بمزيجٍ فريدٍ يجمع بين الإبداع التقني والمسؤولية الاجتماعية، يتجلى مايك كرايجر كأيقونةٍ في عالم ريادة الأعمال الحديث.
هذا المهندس البرازيلي، الذي قاد رحلة إنستجرام من بضعة ملايين إلى مليار مستخدم، لم يقتصر تأثيره على بناء منصة عالمية غيرت طريقة تفاعلنا مع الصور، بل امتد ليلامس قضايا إنسانية عميقة عبر عمله الخيري، ومن ثم يواصل رحلته الملهمة، وهو ما يبرهن على أن النجاح الحقيقي يتجاوز حدود الربح، ليصل إلى إحداث فرقٍ حقيقيٍ في العالم.
مايك كرايجر هو رائد أعمال ومهندس برمجيات برازيلي، شارك في تأسيس إنستجرام جنبًا إلى جنب كيفن سيستروم. وعمل كمدير تقني للشركة، ليصبح العقل الهندسي وراء نمو المنصة الصاروخي.
وخلال فترة عمله كمدير تقني توسّع عدد مستخدمي إنستجرام من بضعة ملايين إلى مليار مستخدم نشط شهريًا. ما يجعله شاهدًا رئيسًا على واحدة من أنجح قصص النمو في تاريخ التكنولوجيا.
الحياة المبكرة والتعليم
ولد مايك كرايجر يوم الرابع من مارس عام 1986، في مدينة ساو باولو بالبرازيل. شغفه المبكر بالبرمجة قاده إلى اتخاذ قرارٍ حاسمٍ بالانتقال إلى كاليفورنيا في عام 2004؛ حيث التحق بجامعة ستانفورد العريقة.
في هذه المؤسسة التعليمية الرائدة تخصص كرايجر في الأنظمة الرمزية، وهو مجال يمزج بين علوم الحاسوب وعلم النفس. ما شكل أساسًا قويًا لفهمه العميق لسلوك المستخدم.

كانت جامعة ستانفورد أيضًا هي المكان الذي التقى فيه بشريكه المستقبلي كيفن سيستروم. فهناك بدأت بذور الأفكار الأولى التي قادت لاحقًا إلى تأسيس إنستجرام عام 2010.
وفي البداية خطرت لهما فكرة إنشاء تطبيق لتسجيل الوصول (Check-in app) يحمل اسم Burbn. قبل أن يقررا تحويله بشكلٍ جذري ليصبح مخصصًا للصور فقط، في خطوة غيرت مسار الشركة.
المسيرة المهنية
في الأيام الأولى من تأسيس إنستجرام كان معظم العمل الهندسي وتجارب المستخدم من تطوير كرايجر وحده. وهو ما يبرز دوره المحوري في إرساء الأساس التقني للمنصة.
قصص تلك المرحلة المبكرة تعكس شغفه وتفانيه. ومن أشهرها قصته مع كيفن سيستروم حول توقف الموقع في إحدى المرات، حين استيقظ كرايجر ليجد رسالة بريد إلكتروني تفيد بأن الموقع تعطل.
وفي هذا الجانب يقول كرايجر: “سألت: من أصلحه؟ شين، هل أصلحته؟. وفي النهاية، على شاشة الطرفية (Terminal)، عندما تضغط زر السهم للأعلى، يظهر لك آخر أمر كتبته. واكتشفت أنني، في حوالي الثالثة والنصف صباحًا، تمكنت بطريقة ما من إعادة إنستجرام للعمل. هكذا كنا نعاني في تلك الأيام”. هذه الحكاية تروي شغفه بالعمل وتفانيه في بدايات إنستجرام.
تطورات ما بعد «إنستجرام»
بعد استحواذ فيسبوك على إنستجرام حرص كرايجر على بناء وتطوير المنصة بشكلٍ مستقل عن فيسبوك. مع الحفاظ على روحها وهوية مستخدميها.
ولكن في الرابع والعشرين من سبتمبر عام 2018، أُعلن أن كرايجر وسيستروم قدما استقالتهما من إنستجرام. في خطوة أثارت تساؤلات كثيرة حول أسباب مغادرتهما لهذا الكيان الذي بنياه من الصفر.
لم يلبث كرايجر كثيرًا في الابتعاد عن عالم التقنية، ففي الثامن عشر من أبريل عام 2020، تعاون مجددًا مع سيستروم لإطلاق تطبيق Rt.live. وهو أول منتج مشترك لهما بعد مغادرتهما فيسبوك، وكان يوفر أداة لمتابعة سرعة انتشار جائحة كوفيد-19 في كل ولاية أمريكية. ما يظهر اهتمامه بالقضايا الصحية والاجتماعية.
مشاريع جديدة
بعد مشروع Rt.live أطلق كرايجر وسيستروم تطبيق Artifact في الحادي والثلاثين من يناير عام 2023. وهو تطبيق أخبار مدعوم بالذكاء الاصطناعي، تم إطلاقه على متجري App Store وGoogle Play. لكنهما أعلنا إغلاقه في يناير 2024، بعدما تبين أن المشروع غير قابل للاستمرار.
وفي الخامس عشر من مايو 2024 أعلن كرايجر انضمامه إلى شركة Anthropic، التي تعد واحدة من أبرز الشركات في مجال الذكاء الاصطناعي. بصفته مديرًا تنفيذيًا للمنتجات (Chief Product Officer).
هذا التحول يعكس اهتمام كرايجر بالجيل الجديد من التقنيات، وتوجهه نحو مجال الذكاء الاصطناعي الذي يرى فيه المستقبل.
الإنجازات والتكريم
تتواصل مسيرة مايك كرايجر، ففي يوليو 2025 انضم إلى مجلس إدارة Figma. وهي منصة تصميم رائدة؛ ما يؤكد دوره كشخصية مؤثرة في عالم التكنولوجيا وريادة الأعمال.
وإلى جانب إنجازاته التقنية يمتلك كرايجر تاريخًا حافلًا في مجال العمل الخيري. ففي أبريل 2015 أعلن شراكة مع مؤسسة GiveWell الخيرية، متعهدًا بتقديم 750,000 دولار على مدى عامين لدعم العمليات. مع تخصيص 90% من الأموال لمِنح تحدد ويوصى بها عبر مشروع Open Philanthropy Project. ما يظهر التزامه برد الجميل للمجتمع.

العطاء والمسؤولية الاجتماعية
في عام 2021 ساهم كرايجر وزوجته في تمويل افتتاح معهد الفن المعاصر في سان فرانسيسكو (ICA SF) بحي Dogpatch. وذلك إلى جانب مساهمات من شخصيات بارزة. مثل: باميلا وديفيد هورنيك، وديبورا وآندي رابابورت.
هذه المساهمة تعكس شغفه بالفنون ودعمه للمؤسسات الثقافية؛ ما يؤكد أن تأثيره لا يقتصر على عالم التقنية فقط.
وبذلك يمثل مايك كرايجر نموذجًا لرائد الأعمال الذي يجمع بين العبقرية التقنية والوعي الاجتماعي. ويؤمن بأن الابتكار لا يكتمل إلا إذا كان له مردود إيجابي على المجتمع.
ومسيرته المهنية التي انطلقت من إنستجرام إلى عالم الذكاء الاصطناعي تؤكد قدرته على التكيف والتجديد، مع الحفاظ على التزامه بالقضايا الإنسانية التي يؤمن بها.


