في زمنٍ يعتقد فيه كثيرون أن قواعد التوظيف لا تعترف إلا بخريجي جامعات النخبة والسير الذاتية المكدّسة بالخبرات، يروي أحد أشهر رواد الأعمال قصة تعيد تعريف معنى «المؤهلات» من جذورها.
سيرة ذاتية شبه فارغة.. وقرار توظيف غير متوقع
Steven Bartlett، مؤسس ومقدم بودكاست The Diary of a CEO، كشف في منشور حديث على «لينكد إن» أنه قرر توظيف مرشحة لا تكاد تملك أي خبرة عملية تذكر.
سيرتها الذاتية لم تتجاوز سطرين، وخبرتها المهنية كانت «صفرًا» بالكامل. ورغم ذلك، لم يتردد في منحها الوظيفة. السبب لم يكن مهارة تقنية أو شهادة أكاديمية، بل تصرف بسيط سبق المقابلة: المرشحة شكرت حارس الأمن باسمه أثناء دخولها المبنى.
التواضع والصدق داخل المقابلة
خلال المقابلة نفسها، واصلت المرشحة ترك الانطباع ذاته. عندما وجه لها سؤال لم تكن تعرف إجابته، لم تحاول المراوغة أو الادعاء، بل قالت بوضوح: «لا أعرف ذلك بعد، لكن هذه هي الطريقة التي سأستخدمها لمعرفة الإجابة».
ولم تترك الأمر عند هذا الحد، بعد انتهاء المقابلة بساعات قليلة، قامت بتعلم الإجابة بنفسها، ثم أرسلتها عبر البريد الإلكتروني إلى بارتليت، في خطوة عكست مبادرة شخصية واستعدادًا حقيقيًا للتعلم.
رهان نجح خلال ستة أشهر
بارتليت يؤكد أن رهانه على هذه المرشحة لم يستغرق وقتًا طويلًا ليؤتي ثماره. بعد ستة أشهر فقط، أصبحت واحدة من أفضل التعيينات التي قام بها طوال خمسة عشر عامًا من الخبرة في التوظيف.
ويعلق قائلاً: إن هذه السنوات علمته أن «الانسجام مع ثقافة العمل والسمات الشخصية أصعب بكثير في التوظيف من الخبرة أو المهارات أو حتى التعليم».
رسالة مطمئنة للجيل الجديد
هذه الفلسفة تلقى صدىً واسعًا لدى الباحثين عن عمل، خصوصًا من أبناء الجيل الجديد الذين يبدأون مسيرتهم المهنية دون خبرة عملية كاملة في سيرهم الذاتية.
قصة بارتليت تحمل رسالة واضحة: البداية المتواضعة لا تعني بالضرورة فرصًا محدودة.
قادة يعيدون كتابة قواعد التوظيف
«بارتليت» ليس حالة استثنائية، فهناك عدد من كبار القادة التنفيذيين يتبنون فلسفات توظيف مشابهة تقوم على «المهارات الإنسانية» قبل الشهادات.
Goldman Sachs
الرئيس التنفيذي David Solomon يوضح أنه لا يبحث عن أصحاب أعلى معدلات الذكاء، بل ينتمي إلى ما يسميه معسكر «الذكاء الكافي».
ما يهمه هو قدرة المرشح على التواصل، والتحمل، والإصرار، مؤكدًا أن الخبرة عنصر «مهم للغاية» وفارق حقيقي داخل المؤسسة.
ويشير إلى أن الدراسة في جامعة مرموقة أو التفوق الأكاديمي لا يكفيان للنجاح طويل الأمد، مضيفًا أن «الذكاء وحده دون حزمة متكاملة من الصفات لن يساعد صاحبه على النجاح داخل غولدمان ساكس».
Shake Shack
مؤسس السلسلة Danny Meyer يذهب أبعد من ذلك، مفضلًا ما يسميه «معدل الضيافة» على معدل الذكاء.
لإدارة مئات الفروع بكفاءة، يبحث عن ست سمات أساسية: النزاهة، التفاؤل. الفضول الفكري. أخلاقيات العمل، التعاطف، والوعي الذاتي.
كما يؤكد صراحة أنه لا يهتم بمعدل الذكاء بقدر اهتمامه بقدرة الشخص على إسعاد الآخرين. لأن هذا هو جوهر الضيافة الحقيقية.
Berkshire Hathaway
كذلك حتى المستثمر المخضرم Warren Buffett. الذي قاد الشركة لعقود. يقر بأنه لا ينظر إطلاقًا إلى الجامعة التي تخرج منها المرشح عند التوظيف.
في رسالته للمساهمين عام 2025. شدد على أن النجاح لا يرتبط بالضرورة بالمؤسسات التعليمية الشهيرة. وأن هناك مديرين ناجحين لم يلتحقوا بجامعات مرموقة. أو حتى لم يكملوا تعليمهم.
ما الذي تغير؟
كما أن القاسم المشترك بين هذه القصص أن سوق العمل لم يعد يحسم خياراته بالألقاب وحدها.
الأخلاق، التواضع، الاستعداد للتعلم، والقدرة على التعامل الإنساني أصبحت معايير حاسمة.
أخيرًا وفي عالم الإدارة وريادة الأعمال. يبدو أن التفاصيل الصغيرة – كشكر حارس الأمن – قد تكون أحيانًا أقوى من أي سطر في السيرة الذاتية.


