في قصة ملهمة تعكس روح المبادرة والقدرة على تحويل الشغف إلى مصدر دخل مستدام، استطاعت الأمريكية جوسلين إليزابيث -البالغة من العمر 37 عامًا- أن تنتقل من عملها بدوام جزئي ومن دورها كأم جديدة، إلى إنشاء مشروع تجاري ناجح يعتمد بالكامل على شراء السلع المستعملة وإعادة بيعها عبر الإنترنت.
بدأت الحكاية عام 2011 عندما أحضر والدها مصباحًا مستعملًا اشتراه مقابل 5 دولارات من معرض تابع لكنيسة محلية في ولاية بنسلفانيا، معتقدًا أنه صفقة رابحة. وبالفعل، وبعد بحث بسيط على موقع eBay، اكتشف والدها وجود مصباح مماثل -بعد تنظيفه- معروض للبيع بسعر 70 دولارًا.
هذا الفارق الكبير بين سعر الشراء وسعر إعادة البيع كان كفيلًا بإشعال شرارة الفضول لدى إليزابيث، التي سارعت في عطلة الأسبوع التالية إلى زيارة متاجر المستعمل. مصممة على اختبار إمكانية تحويل هذا المجال إلى مصدر دخل إضافي، وكانت تصطحب طفلها الرضيع معها في عربة الأطفال.
من هواية بسيطة إلى مشروع يدرّ الملايين
وبحسب ما أكدته شبكة “CNBC” التي اطّلعت على مستندات رسمية، فقد تحوّل نشاط جوسلين إليزابيث البسيط إلى مشروع تجاري ضخم يدرّ ملايين الدولارات سنويًا. إذ أنشأت إليزابيث لاحقًا قناة ناجحة على يوتيوب أطلقت عليها اسم Crazy Lamp Lady. إضافة إلى منصّة إلكترونية مخصّصة لبيع السلع المستعملة تحت اسم “NikNax”. والتي تستضيف اليوم أكثر من 5,000 بائع مستقل يعرضون منتجات متنوعة تشمل الأكواب والزجاجيات والمجوهرات والكتب والبطاقات ووجبات محلية.
وتشير الوثائق إلى أن منصة “NikNax” حققت إيرادات تجاوزت 5.2 مليون دولار عام 2025 حتى تاريخ 31 أكتوبر من نفس العام.
وتحتفظ إليزابيث بنسبة 5% من كل عملية بيع؛ ما يعني أنها حصلت شخصيًا على ما لا يقل عن 260 ألف دولار خلال السنة نفسها من خلال منصّتها فقط. بينما تحصل منصة District المستضيفة لـ”NikNax” على نسبة مماثلة.
صعود مهني قائم على الشغف
حين اكتشفت جوسلين إليزابيث هذا المجال، لم تكن تعمل سوى بدوام جزئي في وظيفة تسويقية براتب 14 دولارًا للساعة. ومع ذلك، لم يمنعها ضيق الوقت أو محدودية الدخل من الانطلاق نحو ما تؤمن أنه يستطيع تغيير مسار حياتها.
ومع مرور الوقت، بدأت بالسفر إلى معارض التحف والمتاجر في مختلف الولايات. وشيئًا فشيئًا تمكنت من صقل مهاراتها في التعرف على القطع ذات القيمة العالية في سوق المقتنيات المستعملة.
وبحلول أبريل 2016، بدأت إليزابيث تشعر بعدم الرضا عن وظيفتها الروتينية التي تقتصر على إرسال رسائل تسويقية يوميًا للعملاء. وعندها اتخذت قرارًا جريئًا بتأسيس قناة “يوتيوب” مخصّصة لمحتوى شراء المستعمل وإعادة بيعه. وكانت نقطة التحوّل الحقيقية حين ربحت 600 دولار من إعلانات يوتيوب في يوم واحد فقط. الأمر الذي دفعها للتفكير جدّيًا في إمكانية تحويل هذا المحتوى إلى مصدر دخل مستقر.

الانتقال إلى العمل الحر بدوام كامل
وبنهاية عام 2018، كانت جوسلين إليزابيث تجني من قناتها على “يوتيوب” أكثر مما تجنيه من وظيفتها الثابتة. الأمر الذي دفعها إلى الاستقالة في خطوة وصفتها بـ”المخيفة والمخاطرة”. وبعد ستة أشهر فقط، أصبحت تمتلك منزلًا مليئًا بالمقتنيات المستعملة. وبدأت بإدارة فريق صغير يتكوّن من خمسة موظفين موزعين بين إدراج المنتجات على “eBay” والتغليف والشحن.
وخلال جائحة كورونا، ومع تراجع إيرادات الإعلانات، توسعت في التوظيف وأضافت ثلاثة موظفين آخرين، محاوِلةً الاعتماد أكثر على البيع عبر الإنترنت. غير أنها شعرت بعد فترة بالاستياء من رسوم البيع المرتفعة على “eBay”. ما دفعها للبحث عن حلول بديلة.
إطلاق منصة “NikNax”
علاوة على ذلك، وفي أكتوبر 2023، تلقت دعوة لإطلاق سوق إلكتروني مستقل عبر منصة District التي تأسست عام 2022. وبالفعل، أطلقت منصة “NikNax” التي سرعان ما جذبت الآلاف من البائعين. مستفيدة من شهرتها الواسعة على يوتيوب. كما استأجرت مساحات تجارية لتخزين المنتجات ومعالجتها بتكلفة تتراوح بين 2,000 و3,000 دولار شهريًا مع الخدمات.
وتقول “إليزابيث” إن إدارة سوق إلكتروني ليس مجرد إضافة منتجات وانتظار المشترين. بل هي مهمة يومية معقدة تتطلّب متابعة الاتجاهات المتغيرة، والتعامل مع مئات البائعين. والإشراف على تعليقات المستخدمين، ومعالجة شكاوى العملاء، وصولًا إلى مراجعة الادعاءات المتعلقة بالشحن واسترجاع الأموال. وتضيف أن مبيعات البث المباشر أصبحت عنصرًا أساسيًا لنجاح منصتها، على الرغم من أنها في البداية لم تكن مرتاحة للظهور أمام الكاميرا.
بناء مجتمع رقمي قوي ومؤثر
من ناحية أخرى، كان بناء مجتمع من المشترين والبائعين مهمة أسهل، وذلك لأنها استطاعت نقل جزء كبير من جمهورها في يوتيوب إلى منصتها الجديدة. كما تبثّ العديد من عروض البث المباشر الخاصة بـ”NikNax” عبر يوتيوب ومنصات التواصل الاجتماعي. ما يزيد من نمو المجتمع الرقمي حول مشروعها.
ومع ازدياد دخلها، استثمرت إليزابيث في العقارات؛ حيث اشترت منزلين في بنسلفانيا. أحدهما مخصص للإيجار السياحي عبر Airbnb، ويبلغ متوسط تكلفة الإقامة فيه 300 دولار لليلة. كما تؤكد أن نجاحها في إعادة بيع المستعمل ساعدها على تنويع مصادر دخلها وبناء ثروة مستقرة.
رحلة نجاح يمكن لأي شخص أن يحاكيها
وعلى الرغم من أن تجربة إليزابيث تبدو ملفتة واستثنائية، فإنها تؤكد أن أي شخص يمكنه أن يحاكي رحلتها طالما يمتلك الدافع والرغبة الحقيقية في العمل. وتوضح أنها تسافر مرة واحدة شهريًا للبحث عن قطع ثمينة للبيع، وأن إعداد المحتوى والتعديل والبث المباشر يتطلب جهدًا كبيرًا.
وتؤكد أن العمل في مجال إعادة بيع المستعمل لا يحتاج إلى رأس مال كبير، بل يكفي امتلاك القدرة على البحث والتقييم. إذ يمكن لأي شخص شراء قطعة مستعملة ببضعة دولارات ثم اكتشاف أنها تساوي أضعاف ذلك عند إعادة بيعها، بشرط بذل الجهد وتعلّم أساسيات السوق.
وتختتم “إليزابيث” حديثها برسالة تشجيعية: “إذا كنت مستعدًا للتعلم والعمل الجاد، يمكنك تحقيق النجاح. أي شخص يمكنه العثور على قطعة بسيطة في متجر مستعمل ويكتشف أنها تساوي 50 دولارًا. الأمر كله يعتمد على الإرادة والاستمرار فقط”.


