التأني في العمل وسيلة مثالية للإبداع والفعالية، وعلى الرغم من كوننا في عصر السرعة والضجيج فقد أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة غالوب، مؤخرًا، أن 79% من القوى العاملة بالولايات المتحدة منخرطون في ممارسة الإبطاء والتأني في العمل.
يعني هذا أن المسألة من الأهمية بمكان حتى يلجأ إليها عدد كبير من الموظفين، وقد أفاد بحث من مؤسسة “كونفرنس بورد” بأن العمال الذين يركزون على الإسراع دون انتماء حقيقي للشركة يكلفون الشركات الأمريكية ما يصل إلى 500 مليار دولار سنويًا.
هذا التأني في العمل خيار صحيح لكنه قد لا يكون كذلك إذا نظرت إلى تبعاته؛ تشير مؤسسة الصحة العقلية إلى أن “التأثير التراكمي لزيادة ساعات العمل له تأثير كبير في نمط حياة عدد كبير من الأشخاص، ومن المحتمل أن يضر بصحتهم العقلية”.
قد يكون بعض الأشخاص قادرين على العمل لمدة 20 ساعة في اليوم بكامل طاقتهم لسنوات دون انهيار أو إرهاق، لكن هذا ليس تصرفًا سليمًا، من الناحية الصحية على الأقل.
اقرأ أيضًا: العمل وفق الراتب.. تحت المجهر
الإسراع والنتائج العكسية
وجدت شركة ماكينزي أن الاعتماد على التأني في العمل بين الفرق العليا يؤدي إلى دفعها للتفكير بشكل أعمق -بل أسرع- في تحقيق أهدافها، وعلى الرغم من أن هؤلاء الموظفين باتوا يتعاملون بشكل أكثر فاعلية مع التعقيد والتحديات المتزايدة إلا أنهم استخدموا مستويات طاقة أقل.
يتشكك القادة في البداية عندما يُطلب منهم اعتماد التأني في العمل كمنهج مستدام؛ لأن معظم نظريات القيادة تعتمد على النظر للعالم بطريقة كمية؛ حيث يسعى القادة للسيطرة على تحدياتهم وهيكلتها وضمان النتائج، والانخراط في مناقشة سريعة والانتقال بأسرع ما يمكن من أ إلى ب في خط مستقيم ومحكم.
لكن هذه النظرة للعالم لم تعد متوافقة للمساعدة في مواجهة التحديات التي تواجه الشركات وقادتها اليوم. لكن ثمة نظرة مختلفة ترى أن التحديات التي نواجهها معقدة، وأننا صحيح قد نحتاج إلى الإسراع من وتيرة إنتاجنا لكن التأني في العمل أحيانًا قد يكون ضرورة؛ من أجل حوار أعمق وفهم لتحدياتنا والإسراع في مكان آخر.
اقرأ أيضًا: العمل الهجين أم الالتزام بمقر العمل؟.. فرص وتحديات
أهمية التأني في العمل
نوضح في «رواد الأعمال» أهمية التأني في العمل، وذلك على النحو التالي..
-
التركيز والإبداع
ينتج عن التأني في العمل نتائج عالية الجودة، ولا يوجد شيء يقتل ذلك مثل الإسراع وتعدد المهام، وتقول الأبحاث العلمية إننا لا نستطيع أداء العديد من المهام في وقت واحد. بدلًا من ذلك نبدّل بين المهام المنفصلة. قد تفقدك عملية التبديل هذه بضع ثوانٍ فقط في كل مرة لكن التأثير التراكمي لها هو أنماط عمل غير فعالة وغير منتجة، وتصبح مستنزفة.
الطريقة الأكثر فاعلية للعمل هي تخصيص وقت مخصص لإنفاقه على مهمة واحدة في كل مرة (خاصةً عندما تكون المهمة الحالية معقدة أو تتطلب إبداعًا). إذا كنت تعمل بتلك الطريقة فمن المحتمل أن تكمل العمل بشكل أسرع وعلى مستوى أعلى.
إذا كنت تعمل بعيدًا عن التشتيت فهذا يزيد أيضًا من احتمالية الدخول في حالة التدفق والإبداع، يعني ذلك أن التأني في العمل لن يعينك على إنجاز أعمال ذات جودة عالية فحسب بل سيقودك إلى الإبداع أيضًا.
اقرأ أيضًا: الموظف المثالي.. صفات أساسية
-
النجاح المستدام
حياتك المهنية ماراثون وليست عدوًا سريعًا؛ لهذا فإن التأني في العمل هو الخيار الأفضل. ما الفائدة من الزحام المستمر إذا كانت صحتك تتأذى وتقلل من جودة حياتك؟ إذا كان هدفك هو النجاح على المدى الطويل فأنت بحاجة إلى رعاية عقلك وجسمك؛ لتسمح لنفسك بأفضل فرصة لتحقيق النجاح.
كل شخص لديه 24 ساعة في اليوم. ولا عذر في عدم أخذ إجازة لممارسة الرياضة وتناول الطعام والنوم. كل هذه الأشياء ستغذي عقلك وتسمح لك بالأداء على مستوى عالٍ باستمرار دون التضحية برفاهيتك. إذا كنت تريد نجاحًا مستدامًا فلا يمكنك تحمل إهمال نفسك.
الجهد المستمر بمرور الوقت أكثر استدامة من محاولة إنجاز العمل بأسرع ما يمكن. لأداء أفضل عمل لدينا نحتاج إلى فترة راحة ذهنية، ومساحة للتأمل الذاتي، وجدول زمني واقعي يمكّننا من مواكبة ذلك بالفعل، باختصار نحن بحاجة إلى التأني في العمل ومحاولة الالتفات لاحتياجاتنا الجسدية والنفسية.
-
الأفضل وليس المزيد
كونك سريعًا يسمح لك بعمل المزيد، هذا صحيح لكن “فعل المزيد” لا يعني “فعل الأفضل”، تلك هي النقطة الحاسمة؛ فأداء المهام بشكل أبطأ يعني أنه يمكننا زيادة جودة المخرجات.
هل ستقدم شيئًا أكثر إبداعًا إذا كان لديك يومان أم إذا كان لديك أسبوعان؟ هل سوف تستمتع بالمناظر الطبيعية بشكل أفضل إذا كنت تقود فوق الحد الأقصى للسرعة أم تمشي على مهل؟ هل ستتعلم المزيد عن صديق إذا كانت لديك محادثة سريعة أم طويلة؟ بالطبع قد لا نمتلك دائمًا رفاهية البطء والتأني في العمل لكن يجب أن نبذل جهدًا واعيًا للتساؤل عن قيود الوقت المصطنعة.
اقرأ أيضًا: تسريح الموظفين.. لماذا تتجه إليه كبرى الشركات؟
-
الإبطاء وحكمة اتخاذ القرارات
عندما تبطئ من وتيرتك وتعتمد على التأني في العمل فإنك تدخر لنفسك الوقت حتى تتمكن من التفكير في الأمور بحكمة، وعندما تفكر في الأمور يمكنك أن تفعل الصواب.
عندما تبطئ وتفكر قبل التصرف فإنك تُوائم الموقف والعمل وتبدو هادئًا وواثقًا. عندما تبدو هادئًا يعتقد الناس أنك تعرف ما تفعله، ويصبحون أكثر استعدادًا للاستماع إليك ومتابعتك.
حاولت شركة “ماكينزي” إبطاء وتيرة العمل في بعض شركات الاتصالات العالمية وإثبات أن ذلك أفضل للعمل، وبعض أول يومين من اعتماد نهج التأني في العمل أشاد المنخرطون في التجربة بحواراتهم الثرية والمفتوحة وأعربوا عن دهشتهم من أن قضاء المزيد من الوقت في الاستكشاف يسرّع اتخاذ القرار ولا يتطلب الكثير من الطاقة أو الوقت كما توقعوا.
بعد شهرين من الجلسة الأولى كشف مسح أُجري على الفريق عن أنهم أدركوا بالفعل تقدمًا كبيرًا في جميع العناصر ذات الأولوية، وكانوا مشغولين في وضع أهداف جديدة، وكانوا أكثر توافقًا. لقد تعلموا من خلال التجربة أن التأني في العمل يمكن أن يؤدي إلى السرعة والإنجاز.
اقرأ أيضًا:
مصطلحات مهمة عن الوظائف.. أدوات الفهم والنجاح
قبول الاستقالة.. كيف تتعامل باحترافية؟
الاستثمار في المواهب.. الفرص والتحديات


