تكشف النفايات الإلكترونية المتراكمة حول العالم عن فرصة اقتصادية وبيئية ضخمة لا تزال بعيدة عن الاستغلال الكامل؛ إذ تشير تقديرات وتقارير دولية إلى أن الهواتف المحمولة القديمة تحتوي على كميات من المعادن الثمينة قد تتجاوز بكثير ما يمكن الحصول عليه من خامات التعدين التقليدية.
ووفقًا لما أوردته مجلة “فورتشن” استنادًا إلى تقارير صادرة عن الأمم المتحدة، فإن طنًا واحدًا من الهواتف القديمة قد يحتوي على تركيزات من الذهب تصل إلى 800 مرة أكثر من طن واحد من خامات التعدين التقليدية المستخرجة من المناجم.
وتسلط هذه البيانات الضوء على الإمكانات الكبيرة الكامنة داخل الأجهزة الإلكترونية المهملة. والتي أصبحت تمثل مخزونًا هائلًا من المعادن عالية القيمة.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية متزايدة في ظل النمو المستمر لاستهلاك الأجهزة الإلكترونية عالميًا. إذ يؤدي تسارع التطور التقني إلى تقليص دورة استخدام الهواتف الذكية والحواسيب والأجهزة الرقمية الأخرى. ما يرفع حجم النفايات الإلكترونية عامًا بعد آخر ويخلق تحديات بيئية واقتصادية في الوقت نفسه.
ثروة مدفونة داخل الأجهزة الإلكترونية
ورغم أن الرقم المتداول حول احتواء الهواتف القديمة على تركيزات مرتفعة من الذهب يمثل الحد الأقصى الممكن وليس المتوسط الفعلي. فإنه يعكس القيمة الحقيقية للمكونات الإلكترونية التي تحتوي على نسب متفاوتة من المعادن الثمينة، وعلى رأسها الذهب والفضة والنحاس.
وتعد لوحات الدوائر الإلكترونية من أكثر الأجزاء احتواءً على هذه المعادن؛ إذ تدخل العناصر الثمينة في تصنيع الموصلات الدقيقة والوصلات الإلكترونية لضمان كفاءة الأداء ومقاومة التآكل على المدى الطويل. ولهذا السبب أصبحت الأجهزة المستهلكة مصدرًا مهمًا للمواد الخام القابلة للاسترداد.
وعلى مدار السنوات الأخيرة، برز مفهوم التعدين الحضري باعتباره أحد الحلول الحديثة للتعامل مع النفايات الإلكترونية. ويقوم هذا المفهوم على استعادة المعادن القيمة من الأجهزة المستهلكة بدلًا من الاعتماد الكامل على استخراجها من باطن الأرض. وهو ما يفتح المجال أمام نموذج اقتصادي أكثر استدامة وكفاءة.

كيف تُستخرج المعادن الثمينة من الهواتف؟
تعتمد عمليات استرجاع الذهب والمعادن الأخرى على سلسلة من الخطوات التقنية الدقيقة. وتبدأ العملية بجمع الأجهزة الإلكترونية وفرزها وفقًا لأنواعها ومكوناتها، تمهيدًا لفصل العناصر القابلة لإعادة التدوير عن المكونات الأخرى.
بعد ذلك، تفكك الأجهزة بعناية لفصل البطاريات والأجزاء البلاستيكية والمكونات المختلفة. ثم تُعالج اللوحات الإلكترونية باستخدام تقنيات متخصصة تشمل التكسير والفرز الميكانيكي والفصل المغناطيسي. بما يسمح بعزل المواد المعدنية عن بقية المكونات.
وفي المراحل اللاحقة، تُستخدم عمليات كيميائية وصناعية متقدمة لاستخلاص المعادن الثمينة بدرجات نقاء مرتفعة. وتتيح هذه التقنيات استرجاع الذهب والفضة والنحاس ومعادن أخرى يمكن إعادة استخدامها في الصناعات الإلكترونية المختلفة. ما يقلل الحاجة إلى استخراج موارد جديدة من المناجم التقليدية.
تحديات بيئية وفرص اقتصادية واعدة
تتجاوز أهمية التعدين الحضري الجانب الاقتصادي؛ إذ يحمل أبعادًا بيئية مهمة في وقت تواجه فيه الدول تحديات متزايدة مرتبطة بإدارة النفايات الإلكترونية. فالتخلص غير السليم من هذه المخلفات قد يؤدي إلى تسرب مواد ضارة إلى البيئة، بما يؤثر في التربة والمياه والصحة العامة.
وتشير التقديرات إلى أن العالم ينتج أكثر من 60 مليون طن من النفايات الإلكترونية سنويًا. بينما لا تتم إعادة تدوير سوى أقل من 20% منها. ويعني ذلك أن كميات ضخمة من المعادن الثمينة تظل مهدرة داخل المخلفات بدلًا من إعادة إدخالها إلى الدورة الاقتصادية.
كما تمثل هذه الفجوة فرصة استثمارية كبيرة للشركات المتخصصة في إعادة التدوير والتقنيات البيئية. خصوصًا مع ارتفاع الطلب العالمي على المعادن المستخدمة في الصناعات التكنولوجية والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي.
مستقبل إعادة التدوير في العصر الرقمي
يتوقع خبراء الصناعة أن يشهد قطاع إعادة تدوير الأجهزة الإلكترونية توسعًا ملحوظًا خلال السنوات المقبلة. مدفوعًا بتزايد الوعي البيئي وارتفاع قيمة المعادن القابلة للاسترداد. إضافة إلى تشديد التشريعات المتعلقة بإدارة النفايات في العديد من الدول.
ومن جهة أخرى، تعمل شركات ومراكز أبحاث على تطوير تقنيات أكثر كفاءة وأقل تكلفة لاستخراج المعادن من الأجهزة المستهلكة. بما يسهم في رفع معدلات الاستفادة من المخلفات الإلكترونية وتقليل الآثار البيئية المصاحبة لعمليات التعدين التقليدية.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن التعدين الحضري يتجه ليصبح أحد المحاور الرئيسية في الاقتصاد الدائري العالمي. حيث تتحول الهواتف القديمة والأجهزة المهملة من عبء بيئي إلى مورد إستراتيجي قادر على توفير كميات كبيرة من المعادن الثمينة. ودعم جهود الاستدامة، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد في المستقبل.


