استيقظتُ مبكرًا على صوت طَرْق عالٍ آتٍ من منزل جاري، الذي قابلني لاحقًا معتذرًا وموضحًا أنه كان يتولى إصلاح وصيانة أثاثه القديم؛ تمهيدًا لنقله إلى مقر جديد صيفي في مدينة ساحلية؛ فابتسمتُ وأثنيتُ على ما يفعل؛ فتجديد الأثاث القديم بدلًا من شراء جديد باهظ الثمن خيار معظم العقلاء في عصر التضخم والركود الاقتصادي؛ حيث صار الغلاء حديث العامة ومصدرًا مقلقًا لهم؛ ما دفعني إلى تقديم هذه النصائح للمسوّقين والمتسوقين في عصر الغلاء الذي يجثم على صدورنا:
تحدٍ وحلول
إنَّ التحدي واضح أمام رواد ورائدات الأعمال والشركات في توفير منتجاتهم وخدماتهم بأعلى جودة، وتسويقها لشرائح مختلفة، صار السعر هو الهاجس الذي يؤرقهم؛ إذ انخفضت قوتهم الشرائية، خاصة مع شبح الركود الاقتصادي؛ بسبب حروب وكوارث بيئية تجوب العالم، وتغيرات متذبذبة بالسياسات الحكومية؛ مثل رفع أسعار الفائدة، أو خفض الإنفاق الحكومي.
ومن الطبيعي أن يقابل انخفاض القوة الشرائية للمستهلكين طُرُق مبتكرة من جانب رواد الأعمال لجذب العملاء وتحفيزهم على الشراء؛ لذا ننصحهم بالتركيز على القيمة والميزة والفائدة التي سيفوز بها العميل عند شرائه المنتج أو الخدمة.
ومن المهم أيضًا توفير خيارات دفع مرنة، مثل: الدفع بالتقسيط، أو ببطاقة الائتمان، أو عن طريق الهاتف المحمول، علاوة على بناء علاقات جيدة مع العملاء ووضع برامج ولاء لهم، واستخدام العروض الترويجية والخصومات بذكاء؛ فذلك يجذب العملاء ويحفزهم على الشراء.
حيل تسويقية
وقد شاهدتُ حيلًا تسويقية لجأت إليها بعض الشركات، وأشرت لبعضها في مقالين سابقين هنا؛ أحدهما بعنوان: “فوضى الإعلانات”، والآخر بعنوان”حيلة تسويقية في عصر التضخم”، وذكرت أن هناك حيلًا أخلاقية وغير أخلاقية؛ للتأثير في قرار المستهلك بالشراء.
على سبيل المثال: تعمل الصور الخادعة والفيديوهات المُبهرة على جذب انتباه العملاء وإثارة اهتمامهم بالمنتج أو الخدمة، كما تساعد اللغة العاطفية في منح شعور بالارتباط بين المنتج أو الخدمة والعميل، وكذلك يساهم التسويق الإلكتروني الشركات في الوصول إلى جمهور أوسع، بينما تلجأ بعض الشركات- للأسف- إلى الإعلانات المضللة؛ لإظهار منتجاتها أو خدماتها بشكل أفضل من الواقع.
تجنب حيل المسوقين
من المهم أن تكون مُلمًا بأهداف التسويق، وقارن جيدًا بين الأسعار واختر أفضلها من عدة بائعين، مع الحذر عند قراءة المراجعات التي تنتشر في منصات التواصل؛ فبعضها غير صادق، وبعضها إعلانات مدفوع الأجر، ولا تتعجل في شراء منتج لمجرد رؤيته في إعلان، بل خذ وقتك للتفكير فيما إذا كنت بحاجة إليه حقًا.
التسويق بالطُعْم decoy
ذكرتُ بالتفصيل -في مقال سابق هنا- حيلة تسويقية تستخدمها الشركات باسم Shrinkflation، بتقليل وزن المنتج كبديل لزيادة الأسعار أملًا في حفاظ الزبائن على معدلات الشراء نفسها، مثل: عبوات الآيس كريم، وأكياس الشيبسي، والزبادي، والحليب، وعبوات البسكويت، والشيكولاته، ومعجون الأسنان، والمناديل الورقية، والصابون، والزيوت، والمواد المطهرة.
وهناك مثال آخر تلجأ إليه الشركات وهو التسويق بالشَرَك أو الطُعْم Decoy؛ وذلك بهدف زيادة المبيعات؛ بتقديم خيار ثالث غير جذاب نسبيًا، ففي حالة توافر خيارين فقط من منتج ما عادة ما يميل العملاء لشراء الأرخص والأصغر الذي يفي بالغرض وتجنب المنتج مرتفع السعر ذي المزايا العالية؛ لذا يضاف خيار ثالث سيء منطقيًا؛ لدفع الناس إلى شراء المنتج ذي السعر الأعلى والذي سيبدو وكأنه صفقة ذكية ناجحة.
مثال على ذلك؛ إذا أردت شراء عبوة فشار متوفر منها حجمان فقط: صغيرة بـ 3 ريالات، وكبيرة 7 ريالات؛ أثبتت الدراسات أن أغلب الناس يميلون لشراء الحجم الصغير أو عبوتين منه بدلًا من شراء عبوة واحدة كبيرة، وهنا يضيف البائع خيارًا ثالثًا مُبالَغًا في سعره، وهو الحجم المتوسط بـ 6.5 ريال؛ حيث تشير الدراسات إلى أن المستهلك سيميل لشراء العبوة الكبيرة؛ لأنه بإضافة مبلغ صغير وهو نصف دولار يحصل على الحجم الأكبر؛ معتقدًا أنها صفقة ناجحة!
وهناك أمثلة أخرى للتسويق بالطُعْم: عندما تقدم شركات الطيران رحلات بأسعار مخفضة مع قيود على الأمتعة أو الصعود المبكر، أو اختيار المقعد؛ أو تقليل وجبة الطعام، وعندما يقدم السوبر ماركت خصومات على المنتجات التي تُباع منها كميات كبيرة، وكذلك عندما تقدم شركات السيارات خيارات تمويل بشروط مختلفة.
حلول تسويقية
على الشركات مراجعة أسعار المنتجات والخدمات بعناية؛ لتجنب فقدان العملاء، وتقديم عروض وخصومات متنوعة، مثل: الخصومات النقدية، وعروض الترويج، وتوسيع قاعدة العملاء؛ لزيادة المبيعات وتحقيق إيرادات أكبر، والتركيز على التسويق عبر الإنترنت، وتحسين محركات البحث SEO، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي بفاعلية وكفاءة.
ويجب على الشركات أن تعلن بشفافية عن أسباب زيادة أسعار منتجاتها؛ بوضع إشعارات على موقع الويب أو في المتاجر، وتقديم الدعم للعملاء الذين يواجهون صعوبة في تحمل التكاليف المتزايدة؛ من خلال برامج الولاء، أو خيارات الدفع المرنة التي أشرتُ لها سابقًا.
نصائح للمتسوقين في عصر التضخم
على الجانب الآخر يقف المستهلك والعميل والزبون حائرًا قبل الشراء؛ لذا أنصحه بوضع ميزانية يلتزم بها في الإنفاق، وأن يقارن الأسعار دائمًا للحصول على أفضل صفقة، ويتخلي عن بعض الرغبات غير الضرورية، والتركيز على المهم، وشراء منتجات محلية؛ كونها أوفر من المستوردة ذات الماركات العالمية.
وهناك من يلجأ إلى توفير المال؛ بزراعة بعض أنواع المحاصيل أو الطهي في المنزل بدلًا من تناول الطعام في الخارج، أو كما فعل جاري العزيز بإصلاح المنتجات بدلًا من استبدالها بأخرى جديدة باهظة السعر.
د.نبيل شلبي


