخدمة فريقًا من الممرضات المسجلات لتعزيز ثقة العملاء وضمان أعلى معايير السلامة.
فجوة في السوق تتحول إلى فرصة واعدة
بينما لم يكن إطلاق Rowan مجرد رغبة في تأسيس مشروع جديد؛ بل جاء استجابة مباشرة لمشكلة شخصية واجهتها لويسا شنايدر عند محاولة العثور على مكان آمن لثقب أذن ابنتها. ومن هذا المنطلق بدأت تتبلور فكرة مشروع ثقب الأذن القائم على الدمج بين الأمان الطبي والتجربة الاحتفالية الراقية.
وفيما كانت الخيارات المتاحة تقتصر على مراكز التسوق أو متاجر المجوهرات. لاحظت أن السوق تحتاج إلى خدمة أكثر مهنية وموثوقية تعتمد على كوادر طبية مدرّبة.
وبالإضافة إلى ذلك ساعدت خلفيتها المهنية في صناديق التحوط على قراءة السوق بدقة. إذ كانت تدرك حسب خبرتها أن مراكز التسوق التقليدية لم تعد تجذب العملاء كما في السابق. وأن الخدمات المتخصصة أصبحت أكثر طلبًا. ومن ثم شكل ذلك دافعًا قويًا لتأسيس مشروع يعتمد على نموذج مبتكر يواكب احتياجات الأسر الباحثة عن الأمان، لا سيما عند إجراء جسدي مثل: ثقب الأذن للأطفال.
ومن أجل تعزيز هذه الرؤية اهتمت لويسا بأن يرتكز المشروع على معايير طبية صارمة. مستفيدة من خلفيتها العائلية؛ حيث ينتمي والداها إلى المجال الطبي. وهنا بزغت الفكرة الجوهرية لعلامة Rowan: تقديم خدمة ثقب أذن تُعامل باعتبارها إجراءً طبيًا خاضعًا للخبرة والمعايير، وليس مجرد خدمة تجارية عادية.
بداية متواضعة تقود إلى توسع هائل
انطلقت رحلة مشروع ثقب الأذن من علّية منزل لويسا في مدينة لارشمونت بولاية نيويورك. ورغم محدودية الموارد المالية اعتمدت على نموذج الكونسيرج الذي يرتكز على إرسال ممرضات إلى منازل العملاء. وهي فكرة أثبتت نجاحها في بناء شبكة أولية من العملاء. وعبر صديقة مقرّبة تعمل في كلية التمريض بجامعة كولومبيا استطاعت الشركة الوصول إلى ممرضات مدرّبات ساعدن في تقديم الخدمة بجودة عالية.
وتلا ذلك إطلاق صناديق اشتراك شهرية لبيع أقراط منخفضة الحساسية. ما جذب شريحة واسعة من العملاء الباحثين عن منتج آمن وموثوق. وعلى الرغم من الشكوك الواسعة التي واجهتها لويسا في بدايات المشروع. والتي وصلت إلى حد الاستهزاء بفكرة أن مشروع ثقب الأذن يمكن أن يتحول إلى نشاط تجاري رابح. فإنها واصلت العمل بثقة ورؤية واضحة.
وفي لحظة حاسمة روجت واحدة من المؤثرات على مواقع التواصل لصناديق الشركة، لينفجر الطلب بشكل لم تتوقعه لويسا؛ فباعت الشركة مئات الصناديق خلال دقائق. وأدى هذا الارتفاع المفاجئ إلى تحدٍّ لوجستي كبير، غير أنها استعانت بوالديها اللذين لم يترددا في السفر لساعات ومساعدتها في تعبئة الطلبات بعلّية المنزل. في مشهد يعكس روح البدايات المتواضعة التي تشترك فيها غالبية قصص الريادة.
تحديات التمويل وتغيير النظرة إلى الفكرة
ورغم النجاح الأولي لم يكن تأمين التمويل أمرًا سهلًا؛ إذ واجهت لويسا شنايدر موجة من الرفض من المستثمرين الذين اعتبروا أن مشروع ثقب الأذن ليس ذا حجم كبير بما يكفي لجذب استثمارات. وزادت صعوبة الأمر لأن معظم هؤلاء المستثمرين كانوا رجالًا، لا تربطهم أي خبرة شخصية أو اهتمام بهذا النوع من الخدمات.
ومع ذلك، وبفضل الإصرار والمثابرة، نجحت الشركة في جمع خمسة ملايين دولار من التمويل الأولي بين عامي 2018 و2021. ثم تبعتها جولة تمويل من الفئة A في عام 2021، وأخرى من الفئة B بقيمة 20 مليون دولار في العام نفسه. ما سمح للشركة بالانتقال إلى مرحلة توسّع جديدة.
وبعد عام 2023 أعلنت لويسا أن الشركة أصبحت مربحة بالكامل، وهو إنجاز كبير يعكس قدرة المشروع على النمو ذاتيًا دون الحاجة إلى تمويل إضافي. كما يعزز هذا التحول مكانة Rowan كشركة متماسكة تمتلك نموذجًا ماليًا مستدامًا.
التوسع الوطني وتعزيز التجربة الطبية
تعاونت Rowan مع سلسلة Target الشهيرة عام 2019 لإطلاق أكثر من 300 موقع مؤقت داخل متاجرها. ومع بداية جائحة كورونا قدمت الشركة نموذجًا مبتكرًا للعمل من خلال إرسال الممرضات إلى المنازل. ما سمح للأسر بالاحتفاظ بهذه الخطوة الاحتفالية رغم الإغلاق العام.
وفي وقت لاحق من عام 2020 افتتحت الشركة أول متجر فعلي لها في نيويورك. لتبدأ مرحلة تحول جديدة من الخدمة المنزلية إلى بناء شبكة متاجر متخصصة في مشروع ثقب الأذن وبيع الأقراط الطبية.
وبحلول عام 2022 أنهت شراكتها مع Target بعدما أصبحت استوديوهاتها الخاصة أكثر ربحية، ومع قدرتها على توفير بيئة أفضل للممرضات والعملاء على حد سواء. كما طورت Rowan منهجًا تدريبيًا طبيًا خاصًا لتأهيل ممرضاتها على أعلى مستوى. ما عزز الثقة في الخدمة وشجع المزيد من العملاء على الإقبال عليها.

نجاح متواصل ورؤية مستقبلية واضحة
توظف Rowan الآن أكثر من 550 ممرضة، وتقترب من افتتاح 100 استوديو بحلول نهاية عام 2025. كما تتوقع الشركة تحقيق إيرادات تصل إلى 150 مليون دولار. ما يجعلها واحدة من أسرع العلامات التجارية نموًا في مجال خدمات الجمال الطبية.
وتوضح لويسا شنايدر أن النجاح الحقيقي يتمثل في رؤية فرحة العملاء بعد ثقب الأذن؛ إذ تقول: «كل ابتسامة، وكل تصفيق من العائلة، يؤكد أننا نسير في الطريق الصحيح». وهكذا أصبح مشروع ثقب الأذن الذي بدأ بخطوة متواضعة نموذجًا يدرّس في الإصرار والابتكار وإعادة تعريف تجربة المستهلك.



