“لن أخرج من غزة الا إلى الجنة” بهذه الكلمات استهل أنس الشريف رحلته الأبدية، متجسدًا في صورة المراسل الذي لم يكن مجرد ناقل للخبر، بل كان شاهدًا على الجريمة بحذافيرها. فمن رحم أزقة مخيم جباليا للاجئين انطلق صوت شاب لم يعرف في حياته سوى الصدق، ولم يتقن سوى لغة الكاميرا والحقيقة الناصعة، فكان بمثابة عين العالم على ما يدور في غزة من ظلم.
وُلد أنس الشريف في عام 1996م، وعاش حياته مثقلة بالفقد والألم، لكن هذه التجارب الصعبة لم تكسر عزيمته. بل كانت حافزًا له ليحمل في قلبه رسالة أكبر من عمره بكثير.
والتحق “أنس” بكلية الإعلام وتخصص في مجال الإذاعة والتلفزيون، واتخذ قرارًا مصيريًا بأن يكون جسرًا يربط بين العالم الخارجي وما يحدث في القطاع المحاصر، ناقلًا مشاهد الألم والصمود من قلب الخطر، غير آبه بالثمن الباهظ الذي قد يدفعه.
كاميرا لا تخشى القذائف
لم تتمكن القذائف من إسكات عدسة أنس الشريف، ولم ترهبه تهديدات الاحتلال المستمرة؛ حيث استمر في عمله الثابت، حتى بعد أن فقد والده في قصف إسرائيلي استهدف منزل العائلة، فواصل مهمته ليصبح لسان حال شعبه وصوت المظلومين الذين لا يملكون منبرًا.
جسدت هذه الإرادة الصلبة روحه المتفانية في خدمة قضيته العادلة، معتزًا بانتمائه إلى الأرض التي ولد فيها.

وفي العاشر من أغسطس لعام 2025 اغتالت أيادي الاحتلال أنس الشريف مع زملائه الصحفيين في قصف مباشر استهدف خيمة الصحفيين بالقرب من مستشفى الشفاء.
وظنوا أنهم بذلك تمكنوا من إسكات الكلمة الحرة، لكن دماء أنس كتبت وصيته الأخيرة، وأطلقت صرخة مدوية ستظل تتردد صداها في أرجاء العالم؛ فكانت كلماته الأخيرة بمثابة وصية محفورة في ذاكرة الأمة، تدعو إلى التمسك بالأمل.
وصية شهيد وميراث وطن
تلك الدماء الطاهرة التي سالت كانت بداية لوصية عظيمة تجاوزت حدود الزمان والمكان. حملت رسالة إلى كل حر وشريف، فكانت كلماته: “أوصيكم بفلسطين، أوصيكم بأهلها، أوصيكم ألا تسكتكم القيود ولا تقعدكم الحدود. كونوا جسورًا نحو تحرير البلاد والعباد”. كان أنس بذلك لا يوصي بالدفاع عن فلسطين فحسب، بل يوصي بالتمسك بالقيم الإنسانية والعدالة التي ناضل من أجلها.
ولم يكن مجرد مراسل؛ بل كان ضميرًا حيًا ينبض بالحقيقة، وشاهدًا حيًا على كل جريمة، وحارسًا أمينًا لذاكرة وطن. رحل جسده لكن روحه الطاهرة ما زالت ترفرف فوق سماء جباليا، وعسقلان، وغزة. شاهدةً على أن الصحفي الحقيقي يظل واقفًا ثابتًا في وجه الظلم، حتى لو كلفه ذلك حياته.
رحيل جسد وبقاء روح
بصمات أنس الشريف لا تزال حاضرة في كل زاوية من زوايا غزة، فبصوته وصورته نقل معاناة شعب بأكمله، وشهد على لحظات الألم والأمل. فهو رمز للتضحية والشجاعة التي لا تلين؛ حيث واجه الموت من أجل إيصال الحقيقة، ولم يسمح للخوف أن يسيطر عليه.
وترك فراغًا كبيرًا في عالم الصحافة، لكنه في المقابل ترك إرثًا عظيمًا من الإصرار على الحق. وأصبح مصدر إلهام لكل من يحمل قلمًا أو كاميرا، ليواصلوا المسيرة التي بدأها، مستلهمين من تضحيته القوة والعزيمة. فقصة حياته وموته رسالة إلى العالم بأسره تؤكد أن الحق لا يضيع طالما هناك من يدافع عنه.

تضحية من أجل الحقيقة
قضية أنس الشريف ليست مجرد قصة مراسل استشهد في ميدان عمله، بل هي قضية كل صوت حر تم إسكاته. إذ أراد الاحتلال أن يخمد شعلة الحقيقة فإذا بها تشتعل أكثر، وتضيء الطريق للأجيال القادمة. وأصبح رمزًا للصحفيين الذين يضحون بحياتهم في سبيل مهنتهم، مؤكدًا أن الكلمة أقوى من الرصاص.
الصحافة الحرة هي عماد المجتمع السليم، وأنس الشريف كان أحد أعمدتها. وباستشهاده لم نخسر فقط مراسلًا، بل عينًا ترى الحقيقة وقلبًا ينبض بها. ولا شك أن رسالته ستظل محفورة في ذاكرة الأمة، لتكون مصدر إلهام لكل من يسعى إلى العدالة والحرية.
التغطية مستمرة.. #أنس_الشريف شهيد كلمة الحق.#رواد_الأعمال
— مجلة رواد الأعمال (@rowad_alaamal) August 11, 2025


