تتجه المملكة العربية السعودية اليوم نحو قمة الريادة العالمية، مدفوعةً بإصلاحات تشريعية واقتصادية جذرية أعادت رسم ملامح المشهد الإقليمي والدولي؛ ولذلك، لم يعد نمو الاقتصاد السعودي مجرد إحصائية عابرة، بل هو تجسيد لقصة نجاح دولة تتمتع بقرار سيادي قوي ومؤثر.
وهكذا، أثبتت المملكة أنها ركيزة أساسية لا غنى عنها ضمن كل المعادلات العالمية. بدءًا من أسواق الطاقة ووصولًا إلى قطاعات التكنولوجيا والاستثمار. وبالتالي، هذا التحول العميق ليس مصادفة، وإنما هو نتاج مباشر لرؤية طموحة تهدف بوضوح إلى تنويع مصادر الدخل الوطني وترسيخ مكانة المملكة كقوة استثمارية عالمية مؤثرة.
وعلى صعيد متصل، يتجلى هذا الزخم الإيجابي والتحول الممنهج بوضوح تام عبر استضافة المملكة لفعّاليات عالمية ضخمة؛ حيث أصبحت هذه التجمعات بمثابة منصات انطلاق رئيسية للابتكار وتعزيز الشراكات الدولية المستدامة. ونتيجة لذلك، نجحت السعودية ببراعة في تحويل مدنها إلى عواصم عالمية حقيقية. تلتقي فيها النخب الاقتصادية والقيادية من مختلف أنحاء العالم لتبادل الخبرات ورسم المستقبل المشترك.
تلك الفعاليات البارزة، والتي تبدأ بمؤتمر ليب وملتقى بيبان مرورًا بمعرض سيتي سكيب العالمي ومنتدى مسك العالمي. بالإضافة إلى منتدى الاستثمار الأمريكي- السعودي 2025، لا تمثل مجرد لقاءات سنوية تقليدية. بل على العكس، هي دلائل حية وملموسة لالتزام المملكة الراسخ بتمكين رواد الأعمال وتعزيز بيئة الأعمال الجاذبة. وبهذا، تؤكد المملكة ريادتها المستمرة كمركز عالمي متقدم للاستثمار والابتكار والشراكة الفاعلة.
مؤتمر «ليب 2025»
شهدت العاصمة الرياض، انطلاق أعمال النسخة الرابعة من مؤتمر «ليب 2025»، الحدث التقني الأبرز في المنطقة. الذي جاء هذا العام تحت شعار «نحو آفاق جديدة» خلال الفترة من 9 إلى 12 فبراير 2025.
وشكّل المؤتمر محطة محورية تعكس صعود المملكة كوجهة عالمية للاستثمارات في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية والحوسبة السحابية. بإجمالي استثمارات تجاوزت 14.9 مليار دولار، وفقًا لما أوردته وكالة «واس» في تقريرٍ لها. ولعلّ هذا الرقم القياسي يؤكد بوضوح المكانة التي باتت تحتلها المملكة كمركز رئيسي للابتكار والتقنيات المتقدمة.
ومن جهة أخرى، يعكس هذا الإنجاز حجم الدعم الإستراتيجي الذي يحظى به القطاع التقني في ظل قيادة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز؛ ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظه الله-. حيث يعزز ذلك الالتزام الراسخ بتحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030 وتنويع الاقتصاد السعودي وترسيخ مكانة المملكة كقوة عالمية في التقنية والذكاء الاصطناعي.
ولأن «ليب» لم يعد مجرد مؤتمر بل منصة عالمية تُسهم في صياغة مستقبل التكنولوجيا. فقد جاء هذا الحدث ليجمع بين كبار الخبراء والمستثمرين ورواد الأعمال. ما أتاح تبادل الخبرات وتحفيز الابتكار وتعزيز الحراك الريادي داخل المملكة وخارجها.
منصة عالمية تجمع العقول
تضافرت جهود وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، بالتعاون مع الاتحاد السعودي للأمن السيبراني والبرمجة والدرونز وشركة تحالف، لتقديم نسخة استثنائية من المؤتمر. وبالفعل، تجلت ملامح هذه النسخة التنافسية بمستوى مشاركة دولية واسع النطاق؛ حيث سجل المؤتمر حضور أكثر من 200 ألف زائر. وإضافة إلى ذلك، شارك 1800 جهة محلية ودولية، كما ضم الحدث 1000 متحدث عالمي و680 شركة ناشئة.
وخلال سير أعماله، استطاع المؤتمر على مدار أيامه الأربعة توقيع صفقات نوعية غير مسبوقة وإطلاق استثمارات ضخمة. في الوقت الذي تجاوزت محافظ مديري الأصول المشاركين فيه حاجز الـ 22 تريليون دولار أمريكي. ويعكس هذا الإنجاز الثقة المتزايدة بقوة ومتانة الاقتصاد السعودي وقدرته الجوهرية على قيادة دفة التحول الرقمي ضمن المنطقة ككل.
وبناءً على هذه المعطيات، جاءت هذه النسخة لتؤكد أن مؤتمر «ليب» تجاوز كونه مجرد حدث سنوي تقليدي. بل صار، منصة إستراتيجية محورية تُرّكز على تسريع وتيرة الابتكار الرقمي، وتهدف إلى تحفيز منظومة الأعمال. وأيضًا تمكين الشركات الناشئة من اختراق أسواق جديدة، ويتم ذلك عبر بيئة غنية لا تنضب بالفرص.
استثمارات نوعية تعزز مكانة المملكة
وفي سياق الاستثمارات، شهد «ليب 2025» الإعلان عن مجموعة من الشراكات الضخمة التي تؤكد تسارع التطور الرقمي داخل المملكة. أبرز هذه الاستثمارات تمثل في شراكة بقيمة 1.5 مليار دولار بين شركة «جروك» و«أرامكو ديجيتال». لدعم قدرات الحوسبة السحابية المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وهو ما يُعزّز البنية التحتية الرقمية ويُسهم في تسريع التحول الذكي.
كما أعلن المؤتمر عن استثمار قيمته 2 مليار دولار بين شركتي «آلات» السعودية و«لينوفو» الصينية لإنشاء مركز تصنيع وتقنيات متقدمة قائم على الروبوتات والذكاء الاصطناعي. الأمر الذي يدفع المملكة نحو توطين التقنيات المتقدمة وتعزيز قدرتها الإنتاجية.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل شهد المؤتمر إطلاق مشاريع جديدة تستهدف دعم البنية التحتية الرقمية وتمكين الشركات الناشئة وتوسيع فرص الابتكار. ما يعزز مكانة المملكة كمحور رئيسي للاستثمارات التقنية على المستوى العالمي.
قصص نجاح تنطلق من الرياض إلى العالم
ولم تكن الاستثمارات الكبرى وحدها هي محور الاهتمام، فقد شهد المؤتمر أيضًا قصص نجاح ملهمة لشركات ناشئة انطلقت من «ليب» ووصلت إلى العالمية. فعلى سبيل المثال، تمكنت شركة Ejari من الحصول على أول جولة استثمارية بقيمة مليون دولار خلال مشاركتها، تبعتها جولة بقيمة 15 مليون دولار. ما ساهم في توسيع فريقها ونمو مشاريعها.
كما برزت شركة Data Lexing السعودية الناشئة التي شاركت في «ليب 2022»، لتصل اليوم إلى أكثر من 2000 عميل في 10 دول، 65% منهم من خارج المملكة. وفي ذات السياق، حققت شركة Quant جولة استثمارية بقيمة 2 مليون دولار في يوم واحد فقط، وذلك ضمن فعاليات المؤتمر. في مؤشر واضح على قوة منصة “ليب” في تسريع الصفقات.
والأهم من ذلك، أعلن الخميسي أن «ليب» سيغادر للمرة الأولى حدود المملكة ليقام في نسختين عام 2026، الأولى في الرياض والثانية في هونج كونج. ليُعزز بذلك انتشار المملكة عالميًا ويُرسخ دورها كقوة قيادية في الاقتصاد السعودي الرقمي.
«بيبان 2025» يرسم ملامح مستقبل ريادة الأعمال
نظمت الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة “منشآت”، فعاليّات ملتقى «بيبان 2025» خلال الفترة من 5 إلى 8 نوفمبر 2025 تحت عنوان «وجهة عالمية للفرص»، في حدث يُعد أحد أضخم التجمعات الريادية في المنطقة.
واختتم الملتقى أعماله بإجمالي اتفاقيات وإطلاقات تجاوزت 38 مليار ريال. فيما تخطى عدد زواره 100 ألف زائر؛ ما يؤكد المكانة الاقتصادية المتنامية للمملكة ودورها المحوري في دعم منظومة الأعمال. وبمرور أيام الملتقى، تزايدت المبادرات والاتفاقيات، الأمر الذي يعكس حجم الاهتمام المحلي والدولي بالمشهد الريادي السعودي.
ومع تتابع الفعّاليات، برزت الجهود الكبيرة لـ«منشآت» في تعزيز بيئة الأعمال وتمكين روادها. إذ جاء تنظيم الملتقى امتدادًا لتوجهات المملكة الرامية إلى دعم المشروعات الناشئة والمتوسطة، وتنويع الاقتصاد، وتهيئة بيئة استثمارية جاذبة. كما أن عنوان الملتقى «وجهة عالمية للفرص» عبّر بوضوح عن طموح المملكة في التحول إلى مركز إقليمي ودولي لريادة الأعمال وابتكار الحلول.
ولم يكن الإقبال اللافت على الملتقى مجرد حضور عددي. بل مثّل رسالة مباشرة على اتساع قاعدة المهتمين بقطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة. وارتفاع الوعي بأهمية الريادة في دعم الاقتصاد السعودي، خصوصًا مع ما تقدمه المملكة من تسهيلات وتنظيمات وتشريعات داعمة ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030.
اتفاقيات اليوم الختامي
وفي اليوم الرابع والأخير من الملتقى -وفقًا لوكالة واس- تم توقيع أربع اتفاقيات تعاون وإطلاق مشاريع ومبادرات بقيمة إجمالية قاربت 8.1 مليارات ريال. وذلك في خطوة نوعية تهدف إلى دعم رواد الأعمال وتوسيع نطاق المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة. شكّلت هذه الاتفاقيات امتدادًا لمسار متكامل من المبادرات التي تبنتها «منشآت» خلال أيام الملتقى. وكلها تصبّ في اتجاه واحد هو تعزيز نمو الاقتصاد السعودي.
كما وقعت «منشآت» ثلاث اتفاقيات تمويلية مع شركات متخصصة في قطاع التمويل، لتوفير حلول مالية ميسّرة تسهم في تمكين الرواد من تطوير أعمالهم. فتم توقيع اتفاقية مع شركة ليندو للتمويل بقيمة 6 مليارات ريال، وأخرى مع شركة تمويل الأولى لتخصيص 1.2 مليار ريال، إضافة إلى اتفاقية مع شركة تأجير للتمويل لتقديم 500 مليون ريال. ومن خلال هذه المحفظة التمويلية الضخمة، باتت الخيارات أمام رواد الأعمال أكثر مرونة. ما يعزز قدرتهم على التوسع والمنافسة.
وفي السياق ذاته، وقّعت «منشآت» اتفاقية تعاون مع مؤسسة الأميرة العنود الخيرية، بهدف دعم وتمكين روّاد الأعمال في مختلف المناطق السعودية. وتهدف الاتفاقية إلى احتضان مشاريع ريادية واعدة، والعمل على تطويرها وتوسيع انتشارها. بما يتناسب مع الحركة الاقتصادية المتنامية في السوق السعودي.
إعلانات ومبادرات ريادية
وإلى جانب الاتفاقيات، شهد اليوم الأخير إطلاق الدفعة الحادية عشرة من برنامج «رواد الابتكار» الذي تشرف عليه «منشآت». وذلك دعمًا للمبتكرين السعوديين وتطوير مشروعاتهم التقنية وريادية، بما يواكب التحول الرقمي العالمي. كما تم خلال الملتقى تكريم أفضل خمس جامعات ريادية على مستوى المملكة، وفق نتائج مبادرة دراسة المنظومة الريادية في الجامعات. وهو ما يعكس اهتمام المملكة بترسيخ ثقافة الريادة في الأوساط الأكاديمية.
ولم يقتصر التكريم على الجامعات؛ إذ تم أيضًا تكريم الشركات الفائزة في مسابقة «رواد أعمال الجامعات». إضافة إلى تتويج الفائزين في كأس العالم لريادة الأعمال. إلى جانب تكريم أبرز الجهات التمويلية الداعمة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة خلال عام 2024. ومن خلال هذه المبادرات، أصبحت الجامعات والشركات الناشئة جزءًا محوريًا من حركة ريادة الأعمال في المملكة.
كما شهد اليوم الأول من الملتقى توقيع 21 اتفاقية ومذكرة تفاهم. إضافة إلى إطلاق مبادرات تجاوزت قيمتها 22.3 مليار ريال، ما يعكس حجم الزخم الذي انطلق به الملتقى منذ اللحظة الأولى. وفي اليوم الثاني، تم توقيع 22 اتفاقية أخرى وإطلاق خمس مبادرات داعمة. تؤكد جميعها الحرص المؤسسي والقطاعي على دعم الريادة وتمكين المنشآت الصغيرة والمتوسطة.
اتفاقيات دولية
وعلى الصعيد الدولي، برزت أهمية الملتقى كمنصة عالمية لتبادل الخبرات وبناء الشراكات. إذ تم توقيع عدة اتفاقيات مع جهات دولية؛ أبرزها: منظمة التجارة الخارجية اليابانية، والمعهد الكوري لتطوير الشركات الناشئة، والوكالة الوطنية للابتكار التايلندية. ووكالة سنغافورة لتطوير الأعمال، ووكالة استثمر في الهند، إضافة إلى وكالة KOSME الكورية، ومجلس التجارة والاستثمار السويدي، والوكالة الفرنسية لتطوير الأعمال. وتشير هذه الشراكات إلى المكانة الدولية المتنامية للقطاع الريادي السعودي.
وفي اليوم الثالث وحده، بلغت حصيلة الاتفاقيات 11 اتفاقية و7 إطلاقات بقيمة تجاوزت 7.6 مليارات ريال. معظمها محافظ تمويلية موجهة لدعم المشاريع الريادية وتعزيز نمو المنشآت الصغيرة والمتوسطة. ويؤكد هذا الزخم المالي المتواصل رغبة الجهات الحكومية والخاصة في ضخ المزيد من الاستثمار في اقتصاد قائم على الابتكار.
جلسات حوارية وورش عمل
واستقبلت مسارح ملتقى «بيبان 2025» أكثر من 200 متحدث محلي ودولي، تناولوا في جلساتهم الحوارية محاور متعددة شملت الذكاء الاصطناعي، والفضاء، والاستدامة، والتمويل. وسلاسل الإمداد، والتقنية، وغيرها، وإلى جانب الجلسات، شهد الملتقى أكثر من 80 ورشة عمل، و2150 جلسة استشارية، و1000 جلسة إرشاد. ما يعكس حجم المحتوى المعرفي الذي احتضنه الملتقى.
كما سجّل باب التجارة الإلكترونية حضورًا لافتًا تجاوز 36 ألف زائر. ما يعكس تسارع الطلب على الحلول الرقمية، ودور القطاع في دعم الاقتصاد السعودي وتمكين الرواد. وبلغت قيمة الصفقات الاستثمارية في حلبة المستثمرين نحو 22.2 مليون ريال، استفادت منها 55 شركة ناشئة.
معرض سيتي سكيب العالمي 2025
انطلقت في العاصمة الرياض فعاليات «معرض سيتي سكيب العالمي 2025»، الحدث العقاري الأكبر عالميًا. وذلك خلال الفترة الممتدة بين السابع عشر والعشرين من نوفمبر الجاري. في نسخة تعكس المكانة الريادية للمملكة في رسم ملامح مستقبل المدن الذكية.
وجاء هذا الحدث الدولي الكبير برعاية وزارة الشؤون البلدية والإسكان وبدعم إستراتيجي من الهيئة العامة للعقار وبرنامج الإسكان. الذي يُعد أحد أهم المبادرات المنبثقة عن «رؤية السعودية 2030» في مجال التطوير العمراني والارتقاء بجودة الحياة.
وتولت شركة «تحالف» تنظيم هذا المعرض الضخم، كونها مشروعًا مشتركًا يضم الاتحاد السعودي للأمن السيبراني والبرمجة والدرونز وصندوق الفعاليات الاستثماري. إضافة إلى الشريك العالمي شركة «إنفورما».
ويُعد هذا التعاون المتكامل مثالًا على الشراكات الحديثة التي تعتمدها المملكة لرفع كفاءة منظومتها العقارية وتعزيز قدرتها التنافسية. وبالإضافة إلى ذلك، شكّل المعرض فرصة لعرض أحدث التوجهات العقارية وأضخم المبادرات الإنمائية، في خطوة تهدف إلى جعل القطاع العقاري السعودي مركزًا استثماريًا عالميًا.
وعلى صعيد آخر، تميزت الفعاليات بحضور قوي من قبل عدد من الشركات الوطنية الكبرى، من بينها الشركة الوطنية للإسكان (NHC)، وشركة الدرعية، ومجموعة روشن، والمربع الجديد، ومدينة القدية، و«رؤى الحرم المكي». ويُبرز هذا التنوع في الشركاء حرص المملكة على بناء بيئة عقارية متكاملة تتضافر فيها الجهود لتسريع وتيرة التنمية العمرانية المستدامة.
صفقات قياسية تؤكد جاذبية السوق العقارية
شهد اليوم الأول والثاني من المعرض زخمًا كبيرًا. وهو ما ظهر جليًا من خلال القيمة القياسية للصفقات المُبرمة. والتي تجاوزت 43 مليار دولار -وفقًا لما ذكرته وكالة واس- ما يعكس الثقة العالمية في أداء القطاع العقاري السعودي. وتأتي هذه المؤشرات الاستثنائية لتعزز مكانة المملكة كوجهة جذابة للمستثمرين المحليين والدوليين، خاصة في ظل النمو السريع لمشاريع التطوير السكني والتجاري.
وفي كلمة افتتاحية، أكد ماجد الحقيل؛ وزير الشؤون البلدية والإسكان، أن المعرض يمثل منصة وطنية تستعرض طموحات المملكة في بناء مدن ذكية متكاملة تحقق أنماط حياة عصرية ومبتكرة. وشدد الوزير على أن هذا التجمع العالمي يسهم في تأسيس اقتصاد عقاري متين يعتمد على الابتكار وأعلى معايير الاستدامة البيئية. إضافة إلى تعزيز مشاركة القطاع الخاص في صياغة مستقبل المدن السعودية.
وأوضح الحقيل أن أنشطة العقار والتشييد والبناء أسهمت بنسبة 13.8% من الناتج المحلي الإجمالي حتى الربع الثاني من عام 2025، وهو ما يعكس توسع القطاع بشكل مستمر. كما أشار إلى الحاجة المتزايدة لتوفير 1.5 مليون وحدة سكنية في المدن الرئيسة بالمملكة بحلول عام 2030. موضحًا أن مدينة الرياض تستحوذ وحدها على 731 ألف وحدة ضمن خطط التوسع العمراني المستقبلي.

إطلاقات ضخمة وشراكات تعزز توطين الابتكار
في سياق آخر، أعلنت الشركة الوطنية للإسكان (NHC) عن إطلاق 134 ألف وحدة سكنية جديدة بقيمة إجمالية تصل إلى 100 مليار ريال، ضمن مساعيها لتلبية الطلب المتزايد على السكن. ولم يقتصر التوسع على الداخل فقط؛ إذ وقعت الشركة شراكات إستراتيجية مع كيانات عالمية من كوريا الجنوبية والصين وتركيا ومصر، بقيمة إجمالية بلغت 8 مليارات ريال. ما يعكس انفتاح السوق السعودي على الخبرات الدولية.
وبالتوازي مع ذلك، كشفت حديقة الملك سلمان عن شراكة إستراتيجية مع شركتي «أجدان» و«سدكو كابيتال». تهدف إلى تطوير 600 ألف وحدة سكنية جديدة بقيمة مليار دولار. إضافة إلى إنشاء 200 فندق ومجموعة من المكاتب التجارية، بما يجعل الحديقة وجهة حضرية متكاملة قادرة على استيعاب مختلف الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية.
ومن جهتها، أعلنت شركة رتال للتطوير العمراني عن إطلاق محفظة مشاريع جديدة بقيمة 12 مليار ريال. ليرتفع إجمالي مشروعاتها منذ تأسيسها إلى 26 مليار ريال، في إطار تعزيز دورها القيادي في دعم مسيرة التنمية العمرانية. كذلك كشفت شركة محمد الحبيب العقارية عن مشروعها الجديد «تُرى». الذي تتجاوز قيمته الاستثمارية 4 مليارات ريال، ليشكل إضافة نوعية للمشهد العقاري في العاصمة، وتعزيز نمو الاقتصاد السعودي.
تنويع الاستثمارات العقارية محليًا ودوليًا
وإلى جانب ذلك، أعلنت شركة عبدالله العثيم للاستثمار عن إطلاق مشروعين جديدين تتجاوز قيمتهما الإجمالية 1.1 مليار دولار. في خطوة تعكس إستراتيجية الشركة لتوسيع استثماراتها في قطاع التطوير العقاري المتنوع، وتتماشى هذه المشاريع مع رؤية المملكة الرامية إلى بناء بيئة استثمارية أكثر تنوعًا وجاذبية.
وفي الاتجاه ذاته، أطلقت شركة ماونتن ڤيو السعودية مشروعها السكني الجديد «حياة ماونتن ڤيو» في مدينة الرياض، بالشراكة مع الشركة الوطنية للإسكان، ضمن استثمارات تتجاوز 600 مليون دولار. ويؤكد هذا التعاون المتنامي بين المطورين المحليين والدوليين أهمية تبادل الخبرات ونقل المعرفة. بما يدعم تقديم حلول عمرانية مبتكرة ومتطورة.
وبالتوازي مع هذه الإطلاقات، ركزت جلسات اليومين الأول والثاني على مناقشة آليات جذب الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI) وأثر المشاريع الوطنية الكبرى في تعزيز نمو القطاع العقاري. وشارك في الجلسات عدد من القيادات العقارية، من بينهم لؤي الناهض؛ الرئيس التنفيذي لصندوق التنمية العقارية، ومحمد البطي؛ الرئيس التنفيذي لشركة NHC، وبراين هيغنز؛ المؤسس والشريك الإداري في King Street Capital Management. الذين استعرضوا رؤى وتوجهات تعزز مكانة المملكة على خريطة الاستثمار العقاري العالمية.
صفقات عقارية بـ 237 مليار ريال في 4 أيام
وفي ختام أعماله، حقق المعرض صفقات عقارية بلغت 237 مليار ريال خلال أربعة أيام. وجاء هذا الإنجاز كتأكيد على النمو المتسارع الذي يشهده القطاع العقاري في المملكة. كما رسخ مكانة المعرض بوصفه منصة دولية تجمع المستثمرين والمطورين وقادة التطوير الحضري.
وبالنظر إلى حجم الفعّالية، سجل المعرض توسعًا ملحوظًا في المشاركة. إذ بلغت مساحة أرض الفعالية 166 ألف متر مربع، أي ما يعادل ضعف مساحة نسخة 2023. وارتفع عدد الجهات العارضة بنسبة 24%، وشملت مشاركة ممثلين من 42 دولة، بينها 15 دولة جديدة. وبالتوازي مع ذلك، بلغت قيمة الأصول العقارية الخاضعة للإدارة خلال أيام المعرض 6.1 تريليون دولار، بنمو تجاوز 85% مقارنة بالنسخة الماضية. وفي الوقت ذاته، استضافت منصّات الأعمال أكثر من 350 اجتماعًا استثماريًا جمعت مطورين ومؤسسات مالية عالمية وجهات حكومية.
وفيما يتعلق بالابتكار، شهد المعرض حضورًا واسعًا لحلول التقنية العقارية؛ حيث أُعلنت نتائج روشن هاكاثون في نسخته الثالثة. الذي استقطب مشاركات كبيرة في هذا المجال، وفي صدد الإعلان، فاز فريق Darent بالمركز الأول في مسار «ضمان» المخصص للشركات الناشئة. كما نال فريق AeroTwin الجائزة الأولى في فئة الحلول الرقمية المفتوحة، وتوّج فريق GroMotion بالمركز الأول في فئة البنية التحتية الذكية وإنترنت الأشياء والاستدامة. وبالمثل، حصل فريق Dabberha على الجائزة الأولى في فئة الحياة الرقمية وتجربة السكان. بينما فاز فريق EstateX في فئة الذكاء الاصطناعي والأتمتة، وبلغت قيمة الجائزة في كل فئة 150 ألف ريال ضمن مجموع جوائز بلغ 1.3 مليون ريال.
ولم يتوقف الاهتمام عند هذا الحد. بل استضاف المعرض في اليوم الأخير نهائي تحدي الابتكار برعاية «رتال»؛ إذ جرى اختيار 60 فريقًا من بين أكثر من 250 متقدمًا للمنافسة. هذا التحدي هدف لتطوير حلول مبتكرة في مجالي التقنية العقارية وتقنية البناء، وتأهلت ثماني شركات ناشئة ونامية للمرحلة النهائية على المنصة الرئيسية. وأسفرت النتائج عن فوز شركة Hive Autonomy في مسار الشركات الناشئة بمشروع إثبات مفهوم بلغت قيمته 131 ألف ريال. بينما فازت شركة Watergate في مسار الشركات النامية بمشروع إثبات مفهوم بقيمة 244 ألف ريال.
مركز عالمي متكامل للثقل المالي والتقني
واستنادًا إلى كل هذه النجاحات، تتأكد حقيقة مفادها أن المملكة العربية السعودية تجاوزت مرحلة النمو العابر، وصارت اليوم مركزًا عالميًا متكاملًا للثقل المالي والتقني والعقاري. فأرقام مؤتمرات «ليب» و «بيبان» ومعرض «سيتي سكيب» تشير إلى أن التحول الاقتصادي يجري بوتيرة قياسية غير مسبوقة.
كذلك، تُعدّ هذه الفعاليات محطات رئيسية لإطلاق مئات المليارات من الريالات على شكل استثمارات نوعية وشراكات دولية عميقة. وبالتالي، تؤكد المملكة التزامها الراسخ بـ «رؤية 2030» عبر تسريع وتيرة الابتكار، وأيضًا تمكين الأجيال القادمة من قيادة اقتصاد المستقبل؛ وبذلك، تنتقل البلاد من قوة إقليمية إلى لاعب محوري لا غنى عنه ضمن معادلات الاقتصاد العالمي.
من جهة أخرى، يبرهن هذا الزخم المتواصل على مرونة الاقتصاد السعودي وقدرته الجوهرية على استقطاب كبرى الشركات ورؤوس الأموال العالمية. وبناءً عليه، لم تعد الرياض والمدن السعودية الكبرى مجرد وجهات للاستضافة. بل تحولت إلى عواصم حقيقية للابتكار وريادة الأعمال. الأمر الذي يُسهم في ترسيخ موقع المملكة على خريطة التنافسية العالمية.
ومن ثمّ، يمكن القول إن هذه الإنجازات ليست نهاية الطريق. بل هي نقطة انطلاق جديدة نحو آفاق أوسع من الريادة العالمية والتنمية المستدامة؛ حيث تواصل المملكة رحلتها لترسيخ مكانتها كأقوى قوة استثمارية وريادية مؤثرة على الساحة الدولية.



