بعد مرور عام على إرباك صناعة التكنولوجيا العالمية بإطلاق DeepSeek نموذجًا ثوريًا قلب قواعد المنافسة رأسًا على عقب، تدخل الشركات الصينية مرحلة جديدة من السباق؛ حيث لم يعد التفوق قائمًا على حجم الإنفاق فحسب، بل على الكفاءة والقدرة على تقديم نماذج الذكاء الاصطناعي منخفضة التكلفة بقدرات تضاهي الأنظمة الغربية.
ووفقًا لما نقلته «رويترز» فإن الشركات الصينية تستعد لإطلاق مجموعة واسعة من نماذج الذكاء الاصطناعي منخفضة التكلفة خلال أطول عطلة في البلاد، والتي تبدأ رسميًا في 15 فبراير الجاري.
وذلك بعد أن أثبتت تجربة DeepSeek أن القيود التقنية لا تمنع تحقيق قفزات نوعية. ومن ثم أصبحت السوق تتوقع منافسة أكثر شراسة، خصوصًا مع دخول شركات كبرى وأخرى ناشئة إلى السباق نفسه.
وعلاوة على ذلك أدى الصعود السريع للشركة، ومقرها هانغتشو، في مطلع عام 2025. خلال عطلة عيد الربيع، إلى إعادة تشكيل بيئة الابتكار الصينية. إذ تقدمت النماذج المفتوحة المصدر إلى الصدارة، وأصبحت نماذج الذكاء الاصطناعي منخفضة التكلفة معيارًا تنافسيًا بدلًا من كونها خيارًا ثانويًا.
انطلاقة سباق النماذج الجديدة
من ناحية أخرى لن تكون DeepSeek وحدها هذه المرة؛ إذ تستعد شركات عديدة لإطلاق منتجاتها بالتزامن مع موسم العطلات. في خطوة تشير إلى تحوّل المنافسة من مبادرات فردية إلى موجة صناعية كاملة.
وفي خضمّ ذلك يؤكد محللون أن المفاجأة الحقيقية ستكون في حالة إن جاءت النتائج دون مستوى التوقعات المرتفعة.
وفي هذا السياق أطلقت شركة Zhipu AI أحدث نماذجها بقدرات محسّنة في البرمجة وإمكانية تنفيذ مهام طويلة دون تدخل المستخدم. ما يعكس توجّهًا واضحًا نحو بناء نماذج الذكاء الاصطناعي منخفضة التكلفة قادرة على أداء الأعمال المعقدة ذاتيًا. وهو اتجاه يتماشى مع متطلبات الشركات والمؤسسات.
كذلك كشفت ByteDance عن نموذج الفيديو Seedance 2.0 القادر على إنتاج مشاهد سينمائية خلال ثوانٍ. بينما تستعد لإصدار تحديثات لروبوت Doubao الذي يضم 155.2 مليون مستخدم نشط أسبوعيًا. الأمر الذي يعزز اعتماد التطبيقات الجماهيرية على نماذج الذكاء الاصطناعي منخفضة التكلفة بدلًا من الحلول باهظة الثمن.

خطط «DeepSeek» و«علي بابا»
في المقابل تواصل DeepSeek التحضير لإطلاق نموذجها الجديد V4، وهو إصدار يُتوقع أن يرفع سقف الأداء مقارنة بالإصدار السابق.
أما شركة Alibaba فتستعد للكشف عن سلسلة Qwen 3.5 ذات قدرات متقدمة في الاستدلال الرياضي والبرمجة. وتم بالفعل رفع شيفرات دعم النماذج على منصة Hugging Face في إشارة إلى قرب الإطلاق.
ومع ذلك لم تحدد الشركات الثلاث موعدًا رسميًا، الأمر الذي يزيد من حالة الترقب في السوق العالمية. ويشير ذلك إلى أن المنافسة لم تعد حول من يطلق أولًا، بل حول من يقدّم أفضل نماذج الذكاء الاصطناعي منخفضة التكلفة وأكثرها قابلية للاستخدام التجاري.
وإضافة إلى ذلك فإن توقيت الإطلاقات المتزامنة يعكس رغبة جماعية في الاستفادة من الزخم الإعلامي والاقتصادي. حيث تسعى الشركات لإثبات قدرتها على تحويل الابتكار إلى منتجات جماهيرية قابلة للانتشار الواسع.
تأثير مالي عالمي غير مسبوق
في يناير 2025 تسبب إطلاق DeepSeek الأول في موجة بيع عالمية لأسهم التكنولوجيا؛ حيث فقدت Nvidia نحو 593 مليار دولار من قيمتها السوقية خلال يوم واحد. وهو حدث اعتبره محللون نقطة تحوّل تاريخية في اقتصاد الذكاء الاصطناعي.
وخلال العامين الماضيين خفّضت الشركة أسعار خدماتها مرارًا مقارنة بالمنافسين، حتى أصبحت نماذج الذكاء الاصطناعي منخفضة التكلفة أقل بكثير من نظيراتها الأمريكية. ما دفع الشركات إلى إعادة حساباتها الاستثمارية.
وبالتالي بدأ المستثمرون يشككون في الفرضية القديمة التي تقول إن تطوير الذكاء الاصطناعي المتقدم يتطلب إنفاق عشرات المليارات على البنية التحتية الحاسوبية. خاصة بعد أن أثبتت DeepSeek إمكانية تحقيق أداء قوي بتكلفة محدودة.
التحوّل نحو المصدر المفتوح
أظهر تقرير صادر عن RAND أن تكلفة تشغيل النماذج الصينية تعادل ما بين سدس وربع تكلفة الأنظمة الأمريكية المماثلة. وهو فارق يعزز انتشار نماذج الذكاء الاصطناعي منخفضة التكلفة عالميًا ويجذب الشركات الناشئة والمطورين.
وعقب تفوق مساعد DeepSeek على ChatGPT في متجر آبل الأمريكي سارعت شركات، مثل: Baidu، إلى فتح أجزاء من نماذجها. لتتحول السوق سريعًا نحو تبني المصدر المفتوح بوصفه إستراتيجية تنافسية أساسية.
واليوم تهيمن الشركات الصينية، مثل: Baidu وByteDance وTencent، وشركات ناشئة مثل: Moonshot على منصة Hugging Face. ما يدل على أن نماذج الذكاء الاصطناعي منخفضة التكلفة لم تعد تجربة محلية بل أصبحت توجهًا عالميًا يؤثر في بنية الابتكار الرقمي.
اختلاف الإستراتيجيات التجارية
رغم تبني الشركات نهج DeepSeek التقني إلا أن الإستراتيجيات التجارية تختلف. فبعض المنافسين يركز على دمج الذكاء الاصطناعي في الخدمات اليومية. وبدأ روبوت Qwen بالفعل اختبار عمليات شراء مباشرة عبر المحادثة، في محاولة لتحويل التكنولوجيا إلى أرباح.
ويرتبط هذا التحول بضغوط المستثمرين؛ إذ تحتاج الشركات الكبرى إلى تحقيق عائد مالي من استثماراتها الضخمة في البنية التحتية. ولذلك تعتمد على نماذج الذكاء الاصطناعي منخفضة التكلفة في التطبيقات الاستهلاكية والمؤسسية معًا.
أما DeepSeek فتظل حالة مختلفة؛ فالشركة مملوكة لصندوق تحوط كمي بقيادة مؤسسها ليانغ وينفينغ. ما يمنحها حرية إعطاء الأولوية للبحث العلمي بدلًا من العوائد التجارية السريعة. وهو ما قد يفسر قدرتها على الابتكار دون قيود السوق التقليدية.
بهذا المشهد المتسارع يبدو أن العالم مقبل على مرحلة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي متاحًا بتكلفة أقل وانتشار أوسع. الأمر الذي قد يعيد رسم خريطة الاقتصاد الرقمي بالكامل. ويحوّل نماذج الذكاء الاصطناعي منخفضة التكلفة من ميزة تنافسية إلى ضرورة حتمية في المستقبل القريب.


