تتصاعد التوقعات في الأسواق العالمية حول الطرح العام لشركة سبيس إكس، وسط تقديرات غير مسبوقة تشير إلى إمكانية وصول قيمتها السوقية إلى 1.5 تريليون دولار، وهو رقم يضع الشركة مباشرة ضمن نخبة كبرى الشركات في العالم.
هذا الطموح المالي الضخم يثير في المقابل تساؤلات جوهرية لدى المستثمرين والمحللين حول قدرة الشركة على تحقيق أرباح تبرر هذا التقييم الاستثنائي. لا سيما في ظل طبيعة صناعة الفضاء المكلفة والمعقدة.
وبين التفاؤل الذي يحيط بمشروعات إيلون ماسك المستقبلية والواقع المالي الذي يحكم أسواق المال، يبدو أن الطرح العام لشركة سبيس إكس قد يتحول إلى أحد أكثر الاختبارات صعوبة في تاريخ الطروحات التكنولوجية.
وبحسب تقرير نشرته مجلة «فورتشن» تتجه الأنظار إلى احتمال تنفيذ الطرح العام لشركة سبيس إكس خلال الصيف المقبل. وذلك بعد خطوة إستراتيجية اتخذها إيلون ماسك بدمج شركة الصواريخ مع شركة xAI المتخصصة في الذكاء الاصطناعي.
كيان جديد يجمع 50 مليار دولار
تشير التقديرات إلى أن الكيان الجديد قد يجمع نحو 50 مليار دولار من رأس المال، مع تقييم سوقي يصل إلى 1.5 تريليون دولار. ولو تحقق هذا السيناريو فإنه يصبح أكبر عملية جمع رأس مال في تاريخ الطروحات العامة الأولية.
كما يضع الشركة في المرتبة الثانية عالميًا من حيث القيمة السوقية بعد أرامكو السعودية. وبفارق هائل عن طرح شركة علي بابا في عام 2018 الذي بلغت قيمته نحو 167 مليار دولار.
ورغم الضجة الاستثمارية المحيطة بهذا الطرح المرتقب فإن التفاصيل المالية الكاملة للشركة ما زالت غير متاحة. إذ لم تنشر الشركة بعد نشرة الاكتتاب الخاصة بها.
ومع ذلك ظهرت بعض المؤشرات الأولية التي تعطي لمحة عن الأداء المالي الحالي. حيث أعلن إيلون ماسك أن الشركة حققت إيرادات تقارب 15 مليار دولار خلال العام الماضي. في حين أفادت تقارير متعددة بأنها سجلت نحو 8 مليارات دولار من الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك.
مؤشرات مالية متباينة قبل الطرح
ومع ذلك تكشف تقديرات متداولة في وسائل الإعلام، والتي لم ينفها ماسك حتى الآن، عن أن الشركة تكبدت خسارة تبلغ 2.4 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025.
هذه الأرقام تثير تساؤلات مهمة حول الأداء المالي الحقيقي للشركة قبل الطرح العام لشركة سبيس إكس. خاصة أن بيانات الأرباح المذكورة لا تشمل عناصر أساسية مثل: الفوائد وتكاليف الإهلاك.
ومن المعروف أن الإهلاك في حالة شركات الفضاء يمثل جزءًا كبيرًا من النفقات؛ نظرًا للاستثمارات الضخمة في البنية التحتية والمعدات الصناعية. وتشمل هذه النفقات: المصانع الضخمة ومنصات الإطلاق والصواريخ المتطورة، وهو ما يجعل قراءة النتائج المالية للشركة أكثر تعقيدًا من الشركات التقنية التقليدية.
وبناءً على هذه المعطيات يرى عدد من المحللين أن الصورة المالية الحالية قد تعني أن الشركة تحقق أرباحًا صفرية أو حتى سلبية وفق معايير المحاسبة المقبولة عمومًا (GAAP). وهذا يعني أن تقييم الطرح العام لشركة سبيس إكس لن يعتمد على الأرباح الحالية، بل على توقعات النمو المستقبلي في صناعة الفضاء.

صناعة مكلفة للغاية
التحدي الأكبر الذي يواجه الطرح العام لشركة سبيس إكس يتمثل في الطبيعة الرأسمالية الضخمة لصناعة الفضاء. إذ أعلن إيلون ماسك أنها تخطط لبناء 10 آلاف صاروخ ستارلينك قابل لإعادة الاستخدام بالكامل، يبلغ ارتفاع كل واحد منها أكثر من 400 قدم.
ووفقًا لتقديرات مؤسسة Payload Research تبلغ تكلفة الصاروخ الواحد نحو 35 مليون دولار. وبذلك قد تصل التكلفة الإجمالية لهذه الخطة إلى نحو 350 مليار دولار. وهو رقم يعكس حجم الاستثمارات الهائل المطلوب لتوسيع عمليات الشركة.
وتشمل هذه التكاليف مكونات متقدمة مثل: محركات غاز الكريبتون والألواح الشمسية والسبائك المعدنية المقاومة للحرارة العالية. وبالتالي فإن نموذج الأعمال هنا يختلف جذريًا عن شركات البرمجيات التي تعتمد على استثمارات محدودة نسبيًا وتحقق هوامش ربح مرتفعة.
وعلى الجانب الآخر تؤدي شركة xAI دورًا مهمًا في الكيان الجديد؛ حيث تتولى تطوير مراكز بيانات عملاقة لتشغيل تقنيات الذكاء الاصطناعي مثل روبوت الدردشة GROK.
وتشير التقارير إلى أن الشركة أنفقت نحو 8 مليارات دولار نقدًا خلال عام 2025. معظمها لتمويل مشاريع ضخمة، من بينها منشأة بيانات عملاقة بقيمة 20 مليار دولار تحمل اسم MACROHARDRR في ولاية ميسيسيبي الأمريكية.
أرباح ضخمة مطلوبة لإرضاء المستثمرين
وانطلاقًا من هذه المعطيات يبرز سؤال محوري: ما حجم الأرباح الذي يجب أن تحققه الشركة حتى يكون الطرح العام لشركة سبيس إكس استثمارًا مجزيًا للمساهمين؟
يقدر خبراء الأسواق المالية أن المستثمرين سيطالبون بعائد سنوي لا يقل عن 10% مقابل الاحتفاظ بالسهم، وهو معدل شائع بالنسبة للاستثمارات عالية المخاطر. وبناءً على هذا الافتراض يجب أن ترتفع القيمة السوقية للشركة إلى ما لا يقل عن 2.4 تريليون دولار بحلول عام 2031.
هذا الرقم يضع الشركة ضمن قائمة كبرى الشركات العالمية؛ حيث لن تتجاوزها سوى شركات مثل: إنفيديا ومايكروسوفت وألفابت وآبل. بل إن هذا التقييم المحتمل يجعلها أكبر بكثير من شركات عملاقة مثل: ميتا بلاتفورمز وأرامكو السعودية. كما يزيد بنحو 1.2 تريليون دولار عن شركة تسلا.
ومع افتراض حصول الشركة على مضاعف ربحية يبلغ 30 مرة. وهو متوسط شركات التكنولوجيا الكبرى المعروفة باسم Mag 7، فإن الوصول إلى قيمة سوقية تبلغ 2.4 تريليون دولار يعني أن الشركة تحتاج إلى تحقيق أرباح صافية تبلغ 80 مليار دولار سنويًا وفق معايير GAAP.
منافسة محتملة ومستقبل غير محسوم
تحقيق أرباح بهذا الحجم يمثل تحديًا كبيرًا للغاية؛ إذ يتجاوز هذا الرقم أرباح العديد من الشركات العملاقة. فعلى سبيل المثال: يزيد هذا المستوى من الأرباح بنحو 33% عن أرباح “ميتا”. كما يفوق أرباح “بيركشير هاثاواي” بنسبة 21% تقريبًا.
ويرى خبراء المحاسبة أن هذا السيناريو يمثل رهانًا بالغ المخاطرة. وفي خضمّ ذلك يقول الخبير المالي الأمريكي جاك سيزيلسكي إن الوصول إلى هذه الأرقام يشبه إطلاق صاروخ نحو القمر. لأن مستقبل صناعة الفضاء ما زال غير واضح المعالم.
إضافة إلى ذلك تواجه الشركة منافسة متزايدة من شركات أخرى تسعى لدخول سباق الفضاء التجاري. من أبرزها: شركة بلو أوريجين التابعة للملياردير جيف بيزوس.
ورغم أن سبيس إكس تمتلك حاليًا تفوقًا واضحًا في عمليات إطلاق الصواريخ وإعادة استخدامها. فإن استمرار هذا التفوق ليس مضمونًا على المدى الطويل.
وفي ضوء كل هذه المعطيات قد يعتمد نجاح الطرح العام لشركة سبيس إكس على تمكّن الشركة من تحقيق نمو استثنائي يضمن لها تفوقًا صناعيًا كبيرًا يمنحها وفورات الحجم في إنتاج الصواريخ والخدمات الفضائية.
رهان بين الطموح العلمي والواقع الاستثماري
في نهاية المطاف تبدو قصة الطرح العام لـ “سبيس إكس” مزيجًا من الطموح العلمي الهائل والمخاطر الاستثمارية المرتفعة. فمن ناحية أثبتت الشركة قدرتها على تحقيق إنجازات تاريخية في صناعة الفضاء، بما في ذلك إعادة استخدام الصواريخ وتوسيع شبكة الإنترنت الفضائي.
ومن ناحية أخرى يظل تقييم 1.5 تريليون دولار تحديًا ماليًا كبيرًا يتطلب تحقيق مستويات أرباح غير مسبوقة في قطاع صناعي معروف بارتفاع تكاليفه. وبالتالي فإن المستثمرين الذين يفكرون في شراء أسهم الشركة عند الطرح قد يجدون أنفسهم أمام رهان كبير على مستقبل صناعة الفضاء.
وإن نجحت الشركة في تحقيق النمو المتوقع فقد تتحول إلى إحدى أعظم قصص النجاح في تاريخ التكنولوجيا. أما إذا أخفقت في الوصول إلى تلك الأهداف الطموحة فربما يصبح الطرح العام لشركة سبيس إكس مثالًا كلاسيكيًا على الفجوة بين الطموح التكنولوجي والتقييمات المالية المرتفعة في أسواق المال العالمية.


