في ضوء التطورات الاقتصادية المتوقعة، وما يصاحبها من ضغوط على السياسة النقدية، كثّف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اليوم الأربعاء، من انتقاداته اللاذعة لمجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي)؛ حيث وجه ترامب لومه مجددًا إلى جيروم باول؛ رئيس الفيدرالي الأمريكي متهمًا إياه بالتأخر المفرط في خفض أسعار الفائدة، الأمر الذي اعتبره عقبة كأداء أمام النمو الاقتصادي المرجو.
وجاءت هذه الانتقادات في إطار كلمة ألقاها ترامب بمدينة جيونجو الكورية الجنوبية؛ حيث وصف باول بعبارة ساخرة لاذعة قائلًا: “جيروم متأخر جدًا”؛ ما أثار ضحك الحضور من المديرين التنفيذيين والقادة المجتمعين في قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي “أبيك”. هذا الهجوم المباشر يسلط الضوء على عمق التوتر بين البيت الأبيض والفيدرالي الأمريكي.
الهاجس التضخمي وتوقعات النمو
وفي معرض حديثه، أضاف ترامب أنه “ليس لنا أن يكون لدينا مجلس احتياطي يرفع أسعار الفائدة لأنهم قلقون بشأن التضخم بعد ثلاث سنوات من الآن”. يكشف هذا التصريح عن قلق ترامب من أن السياسة التشددية للفيدرالي الأمريكي تستند إلى مخاوف مستقبلية بعيدة المدى. ما قد يعني ضمنًا إقراره بأن التضخم قد يتسارع في نهاية المطاف، ولكن ليس في الوقت الراهن.
وعلى صعيد التوقعات، تابع الرئيس الأمريكي بأنه يتوقع أن يتوسع الاقتصاد الأمريكي بنسبة 4% في الربع الأول من عام 2026. ويعد هذا التوقع أعلى بكثير من متوسط التقديرات الواردة في استطلاع أجرته وكالة “رويترز”؛ حيث يرى الاقتصاديون أن الرسوم الجمركية الجديدة التي فرضتها إدارة ترامب تظل تشكل عائقًا أمام النمو، خلافًا لرؤية البيت الأبيض.
توتر العلاقات وتخلف البنك المركزي
تسلط تصريحات اليوم الأربعاء الضوء بشكلٍ مكثف على حالة التوتر غير المسبوقة بين الرئيس الأمريكي ومجلس الاحتياطي. فترامب لا يكتفي بالانتقاد العام، بل يلوم باول بشكلٍ متواصل لعدم خفض أسعار الفائدة بالسرعة الكافية، الأمر الذي يعتبره ترامب تقاعسًا عن دوره.
وقال ترامب إن مجلس الاحتياطي يتخلف في قراراته عن البنك المركزي الأوروبي. وبذلك “يضر بثقة قطاع الأعمال”؛ ما يشير إلى أن السياسة النقدية لـ “الفيدرالي الأمريكي” أصبحت عاملًا سلبيًا يؤثر في معنويات المستثمرين وخطط الشركات للتوسع.
توقعات الخفض المرتقب
على الرغم من تصعيد ترامب لانتقاداته، إلا أن المحللين الاقتصاديين يتوقعون أن يستجيب مجلس الاحتياطي لهذه الضغوط. أو ربما يستجيب للمعطيات الاقتصادية، من خلال خفض سعر الفائدة الرئيسي بمقدار ربع نقطة مئوية في اجتماعه الذي يختتم في وقت لاحق من اليوم.
وهذا الخفض، إن تم، يمثل نقطة تحول في السياسة النقدية بعد سلسلة من قرارات الرفع. لكنه قد لا يرضي ترامب الذي يرى أن الخفض يجب أن يكون أسرع وأكثر جرأة، لا سيما في ظل رغبته المعلنة في تحقيق معدلات نمو اقتصادي غير مسبوقة.

السياسة النقدية مقابل المالية
وينظر ترامب إلى أسعار الفائدة المرتفعة كحاجز يعيق النمو الذي تسعى إدارته لتحقيقه عبر التخفيضات الضريبية والتحفيز المالي. ويؤمن بأن التكلفة المنخفضة للاقتراض هي المفتاح لزيادة الاستثمار الخاص وتحريك عجلة التوسع الاقتصادي.
وفي المقابل، يرى الفيدرالي الأمريكي أن دوره الأساسي هو الحفاظ على استقرار الأسعار وتحقيق التوظيف الأقصى. وأن الخضوع للضغوط السياسية قد يقوض استقلاليته ويؤدي إلى ارتفاع غير منضبط في التضخم لا يمكن السيطرة عليه لاحقًا.
استقلالية البنك المركزي
لطالما كانت استقلالية البنك المركزي مبدأً مقدسًا في النظام المالي الأمريكي. يهدف إلى حماية القرارات النقدية من التقلبات السياسية قصيرة المدى. لكن ترامب، بصفته رئيسًا، لا يخفي رغبته في التدخل المباشر والتأثير في هذه القرارات.
وهذا الضغط السياسي المستمر يعد ظاهرة غير مألوفة في التاريخ الحديث للعلاقة بين البيت الأبيض والفيدرالي الأمريكي. ما يثير تساؤلات جدية حول مستقبل هذه المؤسسة ودورها الحيادي.
سوابق الخلافات الرئاسية
تذكر تصريحات ترامب بخلافات سابقة بين رؤساء أمريكيين ومجالس احتياطي اتحادي؛ إلا أن حدة وتكرار هجمات ترامب على باول تتجاوز ما شوهد في العقود الماضية. فالرئيس ترامب لا يوجه النقد لقرار واحد، بل يشكك في حكمة المجلس بأكمله وإستراتيجية عمله.
ويأتي هذا الصدام في وقت حرج؛ فالاقتصاد العالمي يواجه تحديات معقدة، تتطلب تنسيقًا وتناغمًا بين السياسات المالية للحكومة والسياسات النقدية للبنك المركزي. وهو ما يبدو غائبًا في المشهد الأمريكي الحالي.
توقعات السوق والاستجابة المنتظرة
ينتظر المستثمرون والأسواق العالمية نتائج اجتماع مجلس الاحتياطي الاتحادي اليوم بفارغ الصبر، ليس فقط لمعرفة القرار بشأن سعر الفائدة. ولكن أيضًا لتقييم مدى مرونة البنك المركزي في مواجهة الضغوط الرئاسية.
فاستجابة الفيدرالي الأمريكي ستحدد ملامح السياسة النقدية الأمريكية لشهور قادمة. وتؤثر في قرارات التمويل والاستثمار على مستوى العالم.


