أثار طلابي الدهشة، منذ سنوات، عندما توقعت أننا سنتواصل ذات يوم بيُسر مع الآخرين، بأي لغة من خلال جهاز صغير، بحيث تتحدث من ناحية بالعربية، ويخرج صوتك من الناحية الأخرى بالإنجليزية، أو الإسبانية، أو أي لغة، بشكل واضح وسريع.
لم أتوقع أن تصدق نبوءتي بعد أعوام قليلة فقط، عندما أطلقت شركة OpenAI مؤخرًا، الإصدار ChatGPT 4o الذي برع في توليد نصوص صوتية طبيعية وواضحة، وكأنك تتحدث بالفعل إلى شخص حقيقي.
الذكاء الاصطناعي
تميز الإصدار الجديد بقدرته على دعم لغات متعددة بكفاءة عالية؛ حتى إنني طلبت منه التحدث بلكنات مصرية وسعودية وأردنية، فأتقن ذلك بشكل كبير.
في المستقبل القريب جدًا، سيتمكن الذكاء الاصطناعي من الاستماع إلى الفيديوهات وتغيير لغتها بشكل مباشر، وتلخيصها إن رغبت في ذلك، بالإضافة إلى وجود مترجم لغوي مرافق لك للمكالمات الهاتفية.
فرص الشركات الناشئة
الفرصة سانحة الآن أكثر من أي وقت مضى، أمام مجالات عديدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي؛ مثل تطبيقات التعليم الإلكتروني والتدريب، وتقديم محتوى تعليمي مخصص بناءً على احتياجات كل مستخدم، وتحسين تجربة التسوق؛ بتقديم توصيات مخصصة، ودعم العملاء بشكل فوري.
كذلك، فإن الفرصة سانحة لظهور هاتف ذكي مختلف كليًا عن الطرازات الحالية؛ إذ من المتوقع أن يصل السوق العالمي للذكاء الاصطناعي إلى 190.61 مليار دولار بحلول عام 2025، مقارنةً بـ 21.46 مليار دولار في عام 2018، وفقًا لتقرير أعدته Grand View Research ، كما توقعت IDC أن يصل الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي إلى 110 مليارات دولار في عام 2024 .
التقنيات الثورية
وستُظهر الأيام أيًا من الشركات العملاقة، أو الناشئة، ستبادر بهذه الخطوة؛ فهل ستكون الشركات الناشئة هي الخيار الأمثل لتطوير هذه التقنيات الثورية؛ كونها أكثر مرونة وحرية لاستكشاف أفكار مبتكرة، أو لكونها تستطيع تجربة تقنيات جديدة ونماذج أعمال مبتكرة، دون الالتزام بنماذج الشركات الراسخة؟
ربما سيعيد التاريخ نفسه، فكما أزاحت شركة أبل شركة نوكيا الرائدة من الصدارة، فهل سنرى شركة ناشئة جديدة تكرر نفس الأمر، أم ستسارع أبل بالاستحواذ عليها والاستفادة من تقنياتها للحفاظ على تموضعها كأقوى شركة في العالم، كما شرحت في مقال سابق هنا بعنوان “التهام المنافسين”؟
مميزات هاتف الغد
أتوقع أن يكون الذكاء الاصطناعي هو أبرز الخصائص الرئيسة لهاتف المستقبل، بأن يكون هو نظام التشغيل نفسه، وليس مجرد تطبيق أو مساعد جانبي، بل سيمثل وسيلة التواصل الرئيسة مع الهاتف، وشيئًا فشيئًا، ستندثر التطبيقات التقليدية، وسيكون الاستخدام الصوتي هو وسيلة التواصل الرئيسة مع الجهاز، مع استخدام محدود للمُدخَلات المكتوبة؛ وذلك لفترة انتقالية، يتبعها غالبًا اختفاء لوحة المفاتيح نهائيًا، خاصة أن توقعات شركة Gartner تشير إلى أن 50 % من التفاعلات بين المستخدمين والأجهزة ستكون قائمة على الصوت بحلول عام 2025 .
التحدث مع كل شيء
أتصور أنك ستتمكن من التحدث مع كل شيء حرفيًا؛ مثل السيارة، لتوجهك بدقة إلى المكان الذي تريده، كما يمكنك إرسال كمٍّ هائل من المعلومات إلى الذكاء الاصطناعي من بين آلاف الصفحات من المجلدات المكتوبة، أو ساعات طويلة من الفيديوهات؛ ليحللها ويشرحها بطريقتك الخاصة.
وإذا رغبت في إرسال بريد إلكتروني، ستخبره بذلك؛ ليُمليه عليك وكأنك تتحدث مع مساعد ذكي يفهم ويكتب ويقترح، وسيجيبك كما لو كان إنسانًا مُلٍمًا بكل شيء، بل يساعدك في قراءة وتنظيم وفرز وحفظ الرسائل، والوصول إلى خادم بريدك الإلكتروني ويخبرك بالرسائل المهمة ويعلق عليها معك، كما يمكنه إرسال الرسائل النصية والواتساب بنفس الطريقة، وتلخيص كل شيء، سواء كانت فيديوهات أو أبحاثًا أو نصوصًا، مع إنشاء عروض تقديمية.
سيكون هناك شاشة واحدة تتعامل معها، دون الحاجة لتطبيقات، تسبب للمستخدم شعورًا بالتشويش والازدحام والفوضى، كل ذلك يفعله الذكاء الاصطناعي بتبسيط الأمور من خلال واجهة مستخدم أكثر سهولة وسياقًا.
الشركات العملاقة
منذ أكثر من عقد من الزمان، تهيمن الشركات العملاقة مثل أبل وسامسونج، على سوق الهواتف الذكية بالعالم؛ حيث يظهر تقرير Market Watch أنهما تستحوذان على أكثر من 50 % من السوق العالمية للهواتف الذكية، وربما تكون قد أخرت ظهور ابتكارات جذرية؛ إذ تلتزم مثل هذه الشركات بجداول زمنية ومواصفات منتجات محددة تضمن لها استمرار المبيعات والربحية، بدلًا من المخاطرة بتبني تقنيات جديدة تمامًا.
لذلك نرى أن التغييرات والتطورات السنوية في الهواتف الحالية تأتي بشكل بطيء ومحدود؛ كتغييرات تجميلية أكثر من كونها ثورية؛ ما يثير إحباط بعض المستخدمين الذين يتوقعون ابتكارات أكبر.
التحكم والخصوصية
بالطبع، هناك قلق مشروع حول مدى تحكم المستخدم وخصوصيته في ظل نظام يعتمد بشكل كبير على الذكاء الاصطناعي الذي يصبح قادرًا على مراقبة وفهم كل ما تفعله على هاتفك أو جهاز الكمبيوتر أو الجهاز اللوحي، ويساعدك في تصحيح أو تنفيذ ما تقوم به؛ ما يثير تساؤلات مُلِحَّة حول الخصوصية.
من المهم أن يكون هناك توازن بين الفائدة والخصوصية؛ لضمان قبول واسع من المستخدمين، كما يجب أن تكون الشفافية والتحكم في البيانات من أولويات التصميم؛ لضمان شعور المستخدمين بالثقة والأمان.
خلاصة القول
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُحدث ثورة في طريقة تفاعلنا مع هذه الأجهزة ويُغيّر حياتنا للأفضل. وأؤكد على أهمية الخصوصية والأمان، ومراعاة التأثير الاجتماعي والاقتصادي لتطوير الهواتف الذكية التي ستعمل كليًا بالذكاء الاصطناعي، ومعالجة التحديات التقنية والتنفيذية والاعتبارات الأخلاقية.
وفي الختام، أتوقع أن تتعاون الشركات العملاقة مع الشركات الناشئة والمجتمع البحثي؛ بالاستثمار المباشر والبحث والتطوير؛ فمن المهم تشجيع التنوع والابتكار في مجال تصنيع الهواتف الذكية؛ لطرح العديد من الخيارات، وازدياد فرص المنافسة لصالح المستهلك.
اقرأ أيضًا من رواد الأعمال:


