لطالما شكّل تحديد الأسباب الجذرية للمشاكل تحديًا كبيرًا أمام الأفراد والمؤسسات على حد سواء. ففي عالم الأعمال؛ حيث التنافس شديد والجودة هي المعيار، أصبح من الضروري توفير حلول فعالة ودائمة للمشكلات التي تعوق التقدم. وفي هذا السياق برز مخطط إيشيكاوا، المعروف أيضًا بـ “تحليل عظمة السمكة”، كأداة قوية وفعالة لتحديد هذه الأسباب الجذرية.
مخطط إيشيكاوا هو أداة بصرية بسيطة وفعالة في الوقت نفسه، يستخدم لتحليل المشكلات وتحديد أسبابها الجذرية. سميت هذه الأداة على اسم مخترعها المهندس الياباني كاورو إيشيكاوا؛ الذي قدمها كإحدى الأدوات الأساسية في مجال إدارة الجودة الشاملة. ويطلق عليه اسم مخطط عظمة السمكة لأنه يشبه شكل الهيكل العظمي للسمكة؛ حيث يمثل الرأس المشكلة الرئيسية، ويشكل العمود الفقري الأسباب الرئيسية، وتمثل الأشواك الصغيرة الأسباب الفرعية.
مخطط إيشيكاوا
أضف إلى ذلك لا يقتصر مخطط إيشيكاوا على المجال الصناعي فحسب بل يستخدم على نطاق واسع في مختلف المجالات الأخرى. مثل: الخدمات والرعاية الصحية والتعليم. وفي حين أن هناك العديد من الأدوات الأخرى لتحليل المشكلات إلا أنه يتميز بسهولة استخدامه ومرونته. ما يجعله أداة مثالية للعمل الجماعي وعصف الأفكار.
من ناحية أخرى فإن هذا المخطط يتيح التركيز على الأسباب الجذرية للمشكلة بدلًا من التركيز على الأعراض فقط. ما يؤدي إلى حلول أكثر استدامة وفعالية.
كذلك يتميز مخطط إيشيكاوا بقدرته على تحديد جميع الأسباب المحتملة للمشكلة، سواء كانت داخلية أو خارجية. بينما تسمح هذه الميزة بالحصول على صورة شاملة للمشكلة إلا أنها تتطلب من الفريق المعني بالتحليل أن تكون لديه معرفة جيدة بالعملية أو النظام الذي يتم تحليله. كما أن نجاح استخدامه يعتمد على تكوين فريق متنوع من الأفراد ذوي الخبرات المختلفة؛ حيث يساهم كل فرد بآرائه وأفكاره في تحديد الأسباب المحتملة.
كيف يعمل مخطط إيشيكاوا؟
يعمل مخطط إيشيكاوا على أساس فكرة أن أي مشكلة لها أسباب متعددة ومترابطة، وتحديد هذه الأسباب هو الخطوة الأولى لحل المشكلة. يتم تطبيق المخطط من خلال الخطوات التالية:
1. تحديد المشكلة بدقة: الخطوة الأولى والأهم هي تحديد المشكلة التي نريد تحليلها بشكلٍ واضح ومحدد. وبالطبع يجب أن تكون هذه المشكلة قابلة للقياس ويمكن تحديد آثارها بوضوح.
2. رسم هيكل السمكة: بعد تحديد المشكلة نبدأ برسم هيكل السمكة. الرأس يمثل المشكلة الرئيسية، والعمود الفقري يمثل الأسباب الرئيسية التي تؤثر فيها.
3. تحديد الأسباب الرئيسية: نقسم الأسباب الرئيسية إلى فئات رئيسية. وعادة ما تستخدم الفئات التالية: المواد (المكونات)، والطريقة (الإجراءات). والآلة (الأجهزة والمعدات). والقياس (البيانات والمعلومات). والبيئة (الظروف المحيطة)، والقوى العاملة (الأشخاص).
4. عصف ذهني لتحديد الأسباب الفرعية: لكل سبب رئيسي نجري جلسة عصف ذهني لتحديد جميع الأسباب الفرعية المحتملة. والتي تساهم في المشكلة الرئيسية.
5. تحليل الأسباب وتحديد الجذور: بعد تحديد جميع الأسباب المحتملة. نحللها لتحديد الأسباب الجذرية التي تؤثر بشكل مباشر في المشكلة.
مثال على تطبيق المخطط
لنفترض أن شركة ما تعاني من زيادة في أخطاء الفواتير. يمكن استخدام مخطط إيشيكاوا لتحليل هذه المشكلة وتحديد أسبابها. وكما هو موضح في المثال المرفق: يمكن تقسيم الأسباب الرئيسية إلى فئات مثل: البيئة، والمواد، والقياس، والطريقة. وضمن كل فئة يتم تحديد أسباب فرعية أكثر تفصيلًا، مثل: سوء بيئة العمل، أو جودة الورق الرديئة، أو انخفاض الروح المعنوية.

أداة قوية لتحليل المشكلات ورفع كفاءة الأعمال
يوفر مخطط إيشيكاوا، المعروف أيضًا بـ “مخطط السبب والنتيجة”، أداة تحليلية قوية ومرنة للشركات والمؤسسات تساهم بشكلٍ مباشرٍ في رفع كفاءتها وتحسين أدائها.
وهو يتميز بقدرته الفائقة على تحديد الأسباب الجذرية للمشكلات التي تعوق سير العمل، بدلًا من الاكتفاء بمعالجة الأعراض السطحية. وبذلك يوفر رؤى أعمق وأشمل حول طبيعة المشكلة. ما يمهد الطريق لاتخاذ قرارات أكثر استنارة وفعالية.
-
تحديد الأسباب الجذرية
إحدى أهم فوائد المخطط هو قدرته على تحديد الأسباب الجذرية للمشكلات بدقة متناهية. فعلى عكس الأساليب التقليدية التي قد تركز على البحث عن حلول سريعة فإن هذا المخطط يشجع على التفكير النقدي والتحليل العميق لجميع العوامل التي قد تساهم في ظهور المشكلة.
يساعد ذلك على تنظيم الأفكار وتحديد العلاقات السببية بين العوامل المختلفة.
-
تحسين عملية اتخاذ القرارات
بفضل الرؤية الشاملة التي يوفرها المخطط يمكن للشركات اتخاذ قرارات أكثر استنارة وفعالية. فمن خلال فهم الأسباب الجذرية للمشكلة تتحدد الحلول المناسبة بشكلٍ أكثر دقة. ما يقلل من احتمالية تكرار المشكلة في المستقبل.
علاوة على ذلك يساهم المخطط في تعزيز روح الابتكار والإبداع بين أفراد الفريق؛ حيث يشجعهم على طرح أفكار جديدة وحلول مبتكرة للمشكلات التي تواجههم.
-
تعزيز العمل الجماعي
يعد مخطط إيشيكاوا أداة ممتازة لتعزيز العمل الجماعي والتعاون بين أفراد الفريق. وعبر المشاركة في عملية بناء المخطط يستطيع الأفراد تبادل الأفكار والمعرفة، والتعرف على وجهات نظر الآخرين. كما يساعد على توحيد الجهود وتوجيهها نحو هدف واحد، وهو حل المشكلة بشكل جذري.
-
زيادة الوعي بالمشكلات
يساهم استخدام المخطط في زيادة الوعي بالمشكلات التي تواجه الشركة على جميع المستويات. وعن طريق تحليل الأسباب الجذرية للمشكلات يمكن تحديد نقاط الضعف في العمليات والإجراءات. ما يشجع على اتخاذ إجراءات وقائية لمنع تكرارها في المستقبل.
وبالتالي يولّد المخطط ثقافة استباقية لحل المشكلات؛ حيث يتم التعامل مع المشكلات المحتملة قبل أن تتفاقم وتؤثر في أداء الشركة.
-
تحسين جودة المنتجات والخدمات
من خلال تحديد الأسباب الجذرية للمشكلات التي تؤثر في جودة المنتجات والخدمات بإمكان الشركات اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحسين جودتها. فمثلًا: إذا تبين أن مشكلة في جودة المنتج ترجع إلى نقص في التدريب يتم تصميم برنامج تدريبي جديد للموظفين المعنيين. وبالتالي يساهم مخطط إيشيكاوا في تحقيق رضا العملاء وتعزيز سمعة الشركة بالسوق.
في ختام هذا الطرح، نجد أن مخطط إيشيكاوا يمثل أداة قوية وفعالة لحل المشكلات وتحسين الأداء في مختلف المجالات. فهو لا يقتصر على كونه مجرد أداة تقنية بل منهجية تفكير تساعد الأفراد والمؤسسات على فهم الأسباب الجذرية للمشكلات واتخاذ قرارات مدروسة وحلول مبتكرة.
وبفضل بساطته ومرونته يمكن تطبيق مخطط إيشيكاوا في أي بيئة عمل، سواء كانت صناعية أو خدمية أو حتى في المؤسسات التعليمية.
ومع ذلك يجب تأكيد أن نجاح تطبيق مخطط إيشيكاوا يعتمد على عدة عوامل، منها: التزام الإدارة العليا بدعم هذه الأداة، وتدريب الموظفين على كيفية استخدامها، وتوفير البيئة المناسبة لتبادل الأفكار والآراء.


