يتعمق هذا الفحص الشامل لتاريخ ريادة الأعمال العالمية الذي يقدمه كتاب «The Invention of Enterprise» في العديد من الاقتصادات حول العالم؛ من الشرق الأوسط القديم إلى الصين الحديثة.
تولى تحرير هذا العمل ثلاثة باحثين: ديفيد س. لاندز، وجويل موكير، وويليام ج. بومول، وهو عبارة عن مجموعة من المقالات كتبها أكثر من 20 أكاديميًا. ورغم أنه ليس لافتًا للنظر من الجهة التحليلية فإنه يخدم سياقًا تاريخيًا يساعد القراء في فهم التيارات الثقافية والقوى السياسية التي تشكل ريادة الأعمال في جميع أنحاء العالم.
ولعل من المثير للاهتمام أن نلاحظ، على سبيل المثال، أن معظم الاقتصادات الكبرى، باستثناء الولايات المتحدة، كان لديها تحيز عميق الجذور ضد رواد الأعمال.
الجذور العميقة لريادة الأعمال
تمتد جذور ريادة الأعمال إلى آلاف السنين؛ حيث طور الشرق الأدنى، مهد المشاريع الحديثة، النقود والأوزان والمكاييل والأسعار بحلول الألفية الثالثة قبل الميلاد.
كذلك كان للثقافتين الآشورية والبابلية ابتكارات مثل: التجارة والفوائد وتأجير الأراضي وثقافة المشاريع الخاصة. وازدهرت الأعمال التجارية في بلاد ما بين النهرين بين 3500 و1200 قبل الميلاد.
ولأن جنوب بلاد ما بين النهرين كان يفتقر إلى الموارد الحيوية مثل: القطن والخشب الصلب، مارس التجارة والتي انتقلت غربًا من الشرق الأدنى إلى البحر الأبيض المتوسط.
لكن صعود الإمبراطوريتين اليونانية والرومانية كان بمثابة أخبار سيئة لأصحاب المشاريع الذين لديهم دوافع ربحية. ومع انتقال الثروة من جيل إلى جيل بدأ اليونانيون والرومان في تقدير الثروات المكتسبة من الغزو أكثر من الثروة التجارية.
وكانت الغنائم العسكرية تتمتع بسمعة أكثر شرعية من أرباح المشاريع. إن السنوات الأولى من تطور ريادة الأعمال جديرة بالملاحظة؛ حيث شملت: الإقراض التجاري، وبراءات الاختراع، والملكية الفكرية، والتسويق.
”ريادة الأعمال لا تكمن فقط في إنشاء مشاريع جديدة. وإنما أيضًا في تطوير المشاريع الموروثة والحفاظ على ثروة العائلة واستخدامها بشكل فعال”.
الحقبة البابلية الجديدة
تمثل الحقبة البابلية الجديدة، من 626 إلى 539 قبل الميلاد، الحقبة التالية من تقدم ريادة الأعمال. وكان رجال الأعمال إما “أصحاب ريع” يريدون دخلًا ثابتًا خاليًا من المخاطر، أو رجال أعمال يتحملون مخاطر أكبر.
واعتبر الرومان ريادة الأعمال غير مرغوب فيها، لكن لم تمنع مثل هذه المحظورات الأعمال التجارية في بابل الجديدة. كان الزواج حاسمًا لطموحات رجل الأعمال، وسعى الأبناء الأكبر سنًا إلى الزواج بحثًا عن نساء يتمتعن بعلاقات عمل عائلية ومهور سخية.
كانت بابل الجديدة منطقة زراعية لكن رجال الأعمال وجدوا فرصًا جديدة في المنتجات المتخصصة مثل البصل. وأنشأوا علاقات سوقية لخدمات مثل الري.
وعمل بعض مالكي العبيد على تعليم عبيدهم مهنة وتولوا تأجيرهم، وهو شكل مبكر من رأس المال البشري.
”تميل ثروة الأرض الوراثية إلى الانجذاب نحو الأشكال المسببة للتآكل من المشاريع، وكان الأسلوب اليوناني والروماني في السعي لتحقيق المكاسب عسكريًا أكثر منه تجاريًا”.
ريادة الأعمال في العالم الإسلامي
كانت للعالم الإسلامي علاقة حب وكراهية طويلة مع ريادة الأعمال. فخلال العصور الوسطى فتح تجار الشرق الأوسط أسواقًا جديدة في شرق إفريقيا؛ حيث أدخلوا المحاسبة والحساب والعملة.
كما جعلوا اللغة العربية لغة الأعمال. لكن المشاريع التجارية الإسلامية تباطأت، وتخلفت الدول الإسلامية عن الغرب في مجال التنمية الاقتصادية.
إن أنماط التجارة التي يبلغ عمرها 1000 عام، والتي جلبت الرخاء التاريخي لشرق آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية، تركت الشرق الأوسط وإفريقيا وأمريكا اللاتينية وراءها.
ويوضح إدخال القهوة كمنتج التحديات التي واجهت بعض رواد الأعمال الإسلاميين؛ إذ بدأ المصري إسماعيل أبو طاقية (شاهبندر التجار في القاهرة العثمانية) باستيراد القهوة اليمنية في أواخر القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر.
وهو واجه معارضة من التقليديين الدينيين، الذين اعتبروا القهوة خطيئة وأنه لا يجب على المسلمين أن يستهلكوا شيئًا لم يكن متاحًا في زمن النبي محمد “صلى الله عليه وسلم”.
ولعن بعض رجال الدين هذه القهوة لدرجة أنهم حثوا أتباعهم على تدمير المقاهي. وفي نهاية المطاف تقبل المسلمون القهوة، لكن استجابتهم تظهر التحدي المتمثل في الابتكار داخل الأسواق الإسلامية.
الولايات المتحدة: أمة من رجال الأعمال
ورغم أن دولًا أوروبية عديدة كانت لديها مشاعر معادية تجاه ريادة الأعمال فإن الولايات المتحدة تبنت دائمًا دافع الربح. وكانت أول مستوطنة لها في جيمستاون، بفيرجينيا، عبارة عن مشروع تجاري فاشل أنقذته الحكومة البريطانية.
فقد نص دستور الولايات المتحدة على براءات الاختراع منذ البداية، وكان الساسة هناك يفسرون النظرية الاقتصادية بأنها تعني أن دور الحكومة يتلخص في الابتعاد عن طريق المشاريع الخاصة.
وأنشأت الحكومة أساسيات الرأسمالية، بما في ذلك نظم البنوك المركزية التي تم إنشاؤها في عامي 1791 و1816 لمدة 20 عامًا.
وبنت الشركات الخاصة بنية تحتية حيوية للنقل، مثل: الطرق والبواخر والقنوات. وأدت موجة بناء القنوات في الفترة من 1812 إلى 1837 إلى ظهور العديد من الممرات المائية الجديدة؛ منها: قناة إيري، التي تربط الولايات الواقعة شرق جبال الأبالاش بالمناطق الغربية.
وبعد الحرب الأهلية شرعت الولايات المتحدة في فترة من التوسع السريع، بدءًا من عام 1865 تقريبًا، والتي تضمنت طفرة في السكك الحديدية، وطلبات براءات الاختراع ومشاريع المضاربة المتزايدة مثل التنقيب عن الذهب.
وكان الجشع والفساد الحكومي سببًا في تهدئة علاقة حب الأميركيين لريادة الأعمال في أواخر القرن التاسع عشر. وبحلول الحرب العالمية الأولى أثقلت الحكومة المؤسسات الخاصة بأنظمة صارمة.
وأصبحت ريادة الأعمال متقلبة في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، وظلت راكدة في الفترة من عام 1941 إلى عام 1975، عندما انطلق الابتكار، وكان قسم كبير منه يتركز على التكنولوجيا.
الصين مرة أخرى
مثل المجتمعات الأوروبية كانت الثقافة الصينية تنظر تقليديًا إلى التجار باعتبارهم شخصيات بغيضة. ومع ذلك ازدهر الابتكار الصيني لعدة قرون. وبحلول عام 900 كان مخترعوها ابتكروا البوصلة، والطباعة الخشبية، والورق، ومضخات الري، ومنفاخ المكبس للأفران، والقنوات المتطورة.
وفي عام 1750 كان المزارعون الصينيون منتجين تمامًا مثل نظرائهم الأوروبيين. لكن الهيمنة الغربية بدأت بعد فترة وجيزة؛ عندما سمحت مملكة تشينغ لعدد قليل من التجار بالتجارة مع الأوروبيين، الذين اكتسبوا اليد العليا من خلال المعاهدات والتعريفات الجمركية غير العادلة؛ ما أدى في النهاية إلى حروب الأفيون.
ولعدة قرون، سواء في الأوقات المضطربة أو خلال فترات السلام، كان كل تاجر يحتاج إلى علاقة جيدة مع الحكومة الصينية لتحقيق النجاح. وأعاقت السياسة والحزبية بيئة الأعمال في الصين خلال معظم القرن العشرين.
وأدى ظهور الجمهورية الشعبية في عام 1949 إلى “وضع حد لأي شكل من أشكال الأعمال التجارية الخاصة أو اقتصاد السوق”.
وبينما انتشرت ريادة الأعمال الصينية في عصر ما بعد “ماو” فإن كل رجل أعمال صيني ناجح يبدأ مسيرته بفضل مسؤول في الحزب الشيوعي.


