في خُطوة استثنائية تؤكد التزام كبرى الشركات العالمية بمعالجة التحديات المناخية كشفت شركة أبل العملاقة عن توسّع كبير ومدروس في استثماراتها ضمن مجال الطاقة المتجددة في أنحاء القارة الأوروبية.
ويأتي هذا التوجه ضمن جهود الشركة الرامية إلى تقليل البصمة الكربونية الناتجة عن استهلاك العملاء للطاقة أثناء تشغيل وشحن أجهزتها التقنية حول العالم.
وتدعم الشركة التقنية العملاقة حاليًا عددًا من مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح واسعة النطاق، الجاري تطويرها في دول أوروبية محورية. مثل: اليونان وإيطاليا ولاتفيا ورومانيا وبولندا.
بينما يشير هذا التوزيع الجغرافي الواسع إلى رؤية إستراتيجية لتحقيق التأثير الأكبر في مجال الطاقة المتجددة عبر أوروبا.
ويأتي ذلك الإعلان استكمالًا لاستثمارها السابق والناجح في مزرعة الطاقة الشمسية “كاستانو” خارج مدينة سيغوفيا الإسبانية. والتي بدأت العمل في وقت سابق من هذا العام. وتتمتع هذه المزرعة بقدرة إنتاجية كافية لتزويد نحو 76,500 منزل بالكهرباء. ما يعكس جدية الشركة في مجال الطاقة المتجددة.
وفي إطار شفافيتها أوضحت أبل أن هذه المشاريع الجديدة ستزوّد شبكات الكهرباء في تلك الدول مباشرة. إلا أن الكميات المنتَجة من الطاقة النظيفة تحتسب ضمن مساهمات الشركة في تحقيق أهدافها المناخية المؤسسية.
ويرسخ هذا التوجه مكانة أبل كلاعب رئيس ومؤثر في مجال الطاقة المتجددة.

مضاهاة استهلاك العملاء
بفضل هذه القدرات الجديدة الهائلة من الطاقة النظيفة والمستدامة تهدف الشركة إلى مضاهاة 100% من الكهرباء التي يستخدمها عملاؤها في أوروبا. بما في ذلك: المملكة المتحدة، لتشغيل أو شحن أجهزتهم بحلول عام 2030.
في حين يمثل هذا الهدف نقطة تحول في مسؤولية الشركات تجاه الأثر البيئي لمنتجاتها بعد البيع.
كما يأتي هذا التوجه الطموح ضمن الهدف الأشمل لأبل بأن تصبح شركة محايدة كربونيًا عبر كامل سلسلة قيمتها -بما يشمل: عملياتها الداخلية، وسلاسل توريدها العالمية، والمنتجات التي تبيعها- بحلول نهاية العقد الحالي. ويُعيد هذا التزام تعريف معايير الاستدامة للشركات متعددة الجنسيات.
وفي تصريح لها أكدت ليزا جاكسون؛ نائبة رئيس أبل لشؤون البيئة والسياسات والمبادرات الاجتماعية: “بحلول عام 2030، نريد لعملائنا أن يعلموا أن كل الطاقة اللازمة لشحن هواتفهم أو تشغيل أجهزتهم تقابل بطاقة نظيفة بالكامل”.
وأضافت ليزا موضحة الأثر المزدوج للقرار: “مشاريعنا الجديدة في أوروبا تساعدنا على تحقيق هدفنا الطموح “أبل 2030″. وفي الوقت نفسه تسهم في بناء مجتمعات صحية، واقتصادات مزدهرة. ومصادر طاقة آمنة في أنحاء القارة”.
تحديات الاستهلاك وتغطية الاحتياج
وفقًا لتقديرات الشركة الداخلية شكلت الطاقة المستخدمة لشحن الأجهزة نحو 29% من إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة الخاصة بأبل في عام 2024.
والجدير بالذكر أن هذا التقدير لا يشمل الكهرباء اللازمة لتشغيل مراكز البيانات. التي تؤكد الشركة أنها تعمل بالفعل بالكامل بواسطة الطاقة المتجددة.
ولتحقيق أهدافها الكبرى في أوروبا بحلول عام 2030 تقدّر أبل حاجتها الفعلية إلى توفير 3,000 جيجا وات/ساعة من الطاقة المتجددة سنويًا لتغطية كامل استهلاك العملاء من الكهرباء لأغراض الشحن. هذا الرقم يوضح حجم الاستثمار المطلوب.
وأوضحت الشركة أن المشاريع المعلَن عنها ستلبي ثلث هذا الاحتياج تقريبًا. إذ تُنتج أكثر من 1,000 جيجا وات/ساعة سنويًا. وأكدت أبل أنها ستواصل توسيع استثماراتها في الطاقة المتجددة داخل أوروبا بشكل متسارع قبل حلول الموعد المحدد في عام 2030.
وعلى الرغم من هذه الجهود الضخمة تواجه الشركة تدقيقًا متزايدًا بشأن مزاعمها البيئية، في ظل مخاوف تتعلق ببعض المشاريع القائمة على الطبيعة التي استثمرت فيها لتعويض الانبعاثات الكربونية. ويعكس ذلك التدقيق حساسية الرأي العام تجاه قضايا المناخ.
الشفافية في التدقيق
في سياق الضغوط القانونية قضت محكمة ألمانية في أغسطس الماضي بأن الإعلانات التي تصف ساعة “أبل ووتش” بأنها محايدة كربونيًا كانت مضللة للمستهلكين. كما تواجه الشركة حاليًا دعوى قضائية جماعية مماثلة في الولايات المتحدة الأمريكية تتعلق بمزاعم بيئية.
وعند سؤالها عن القضايا القانونية رحبت ليزا جاكسون بالتدقيق، قائلة لوكالة الأنباء البريطانية: “نرحّب بالتدقيق في أعمالنا. ونسعى لأن نكون في غاية الشفافية بشأن كيفية تنفيذنا لها. وعندما نتحدث عن منتجاتنا أو شركتنا نحرص على توضيح الطريقة التي نعتزم من خلالها تحقيق الحياد الكربوني بحلول 2030”.
وفيما يتعلق بكيفية موازنة التواصل بشأن طموحات الشركة المناخية مع خطر “الغسل الأخضر”، أوضحت ليزا: “نحن نعرف جيدًا العمل الذي نؤديه. وأنا شخصيًا أعرف ذلك ولدينا التزام بتوضيحه، وكنا فخورين بالإعلان عن منتجاتنا المحايدة كربونيًا. وللأسف لا يمكننا الحديث عنها بهذه الصيغة حاليًا، لكننا لن نتوقف عن الحديث عن العمل الذي نؤديه. وهذا ما يجب أن يتوقعه عملاؤنا منا”.
وتتزامن استثمارات أبل في مجال الطاقة المتجددة مع تراجع العديد من الشركات الأخرى عن التزاماتها المناخية. وتآكل التوافقات السياسية بشأن العمل المناخي في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأوروبا. ما يجعل التزام أبل أكثر أهمية.
الاستثمار التجاري في الطاقة النظيفة
وفيما يتعلق بكيفية تجاوز الشركة لهذه الانقسامات السياسية والبيئية، أكدت ليزا جاكسون: “من المهم أن نوضح أننا تعاملنا دائمًا مع مشاريع الطاقة النظيفة بوصفها جزءًا من قراراتنا التجارية. فنحن نستثمر في أعمال وشركات تسعى بدورها لتحقيق الربح من بيع الطاقة التي تولدها هذه المشاريع”.
وأشارت إلى أن الهدف الأساسي يتمثل في “أن ندرج الطاقة النظيفة ضمن أسلوب عملنا وقيمنا، ونواصل السير في هذا الاتجاه”. هذا يوضح أن الاستدامة ليست مجرد واجب أخلاقي، بل هي قرار تجاري حكيم.
وأضافت أبل أنها تركّز استثماراتها على المناطق والدول التي يمكن فيها تحقيق أكبر تأثير بيئي ممكن. مثل: بولندا، التي تمتلك شبكة كهرباء ذات كثافة كربونية أعلى من بعض جيرانها الأوروبيين. ما يعكس إستراتيجية استثمار موجهة.

آليات تمويل متعددة ومبتكرة
وتسهِم الشركة في بناء المشاريع من خلال آليات تمويل متعددة ومبتكرة. أبرزها اتفاقيات شراء الطاقة طويلة الأمد التي تمنح المطورين ضمانًا لتأمين التمويل عبر وجود مشتري ثابت للطاقة. إلى جانب مشاريع تُدار مباشرة وأخرى تتضمن استثمارات في الأسهم.
وحتى تاريخه أكدت أبل أن مشاركتها في المشاريع المعلَن عنها أمس الثلاثاء أسهمت في إتاحة تمويل بقيمة 600 مليون دولار. أي ما يعادل حوالي 450 مليون جنيه إسترليني.
كما وقّعت اتفاقية طويلة الأمد لشراء الطاقة من مشروع للطاقة الشمسية بقدرة 110 ميجا وات في اليونان. وتدعم أيضًا تطوير محفظة تضم مشاريع رياح وطاقة شمسية بقدرة 129 ميجا وات بإيطاليا. إلى جانب مجمع شمسي بقدرة 40 ميجا وات في بولندا.
وتخطط الشركة لشراء الكهرباء من مزرعة رياح “نالا رينيوبلز” بقدرة 99 ميجاوات برومانيا. كما وقّعت اتفاقية لشراء الطاقة من مزرعة شمسية بقدرة 110 ميجاوات في لاتفيا؛ لتؤكد بذلك التزامها العابر للحدود.


