بينما تتوالى فصول التطور التكنولوجي وتتسارع وتيرة الابتكار الرقمي، يظل أليكسيس أوهانيان اسمًا مرادفًا للابتكار الجريء والاستثمار المستنير، فهو ليس مجرد مستثمر حصيف، بل يمتلك رؤية ثاقبة تمكنه من استشراف المستقبل وفتح آفاق جديدة لكل من يجرؤ على نسج أحلامه في فضاء الإنترنت.
أليكسيس أوهانيان
أليكسيس أوهانيان، رائد الأعمال والمستثمر الأميركي البارع في مجال الإنترنت، بنى صرحًا شامخًا من الإنجازات التي رسخت مكانته كأحد أبرز الشخصيات المؤثرة في المشهد التكنولوجي الحديث. ويعرف أوهانيان على نطاق واسع بصفته المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي السابق لموقع التواصل الاجتماعي “ريديت”؛ حيث عمل جنبًا إلى جنب مع ستيف هوفمان وآرون شوارتز لتقديم منصة ثورية غيرت من مفهوم التفاعل الرقمي.
ولم تتوقف إسهاماته عند هذا الحد، فقد شارك أيضًا في تأسيس شركة “إنيشياتيزد كابيتال” لرأس المال الاستثماري في مراحلها المبكرة. وأسهم في إطلاق موقع البحث عن السفر “هيبمنك”. كما أسس أيضًا مشروع “بريدبيج” الاجتماعي الرائد. وبالإضافة إلى ذلك، كان شريكًا فاعلًا في شركة “واي كومبيناتور” لتسريع الشركات الناشئة ورأس المال الاستثماري.

الحياة المبكرة والتعليم
وُلد أليكسيس أوهانيان في 24 من أبريل عام 1983 ببروكلين، في مدينة نيويورك، وانتقلت عائلته إلى إحدى ضواحي ولاية ماريلاند خلال سنوات شبابه. وحرص والداه، اللذان كانا الأرمن الوحيدين في الحي، على إرسال أليكسيس إلى معسكر صيفي ترعاه الجمعية الخيرية العمومية الأرمنية للحفاظ على ارتباطه بجذوره الثقافية العريقة. والتحق أوهانيان بمدرسة هوارد الثانوية في إليكوت سيتي بماريلاند، وألقى خطاب التخرج المميز عام 2001 في جناح ميريويذر بوست.
تجدر الإشارة إلى أن أجداد أوهانيان من جهة الأب قد وصلوا إلى الولايات المتحدة كلاجئين من الإبادة الجماعية للأرمن. وهي خلفية أثرت بلا شك في تشكيل وعيه الاجتماعي والإنساني. فوالدته أنكي، كانت مهاجرة من ألمانيا، وقد تحدث أوهانيان الألمانية في المنزل خلال طفولته. وكان والده، كريس، يعمل كوكيل سفر وفني صيدلة، وكان أليكسيس هو الطفل الوحيد لوالديه.
وفي شبابه، راود أوهانيان حلم بأن يصبح مبرمج حاسوب، فدرس علوم الحاسوب في مدرسته الثانوية. وكان ذلك الفصل الدراسي الوحيد المتاح في تخصصه. ومع ذلك، فقد بعضًا من ثقته بهذا التخصص بمجرد التحاقه بجامعة فيرجينيا. وهو ما دفعه إلى التخصص في التاريخ والتجارة، وتخصص فرعي في اللغة الألمانية.
وفي إحدى لقاءاته يقر أوهانيان، بعد استرجاعه لتلك الأحداث، بأنه كان ينبغي عليه الاستمرار في دراسة علوم الحاسوب نظرًا لمساره المهني اللاحق في مجال التكنولوجيا.
المسيرة المهنية
يؤكد أوهانيان أن شغفه بالتكنولوجيا قد بدأ في المدرسة الإعدادية عندما حصل على مودم اتصال هاتفي بسرعة 33.6 كيلوبت في الثانية. وبدعم وتشجيع من والديه، التحق بدورات برمجة حاسوب في كلية المجتمع، وقضى وقتًا طويلًا على منتديات النقاش يتعلم كيفية البرمجة وبناء مواقع الويب.
كما اشترى والدا أوهانيان له أول جهاز كمبيوتر خاص به -وهو طراز 486 SX- فكان يقوم بتفكيكه وإعادة تركيبه بشغف. وهو ما يعكس طبيعته الفضولية والميل إلى استكشاف آليات الأشياء. وفي نهاية المطاف، بدأ بإنشاء مواقع ويب للمنظمات غير الربحية مجانًا، عن طريق “خداعها” بذكاء. مختبئًا وراء بريده الإلكتروني لإخفاء حقيقة أنه كان مراهقًا يفعل ذلك من قبو والديه.
وفي مرحلة ما، خطط أوهانيان ليصبح محاميًا، ولكن القدر كان له رأي آخر؛ حيث ترك دورة تحضيرية لامتحان القبول بكلية الحقوق وتوجه إلى مطعم وافل هاوس محلي في شارلوتسفيل بولاية فيرجينيا. فبينما كان جالسًا هناك، أدرك بوضوح أنه يريد تأسيس شركة بدلًا من ذلك. وكانت تلك اللحظة بمثابة نقطة تحول حاسمة في حياته.
تأسيس شركة Reddit
بعد تخرجه من جامعة فيرجينيا عام 2005 بشهادات في التجارة والتاريخ، قدم أوهانيان وصديقه وزميله في السكن الجامعي ستيف هوفمان تطبيق MyMobileMenu، وهو تطبيق لطلب الطعام، إلى شركة Y Combinator، وهي حاضنة الشركات الناشئة الشهيرة. وبالرغم من نجاح الفكرة، إلا أن الشركة شجعت الثنائي على طرح فكرة أخرى يمكنها تمويلها. ما قادهم لاحقًا إلى التوصل إلى موقع reddit.com، وهي لوحة إعلانات عبر الإنترنت، بهدف أن تصبح “الصفحة الأولى للإنترنت”.
وفي صيف عام 2005، انضمت شركة Reddit إلى الدفعة الأولى من الشركات الناشئة في Y-Combinator، وهو ما مثل بداية رحلة صعود صاروخية. وفي عام 2006، استحوذت عليها شركة Condé Nast مقابل مبلغ يتراوح بين 10 ملايين دولار و20 مليون دولار. ما أكد على القيمة الكبيرة التي أضافتها المنصة.
العودة إلى Reddit
كذلك، واصل أوهانيان العمل بشكل وثيق مع Reddit كعضو في مجلس إدارتها، محافظًا على بصمته الواضحة في توجيه الشركة. عاد أليكسيس إلى Reddit بدوام كامل مع المؤسس المشارك هوفمان في يوليو 2015 لقيادة الشركة المستقلة آنذاك. ما يدل على التزامه العميق تجاه المشروع الذي بدأه.
وتنحى عن الشركة في فبراير 2018 للتركيز على الاستثمار مرة أخرى، ليوسع من نطاق تأثيره في المشهد التقني. ففي الخامس من يونيو 2020، استقال أوهانيان من مجلس إدارة Reddit، مطالبًا باستبداله بمرشح أسود ردًا على مقتل جورج فلويد. وهي خطوة جريئة تعكس مواقفه الاجتماعية القوية والتزامه بالعدالة. وبعد أيام قليلة، تم تعيين مايكل سيبل، وهو رجل أعمال أميركي من أصل إفريقي، عضوًا في مجلس إدارة Reddit، ما يؤكد فعالية دعوة أوهانيان.
تنويع الاستثمارات وبناء الإرث
من ناحية أخرى، أطلق أوهانيان، في عام 2007، شركة بريدبيج، وهي شركة غير مساهمة تنتج سلعًا غريبة الأطوار وتتبرع بعائداتها للأعمال الخيرية. ما يكشف عن جانب إنساني في مسيرته المهنية. واعتبارًا من عام 2012، لم يعد يشارك في العمليات اليومية للشركة، لكنها ظلت شاهدة على رؤيته في دمج الأعمال مع الأهداف الخيرية.
وبعد مغادرته موقع Reddit في عام 2010، أمضى أوهانيان ثلاثة أشهر يعمل في مجال التمويل الأصغر كزميل في مؤسسة Kiva في يريفان بأرمينيا. وهو ما أتاح له فرصة للتعمق في القضايا الاقتصادية والاجتماعية العالمية. ساعد أوهانيان في إطلاق موقع البحث عن السفر Hipmunk في نفس العام ويعمل الآن كمستشار. وفي يونيو 2010، أطلق أوهانيان شركة Das Kapital Capital، التي تركز على الاستثمار في الشركات الناشئة وتقديم المشورة والاستشارات.
وتقديرًا لجهوده، مُنح أوهانيان لقب “سفير الشرق” من شركة Y Combinator، وهي شركة ناشئة في مجال رأس المال الاستثماري. في هذا المنصب، يلتقي بالمتقدمين من الساحل الشرقي، ويرشد مؤسسي YC في نيويورك، وهو ممثل عام للشركة. كما شغل منصب شريك بدوام جزئي وشريك بدوام كامل في Y Combinator قبل مغادرته عام 2016 للمساعدة في إطلاق صندوق Initialized Capital الثالث مع غاري تان.
وفي يونيو 2020، أنهى أوهانيان دوره كشريك إداري في Initialized، وفي نفس الشهر من العام التالي، أعلن عن شركة رأس مال استثماري جديدة يقودها باسم “776”. وهو ما يمثل فصلًا جديدًا في مسيرته الاستثمارية. وفي عام 2024، أطلق Athlos، وهو حدث لألعاب القوى مخصص للسيدات فقط. وفي الرابع عشر من مايو 2025، اشترى أوهانيان حصة 10% من نادي تشيلسي للسيدات مقابل 20 مليون جنيه إسترليني. كما سيتولى مقعدًا في مجلس إدارته. ما يؤكد توسع استثماراته في مجال الرياضة النسائية على الصعيد الدولي.
الجوائز والأوسمة
في النهاية، وتكريمًا لإدراك أوهانيان لمسيرته المهنية التي بدأت في لحظة إلهام فريدة، قام ديريك مور؛ مدير قسم في Waffle House، بتركيب لوحة في الجناح رقم 19 تتضمن اقتباسًا من أوهانيان. ويقرأ: “موقع عيد الغطاس لأليكسيس أوهانيان في Waffle House.” تعد هذه اللوحة تذكيرًا دائمًا باللحظة التي قرر فيها أوهانيان تغيير مسار حياته ليصبح رائد أعمال. وهو ما يضيف لمسة شخصية إلى إنجازاته الكبرى.
كذلك، في عامي 2011 و2012، تم اختيار أوهانيان في قائمة “30 تحت 30″ لمجلة فوربس كشخصية مهمة في صناعة التكنولوجيا. ما يؤكد على مكانته كأحد أبرز رواد الأعمال الشباب. كما في عام 2013، ظهر أوهانيان وإريك مارتن كـ”أبطال الابتكار” في العدد العشرين من مجلة Wired. ما يبرز دورهما في دفع عجلة التكنولوجيا.

تصدّره في قائمة 40 تحت 40
علاوة على ذلك، تم اختيار أوهانيان، في عام 2015، في قائمة “40 تحت 40” لمجلة Crain للأعمال. ما يؤكد على نجاحه في عالم الأعمال. وفي عام 2016، تم اختيار أوهانيان كواحد من “أكثر الأشخاص إبداعًا في مجال الأعمال” لمجلة Fast Company. ما يعكس تقدير إسهاماته الإبداعية في عالم ريادة الأعمال.
وفي الحادي والعشرين من مايو 2020، ألقى أوهانيان خطاب التخرج في جامعة جونز هوبكنز. وهو ما يعد شرفًا كبيرًا يعكس تأثيره الملهم. وفي العام التالي، كان متحدثًا في حفل التخرج في جامعته الأم، جامعة فيرجينيا، ما يؤكد على العلاقة الوثيقة التي يحتفظ بها مع مؤسساته التعليمية.
وفي ديسمبر 2022، تم اختياره كأحد صانعي التغيير المالي لعام 2023 من قبل مجلة موني. ما يبرز مكانته كشخصية مؤثرة في عالم التمويل والاستثمار. ويظل أليكسيس أوهانيان نموذجًا يحتذى به في عالم ريادة الأعمال. ملهمًا الأجيال القادمة بشغفه ورؤيته الثاقبة وقدرته على تحويل الأحلام إلى حقيقة ملموسة.


