تحتاج المؤسسات إلى قيادة قادرة على تطوير الموظفين، وليس فقط إدارة مهامهم اليومية، وهو ما يركز عليه كتاب «Multipliers» للمؤلفة ليز وايزمان، من خلال مجموعة من الأفكار العملية التي تستهدف إطلاق قدرات الأفراد وتعزيز قدرتهم على التفكير واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية.
ويطرح الكتاب مفهومًا أساسيًا مفاده أن القيادة الفعالة لا تقاس بمدى اعتماد الموظفين على مديرهم. وإنما بقدرة القائد على بناء فريق يستطيع العمل بكفاءة واستقلالية. ومن هذا المنطلق، تركز الأفكار الواردة في الكتاب على الثقة، والتفويض، وطرح الأسئلة، والاستثمار في نقاط القوة، إلى جانب توفير بيئة تسمح بالتجربة والتعلم.
القائد الذي يصنع قادة
تبدأ الفكرة الأولى من أن القائد الحقيقي لا يسعى إلى صناعة تابعين، وإنما يعمل على تطوير قادة جدد داخل فريقه. ولذلك، لا ينبغي أن يكون الهدف هو إثبات أن المدير أكثر معرفة من الجميع، بل مساعدة كل موظف على تقديم أفضل ما لديه وتطوير قدراته بصورة مستمرة.
كذلك، يؤكد كتاب «Multipliers» أهمية الثقة بقدرات الفريق؛ فعندما يحصل الموظفون على مساحة حقيقية لإثبات قدراتهم، فإنهم غالبًا ما يستطيعون تجاوز التوقعات الموضوعة لهم. وبناءً على ذلك، يصبح دور المدير قائمًا على التمكين والمتابعة، بدلًا من التدخل في كل تفصيل من تفاصيل العمل.
ومن جهة أخرى، يدعو الكتاب القادة إلى طرح الأسئلة بدلًا من تقديم الإجابات الجاهزة دائمًا. فالأسئلة المناسبة تدفع الموظف إلى التفكير والتحليل والبحث عن الحلول. كما تساعده على تطوير قدرته على التعامل مع المشكلات مستقبلًا دون انتظار توجيه مباشر من المدير.
التفويض وتوظيف نقاط القوة
لا يكتمل التفويض بمجرد توزيع المهام؛ إذ يشدد الكتاب على ضرورة منح الموظف الصلاحية اللازمة لاتخاذ القرارات المرتبطة بالمسؤولية الموكلة إليه. ويؤدي ذلك إلى تعزيز الشعور بالمسؤولية، كما يمنح الموظفين فرصة عملية لتطوير قدراتهم القيادية واتخاذ القرارات.
وبالتوازي مع ذلك، تبرز أهمية الاستثمار في نقاط القوة لدى كل موظف، من خلال وضع الشخص المناسب في المكان المناسب. فمعرفة القدرات التي يتميز بها كل فرد تساعد الإدارة على توزيع الأدوار بصورة أكثر كفاءة، وتتيح للموظفين تقديم مستويات أداء أفضل.
كذلك، يحتاج الفريق إلى بيئة آمنة تسمح بالتجربة والتعلم، لأن الخوف المستمر من الخطأ قد يحد من المبادرة والابتكار. ولذلك، يرى الكتاب أن منح الموظفين فرصة للتجربة، مع التعامل مع الأخطاء باعتبارها جزءًا من عملية التعلم، يساعد على بناء فرق أكثر قدرة على تطوير حلول جديدة.
الحوار والتحديات والتغذية الراجعة
يشجع كتاب «Multipliers» أيضًا على النقاش وتبادل الآراء داخل فرق العمل؛ إذ تصبح القرارات أكثر شمولًا عندما يشعر أعضاء الفريق بأن آراءهم مسموعة وأن مشاركتهم مؤثرة. ومن ثم، فإن إتاحة مساحة للحوار تساعد على الاستفادة من الخبرات المختلفة الموجودة داخل المؤسسة.
وإضافة إلى ذلك، يوصي الكتاب بوضع تحديات كبيرة، ولكن قابلة للتحقيق، حتى يشعر الموظفون بوجود أهداف تستحق بذل الجهد للوصول إليها. وعندما تكون التحديات مناسبة لقدرات الفريق، فإنها يمكن أن تعزز الحماس والالتزام، وتدفع الأفراد إلى توسيع نطاق إمكاناتهم.
ولا تقل التغذية الراجعة أهمية عن بقية الممارسات؛ إذ ينبغي أن تكون عملية مستمرة تركز على التطوير والتحسين، وليس فقط على اكتشاف الأخطاء وتصحيحها. وبذلك، يحصل الموظف على توجيه منتظم يساعده على معرفة نقاط القوة التي ينبغي الحفاظ عليها والجوانب التي تحتاج إلى تطوير.
نجاح القائد يبدأ بنجاح فريقه
تصل أفكار كتاب «Multipliers» إلى مبدأ أساسي يتمثل في ضرورة قياس نجاح القائد من خلال نجاح فريقه. فكلما أصبح أعضاء الفريق أكثر قدرة على اتخاذ القرارات وتحمل المسؤوليات والعمل باستقلالية، انعكس ذلك على جودة القيادة داخل المؤسسة.
وبناءً على ذلك، لا يتمثل دور القائد المتميز في جعل جميع المهام والقرارات مرتبطة به، وإنما في بناء فريق أقوى وأكثر قدرة على تحقيق النتائج. كما أن تطوير الموظفين لا ينبغي أن يكون هدفًا منفصلًا عن أهداف المؤسسة، بل جزءًا أساسيًا من طريقة إدارتها ونموها.
وتوضح هذه الأفكار أن القيادة الفعالة تقوم على مضاعفة قدرات الأفراد، وليس مضاعفة سلطة المدير. فالقائد الناجح هو الذي يترك فريقه أكثر قوة واستقلالية مما كان عليه قبل توليه مسؤولية قيادته، ويقيس أثره بما أصبح أفراده قادرين على إنجازه، لا بما يحتاجون إليه منه.


