أصبحت أوروبا أمام منعطف إستراتيجي يفرض عليها الإسراع في صياغة رؤية موحدة للتعامل مع الذكاء الاصطناعي، بعدما تحول هذا المجال إلى إحدى أبرز أدوات النفوذ العالمي.
وبينما تمضي الولايات المتحدة والصين في تعزيز حضورهما التقني. يواجه الاتحاد الأوروبي ضغوطًا متزايدة لاتخاذ خطوات عملية تحافظ على استقلاله الرقمي وتدعم أمنه التقني في المستقبل.
وبحسب شبكة CNBC، نقلًا عن الكاتبة مارييتشي شاكي؛ في معهد ستانفورد للذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان، فإن أوروبا مطالبة بالتحرك سريعًا لوضع إستراتيجية موحدة. بعدما أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي جزءًا أساسيًا من أدوات القوة التي تستخدمها الدول الكبرى لتعزيز نفوذها على الساحة الدولية.
وتشير الكاتبة إلى أن تردد الاتحاد الأوروبي في تحديد مساره السياسي قد يضعف قدرته على مواكبة التحولات المتسارعة. كما ترى أن المرحلة الحالية تتطلب رؤية مشتركة تضمن حماية المصالح الأوروبية وتعزز مكانة القارة في المنافسة العالمية.
اجتماع مرتقب لتوحيد الرؤية
يستعد رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا لعقد اجتماع لقادة الاتحاد الأوروبي خلال الخريف المقبل لمناقشة مستقبل الذكاء الاصطناعي. ورغم أن هذه الخطوة جاءت بعد سنوات من تسارع المنافسة الدولية، فإنها تمثل فرصة لإعادة ترتيب الأولويات الأوروبية.
وترى مارييتشي شاكي أن الاجتماع المرتقب قد يسهم في توحيد السياسات بين دول الاتحاد. إلى جانب وضع إطار مشترك للتعامل مع التحديات الناشئة عن الاعتماد المتزايد على المنصات الأجنبية في تطوير وتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
كذلك تؤكد أن امتلاك خيارات أوروبية مستقلة لم يعد مجرد هدف تقني، بل أصبح ضرورة ترتبط بالأمن القومي والسيادة الرقمية. في ظل التأثير المتزايد للتكنولوجيا في مختلف القطاعات الحيوية.
السيادة الرقمية والأمن القومي
وتوضح الكاتبة أن غياب البدائل السيادية يجعل الأوروبيين أكثر عرضة لتأثير القرارات التي تصدرها حكومات أجنبية. وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على أمنهم القومي وقدرتهم على حماية مصالحهم الإستراتيجية.
وتضيف أن أي نقاش يدور حول السيادة الرقمية أو الاستقلال الإستراتيجي يرتبط في جوهره بمستقبل الذكاء الاصطناعي. باعتباره أحد أهم المحركات للتطور الاقتصادي والتقني خلال السنوات المقبلة.
وفي الوقت ذاته، تشدد مارييتشي على ضرورة أن يواجه القادة الأوروبيون الجوانب الأمنية بصورة مباشرة. مع تصاعد التنافس بين مختبرات الذكاء الاصطناعي واتساع ارتباط هذه التكنولوجيا بالاعتبارات الجيوسياسية. مؤكدة أهمية منح الثقة والسلامة أولوية في جميع السياسات المستقبلية.
المنافسة العالمية تفرض تحركات جديدة
وتلفت الكاتبة إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة لتعزيز الهيمنة العالمية. مشيرة إلى استخدام نموذج “مايثوس” التابع لشركة أنثروبيك داخل وكالات الاستخبارات الأمريكية. مع تقييد وصول الحلفاء الأوروبيين إليه.
وترى أن هذه التطورات تؤكد حاجة أوروبا إلى بناء قدراتها الذاتية. حتى لا تعتمد بصورة كاملة على تقنيات أو منصات خارجية في المجالات الحساسة المرتبطة بالأمن والدفاع وصنع القرار.
كما تدعو إلى إنشاء هياكل تنسيق أوروبية للاستجابة السريعة للأزمات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي. على غرار فرق العمل التي أُنشئت للتعامل مع أزمات سابقة مثل كوفيد والأزمة المالية، بما يضمن سرعة اتخاذ القرار عند الحاجة.
الاستثمار في الكفاءات وبناء المستقبل
وتؤكد مارييتشي شاكي أن نجاح أي إستراتيجية أوروبية يتطلب استقطاب الكفاءات للعمل في مواقع صنع القرار. بما يضمن الاستفادة من الخبرات العلمية في رسم السياسات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.
وتطالب أيضًا بإنشاء معاهد وطنية متخصصة في أمن الذكاء الاصطناعي داخل أوروبا. إلى جانب إطلاق برامج تستهدف جذب المواهب وتنمية الكفاءات. بما يعزز القدرة على تطوير التقنيات محليًا ويقلل الاعتماد على الخارج.
وتخلص الكاتبة إلى أن مستقبل أوروبا في مجال الذكاء الاصطناعي لن يعتمد على التشريعات وحدها. بل قدرتها على توحيد سياساتها، وتعزيز أمنها التقني، والاستثمار في العقول والخبرات. بما يمنحها حضورًا أقوى في سباق التكنولوجيا العالمي ويحافظ على مصالحها الإستراتيجية خلال السنوات المقبلة.


