كشف مسح عالمي شامل أجرته مجموعة HSBC، شمل نحو ثلاثة آلاف رائد أعمال من أصحاب الثروات حول العالم، عن أن خريطة الثروات العالمية وعالم ريادة الأعمال يخضعان اليوم لتحوّل جوهري وعميق لم يسبق له مثيل.
في حين لم تعد الثروة تهاجر عبر الأسواق المالية البحتة فحسب، بل يتبعها البشر أنفسهم في ظاهرة تُعد الأفراد فيها هم قاطرة رؤوس الأموال.
عالم ريادة الأعمال يتغير
يشير التقرير بوضوح إلى أن شريحة كبيرة ومؤثرة من روّاد الأعمال باتت تفكّر جديًا في الانتقال الشخصي أو العائلي الكامل إلى دول جديدة. أو على الأقل توزيع أصولها واستثماراتها عبر أكثر من دولة.
هذه الخطوة تعد خطة إستراتيجية مُحكمة لا تهدف فقط إلى حماية الثروة القائمة. بل كذلك لفتح آفاق نمو جديدة وغير تقليدية ضمن عالم ريادة الأعمال المتغير.
ومن اللافت أن هذه المؤشرات مجتمعة تعكس مرحلة جديدة من “العولمة الشخصية”؛ حيث تصبح حرية التنقل والاختيار الجغرافي للمعيشة والعمل جزءًا لا يتجزأ من إستراتيجية إدارة الثروة. وذلك التحول يؤكد أن عالم ريادة الأعمال لم يعد مكانًا جامدًا. لكنه بات مساحة ديناميكية تتحرك مع حركة الأفراد أنفسهم.
ولذلك يظهر المسح أن 59% من المشاركين يخططون بنشاط لتنويع أصولهم دوليًا عبر توزيع ممتلكاتهم واستثماراتهم في أكثر من بلد. فيما يدرس حوالي 57% منهم الانتقال الشخصي أو العائلي إلى وجهات جغرافية جديدة.
بينما يعتزم قرابة نصف العينة؛ أي حوالي 49%، توسيع أعمالهم تجاريًا إلى أسواق تقع خارج أوطانهم.

تنويع الأصول والمعايير الجديدة للانتقال
في إطار هذا التحول الكبير تتصدر سنغافورة قائمة الوجهات الأكثر جاذبية لرؤوس الأموال والمواهب بنسبة بلغت 15%. ويعود هذا التفضيل في المقام الأول إلى بيئتها القانونية المستقرة للغاية وبنيتها التحتية المالية والرقمية المتقدمة التي توفر الأمان والسرعة.
تلتها في مراتب لاحقة دول كبرى مثل: المملكة المتحدة وسويسرا، التي تعرف بعمق أسواقها المالية وتقليدها العريق في إدارة الثروات. ولكن قرار الانتقال أو توزيع الأصول لم يعد يستند إلى عامل الضرائب وحده. الذي كان العامل الحاسم سابقًا.
بينما تشير النتائج إلى أن جودة الحياة الشاملة، والتعليم الرفيع، والأمن والاستقرار المؤسسي، يضاف إليها توفر بنية رقمية وخدمات مالية متقدمة، هي العوامل التي باتت تحسم تفضيلات أصحاب الثروات في اختيار وجهتهم النهائية. هذه المقاييس الجديدة تعكس نضجًا في الأولويات يتجاوز الكسب المالي السريع.
ومن هنا يتضح أن رأس المال البشري بات يتقدم على رأس المال المالي في ترتيب الأولويات؛ حيث يسعى رائد الأعمال إلى بيئة متكاملة تضمن له ولأسرته نموًا شخصيًا واقتصاديًا في آن واحد. وذلك التوجه يرسخ مفهوم “الثروة التي تتبع الموهبة”.
تفاؤل ريادي في مواجهة العواصف
بالرغم من المخاطر الاقتصادية العالمية المتعددة، التي تمتد من تقلبات الأسواق المالية الحادة إلى ضغوط التضخم المرهقة. يظهر روّاد الأعمال مستوى واسع النطاق من التفاؤل بمستقبل أعمالهم. ما يدل على المرونة الكبيرة التي يتمتعون بها.
فيما قال 94% منهم إنهم متفائلون بشكلٍ كبير بشأن مستقبل مشاريعهم الخاصة. وتوقع 90% أن تنمو ثرواتهم الشخصية في السنوات المقبلة. هذا التفاؤل يمثل قوة دفع قوية للاستمرار في التوسع الدولي وتنويع الأصول.
وفي الوقت الذي يرى فيه نحو 62% أن التكنولوجيا المتطورة والذكاء الاصطناعي هما أهم محركات الفرص المقبلة والأكثر تأثيرًا. عبّر نحو 40% عن انشغالهم العميق بتقلبات الأسواق المالية.
كما أشار 36% إلى التضخّم المتصاعد باعتباره تهديدًا مباشرًا ووجوديًا لاستدامة الثروات. هذا الوعي بالتحديات الاقتصادية لا يقلل من تفاؤلهم بقدر ما يدفعه نحو البحث عن حلول هيكلية، مثل: التوزيع الدولي للأصول.
التحدي الخفي في استدامة الأعمال
من جهة أخرى كشف التقرير عن تحدٍ داخلي خفي لا يقل أهمية عن التحديات الخارجية. وهو توريث الأعمال؛ إذ أشار 78% من المشاركين إلى أن لديهم خططًا جاهزة لتوريث الأعمال. أو ضمان استمرار الشركات بعد تولّي الأجيال القادمة.
ومع ذلك عبّر أكثر من نصفهم عن قلق حقيقي وعميق من أن شركاتهم التي بنوها قد لا تستمر أو تزول بعد غياب المؤسس أو الجيل الأول. هذا التباين الحاد يسلّط الضوء على التحدي البنيوي الماثل أمام العديد من شركات أصحاب الثروات.
ويتمثل ذلك التحدي في كيفية تحويل المؤسسات القائمة على المبادرة الفردية. والإدارة المركزية إلى كيانات مؤسسية مستقرة وقابلة للنمو الذاتي والتشغيل المستقل. وهذا يتطلب إعادة هيكلة إدارية وثقافية واسعة النطاق.
فرصة إستراتيجية في قلب التحوّل
في خضم هذا السياق الدولي المتحول تتجلى فرصة واضحة وإستراتيجية للمنطقة العربية. وعلى رأسها المملكة العربية السعودية. لتكون وجهة جاذبة للمواهب ورؤوس الأموال المهاجرة.
فالمملكة تملك اليوم مجموعة متكاملة من العناصر التي تجعلها وجهة تنافسية: إصلاحات تنظيمية واسعة تهدف إلى تسهيل ممارسة الأعمال. وبنية رقمية متقدّمة، وسياسات ضريبية ومزايا استثمارية منافسة. بالإضافة إلى برامج دعم مركزة لريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
ومع الإطلاق المتتابع للمبادرات الكبرى والمؤتمرات والمحافل التي تستقطب روّاد الأعمال والمستثمرين العالميين. تستطيع المملكة أن تستفيد بفاعلية من “الموجة الجديدة” لمن ينوون نقل ثرواتهم أو توسيع أعمالهم.
في حين يتم ذلك عبر تقديم منظومة متكاملة تجمع بذكاء بين الأمان القانوني والسيولة المالية. بالإضافة إلى الفرص السوقية الضخمة، والقدرة على الابتكار التقني. هذا التوجه يؤهلها بكل تأكيد لتكون مركزًا إقليميًا وعالميًا للتكنولوجيا المالية.

مرحلة جديدة من العولمة
في المحصلة يرسم تقرير HSBC معالم مرحلة جديدة من العولمة. حيث “الثروة تتبع الموهبة” و”الموهبة تتجه إلى البيئات التي توفر الأمان والفرص المفتوحة”.
والدول القادرة على تهيئة هذه البيئة -ومن بينها السعودية- تقف أمام فرصة تاريخية واستثنائية لاستقطاب رؤوس الأموال. والمهارات وبناء مراكز تقنية وتجارية إقليمية قادرة على المنافسة عالميًا في عالم ريادة الأعمال.


