تُؤدي الأحداث الاستثنائية إلى تحولات جذرية في الأسواق؛ كزيادة الطلب على سلع كانت مهملة، وتراجع الإقبال على أخرى كانت رائجة؛ ما يضع بعض التجار على طريق الثراء الفاحش، ويقذف بآخرين إلى الإفلاس.
استثمار الفرص في أوقات الأزمات
دائمًا ما يصاحب الحروب والكوارث الطبيعية “أغنياء جدد”، ولكن يجب أن نميز هنا بين صانعي وصائدي الفرص الأذكياء والمخططين، ومنتهزي الفرص الأشرار الذين يستغلون معاناة الناس.
وفي هذا الإطار، أذكر معايشتي للأمثلة التالية:
حرب الخليج الثانية: في التسعينيات، لاحظ تاجر سعودي صغير أن الجنود المتجهين إلى الكويت يعانون من حرارة الشمس القوية؛ فهداه تفكيره إلى الانتقال إلى مدينة الجبيل؛ ليفتتح محلًا لبيع النظارات الشمسية؛ فتجاوزت مبيعاته كل التوقعات، وسرعان ما أصبح رجل أعمال ناجحًا يمتلك سلسلة متاجر منتشرة في عدة دول خليجية.
حرب أفغانستان: في حادثة طريفة، ابتكر شاب أفغاني طريقة بسيطة لتحقيق الثروة؛ حيث كان يصعد إلى جبل قُبيل المغرب، ويضع كشافًا ضوئيًا، فتهاجم الطائرات الأمريكية الضوء معتقدة أنه هدف عسكري وتطلق عليه الصواريخ. بعد انتهاء الهجوم، كان الرجل يجمع بقايا الصواريخ المعدنية (الخردة – الاسكراب) ويبيعها بعد انتهاء الحرب، ليحقق بالفعل ثروة غير متوقعة.
الكوارث تتحول إلى أرباح
أحداث أخرى مثل كارثة مكوك الفضاء “كولومبيا” وهجمات 11 سبتمبر أفرزت هي الأخرى فرصًا تجارية غير مألوفة:
قام البعض بجمع الغبار الناتج عن انفجارات 11 سبتمبر وبيعه، بينما باع آخرون أجزاءً من مكوك كولومبيا على الإنترنت.
بعد هجمات 11 سبتمبر، ومع توقف الأسواق، كانت مبيعات الزهور والهدايا هي الأكثر رواجًا؛ إذ ارتفعت مبيعاتها بشكل هائل؛ لأن الأمريكيين في الداخل والخارج كانوا يشترونها لتقديم التعازي. رصدت إحدى شركات التجارة الإلكترونية هذا النشاط؛ حيث بلغت مبيعاتها 82.5 مليون دولار بعد الحادث مباشرة، وزادت مبيعات الزهور والهدايا بنسبة 92%.
في ظل انتشار مرض الجمرة الخبيثة، أصبح الجميع يخشى استلام الطرود البريدية؛ ما خلق طلبًا كبيرًا على أجهزة الفاكس والبريد الإلكتروني؛ وبالتالي زادت أرباح الشركات التي تقدم هذه الخدمات. كما أدى إلى ازدهار سوق أجهزة الكشف عن المرض، وارتفعت أرباح شركة “تاكارا” اليابانية المصنعة لهذه الأجهزة إلى أكثر من مليار دولار.
كذلك، شهدت صادرات ماليزيا من القفازات ارتفاعًا بنسبة 70 %؛ ما أدى إلى ارتفاع أسعار أسهم شركاتها المنتجة بنسبة 13 %، بعد أن أصبحت الولايات المتحدة تطلب كميات هائلة منها لتوزيعها على عمال البريد.
جائحة كورونا: مع انتشار الوباء، زاد الطلب بشكل هائل على الكمامات والمعقمات؛ فلجأت بعض الشركات التي كانت تواجه معاناة، إلى التحول إلى مصانع الملابس لإنتاج الكمامات، كما لجأت شركات العطور إلى إنتاج المعقمات، وازدهرت منصات العمل والتعلم عن بُعد مثل Zoom و Google Classroom، بالإضافة إلى تطبيقات توصيل الطعام والبقالة.
أزمة الطاقة العالمية: مع ارتفاع أسعار الطاقة والتوجه نحو الطاقة النظيفة، شهدت شركات الطاقة المتجددة (مثل الطاقة الشمسية والرياح) نموًا غير مسبوق؛ حيث زاد الطلب على الأجهزة المنزلية الموفرة للطاقة ووسائل النقل الكهربائية.
كن صانعًا للفرص
هذه الشركات الناشئة لم تتطلب رؤوس أموال ضخمة، بل اعتمدت على استغلال الأحداث غير العادية؛ فمن بيع النظارات والكمامات، إلى جمع بقايا الصواريخ، أو بيع الزهور والقفازات، كانت المشروعات نتاج أفكار بسيطة، لكنها ذكية.
لذلك دائمًا ما أحفز أبنائي من رواد الأعمال، بقولي: “لاتكن صائد الفرص، بل كن صانعًا لها؛ فصانعو الفرص هم “صانعو المظلات” المهرة الذين ينتظرون هطول المطر ليجنوا أرباحهم، فهل أنت مستعد لتكون واحدًا منهم؟


