شهدت صناعة صناديق التحوط خلال السنوات الأخيرة منافسة غير مسبوقة على استقطاب المواهب؛ حيث باتت الشركات تقدم حزم رواتب مغرية تصل إلى عشرات الملايين لضمان توظيف أفضل الكفاءات، بما في ذلك الخريجين الجدد وأصحاب الخبرات العالية على حد سواء، ويعد هذا السباق على المواهب جزءًا من إستراتيجية صناديق التحوط لتعزيز قدراتها التنافسية في الأسواق المالية العالمية.
ووفقًا لتقرير نشره موقع «Business Insider»، أوضح أوميش سوبرامانيان؛ المدير التنفيذي للتكنولوجيا في شركة «سيتادل»، أن الاتصال الشخصي بالمرشحين يعد أداة أساسية لضمان جذب أفضل الكفاءات. مضيفًا أن هذه المكالمات تشمل المبتدئين وكذلك المرشحين ذوي الخبرة. بهدف فهم دوافعهم وميولهم الوظيفية، وتقديم الإرشاد المناسب لهم خلال عملية اتخاذ القرار.
وأشار “سوبرامانيان” إلى أن التواصل المباشر مع المرشحين غالبًا ما يؤدي إلى نجاح الشركة في ضم كفاءات بارزة. إذ قال: «أتحدث معهم لأفهم كيفية اتخاذ القرار وما الذي يحرك خياراتهم، وغالبًا ما ننجح في استقطاب هؤلاء المرشحين». ويعكس هذا الأسلوب الاهتمام الكبير بالتفاصيل في عملية التوظيف؛ ما يعزز قدرة الشركة على اختيار الأنسب وفق معايير دقيقة.
الصفات المطلوبة في المرشحين
وفي سياقٍ ذي صلة، يبحث المسؤولون التنفيذيون في «سيتادل» عن مجموعة من الصفات الأساسية عند استقطاب المواهب. والتي تشمل الفضول الفكري، والشغف بالنجاح ضمن الفريق، والاهتمام بالتطبيقات العملية وليس النظرية فقط. إلى جانب الخلفية الهندسية المتينة والتعليم العالي. ويعكس ذلك حرص الشركة على توظيف أشخاص قادرين على الابتكار والمساهمة في تطوير منصات الاستثمار والبحث وإدارة المخاطر.
ورغم التواصل الشخصي المكثف، أشار “سوبرامانيان” إلى أن المكالمات الهاتفية لا تؤدي دائمًا إلى التوظيف. إذ قد يقترح على بعض المرشحين البحث عن فرص أخرى إذا كانت الشركة الأخرى أكثر ملاءمة لاهتماماتهم وطموحاتهم المهنية.
وتابع قائلًا: «لقد أجريت بعض المحادثات التي نصحت فيها المرشح بقبول وظيفة أخرى. لأن “سيتادل” ليست مناسبة للجميع، رغم أنها شركة رائعة ومرموقة للغاية».
وتؤكد هذه الممارسات أن إستراتيجية استقطاب المواهب ليست مجرد عملية توظيف تقليدية. بل تتضمن فهمًا عميقًا لمؤهلات المرشح وطموحاته، وضمان توافقها مع متطلبات الشركة وثقافتها المهنية. وهو ما يميز صناديق التحوط الكبرى عن غيرها في المنافسة على الكفاءات.

المنافسة على المواهب
لم يعد استقطاب أفضل المرشحين مقتصرًا على صناديق التحوط فحسب، بل امتدت المنافسة إلى شركات التكنولوجيا العملاقة. لا سيما مع الطلب المتزايد على خبراء الذكاء الاصطناعي. ويُذكر أن سام ألتمان؛ الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI، يتواصل شخصيًا مع المرشحين لإقناعهم بالانضمام لشركته. بينما يظهر مارك زوكربيرج؛ الرئيس التنفيذي لشركة Meta، أحيانًا في سلاسل البريد الإلكتروني لجذب الكفاءات، ويستضيف بعضهم في منزله لتوطيد العلاقات المهنية.
كذلك، البنوك الكبرى مثل: جولدمان ساكس وبنك أوف أمريكا استثمرت أيضًا مليارات الدولارات في فرقها التقنية. مع تخصيص جزء كبير من تلك الميزانية للتوظيف، الأمر الذي يزيد من حدة المنافسة على استقطاب أفضل المواهب. وعليه، أصبح الحفاظ على الكفاءات المتميزة تحديًا إستراتيجيًا يحتاج إلى برامج جذب متكاملة. تشمل التدريب المستمر والتحفيز المالي والفرص الوظيفية الواضحة.
وأشار سوبرامانيان إلى أن “سيتادل” تعد من بين صناديق التحوط الأكثر انتقائية على مستوى العالم؛ حيث بلغ معدل القبول لبرنامج التدريب الصيفي عام 2025 نسبة 0.4% فقط من المتقدمين. وهو أدنى معدل قبول في تاريخ الشركة. واستقبلت الشركتان، “سيتادل” و”سيتادل سيكيوريتيز”، معًا 108,000 طلب، بزيادة 20% عن العام السابق. ما يعكس حجم الطلب على الانضمام إلى بيئة العمل في هذه الشركة المرموقة.
إستراتيجيات نجاح استقطاب المواهب
أكد “سوبرامانيان” أن المواهب الاستثنائية تستحق كل الجهد المبذول في استقطابها. قائلًا: «المواهب ذات المستوى العالمي تستحق القتال من أجلها بكل ما تملك».
ويشير ذلك إلى أن استقطاب المواهب في الشركات الرائدة لا يقتصر على تقديم عروض مالية مغرية فقط. بل يشمل أيضًا الانخراط الشخصي من قبل التنفيذيين، وتقديم الدعم والإرشاد اللازم للمرشحين، وبناء علاقة طويلة الأمد قائمة على الثقة والاحترام المتبادل.
كما يتضح أن إستراتيجية استقطاب المواهب تشمل تقييمًا دقيقًا لمهارات المرشح، وخبراته العملية، وشغفه بالمجال. إلى جانب توافقه مع ثقافة الشركة وقيمها، الأمر الذي يضمن تحقيق أعلى مستويات الإنتاجية والكفاءة. وبهذا الشكل، تظل الشركات الكبرى قادرة على المنافسة بقوة في سوق العمل العالمي، سواء في مجالات التمويل أو التكنولوجيا أو الذكاء الاصطناعي.
وفي نهاية المطاف، يمكن القول إن حرب الاستقطاب على أفضل المواهب تمثل تحديًا مستمرًا. لكنها أيضًا فرصة لتعزيز التميز المؤسسي، وتحقيق الابتكار والتفوق في بيئات العمل التنافسية؛ ما يجعل استقطاب المواهب محور اهتمام إستراتيجي لجميع الشركات الرائدة في العالم.


