الحاجة أم الاختراع.. فمن أبوه ؟ .. كان ذلك عنوان إحدى مقالاتي، وأوضحت أنه إذا كانت الحاجة أم الاختراع فإن التمويل هو أبوه والحاضنة هي بيته وملاذه، حيث يحتاج الاختراع إلى الدعم المادي والفني والبيئة المناسبة لمزيد من التجارب وخروجه إلى حيز الوجود. كتبت ذلك عندما صاح صديقي متبرماً “لقد صار لي ثلاثة سنوات حاملاً اختراعي باحثاً عن ممول لهذا الاختراع.. لم أعد أدري أين أذهب.. لقد طرقت كل الأبواب من الغرف التجارية إلى مؤسسات دعم الموهوبين ورواد الأعمال.. وكل ذلك دون جدوى” . وبعد أن هدأت من روعه، تحاورت معه وشرعنا في مناقشة هادئة لعلها تقودنا إلى حل لمشكلته والتي يعاني منها الكثير من الشباب العربي من الموهوبين والمخترعين وممن يحملون أفكاراً واعدة لمشاريع مبتكرة.
أتذكر هذه الواقعة عند تحدثي بمؤتمرات دولية حول الإبداع وريادة الأعمال حيث عادة ما أؤكد للحضور على أن العرب لديهم كنز وتاريخ عظيمين من الإبداع والمعرفة، في الوقت الذي كان الأوربيون غارقين في ظلمات الجهل وأمريكا لم ُتكتَشف بعد، وتذكيري باختراع (الصفر) والألغوريثم الذي يدرسه كل مبرمجي لغات الكمبيوتر في العالم والمُحرَّف من (ألخوريزم) نسبة إلى مبتكره عالمنا العربي الخوارزمي وغيره من عشرات الأمثلة، ولكن أصارحكم القول أنني لم أكن مرتاحاً. ففي الوقت الذي كان يذكر فيه المتحدثين (الأجانب) قصص النجاح وما وصلوا إليه من تقدم وُرقيّ في شتى العلوم بسبب الاستثمار في إبداع الشباب وتشجيع ريادة الأعمال، كان العرب حائرين في تشخيص المشاكل والوضع الذي وصلنا إليه.
وبالعودة لصديقي، اكتشفت أنه بالفعل يمتلك من الأفكار الواعدة والتي يمكن أن تكون نواه لمشروعات جديدة غير تقليدية ولكن كيف يتأتى ذلك مع وجود قصور من جهات يُفترض أن تتبنى أفكار الشباب، بالرغم أن الاتجاه والرغبة المتنامية لتأسيس مشروعات من شباب خريجي الجامعات والمدارس وحتى المتقاعدين مبكراً لإقامة مشروعات خاصة بهم في تزايد مستمر في بلداننا العربية لأسباب كثيرة اقتصادية واجتماعية، منها عدم استيعاب القطاع الحكومي لهم والصعوبات التي يواجهونها لدى القطاع الخاص إضافة إلى الرغبة الشخصية لهم في اقتحام مجال ريادة الأعمال بما له من بريق خاص.
ولأننا في عصر تتغير فيه الأشياء بسرعة مذهلة، فمثلاً تويتر استغرق 3 سنوات وشهرين لأول مليار تغريدة، والآن تويتر يسجل مليار تغريدة كل يومين تقريباً. لا يوجد الآن مكان للأفكار البالية التي لا تساير متطلبات الحياة للأفراد الذين تتزايد رغباتهم في الاستمتاع بكل ما هو جديد، وينطبق هذا بجلاء على المنتجات الاستهلاكية أو الخدمية أو حتى السلع المعمرة التي يجب أن تتطور كل يوم لتفي بمتطلبات الأفراد والمجتمع، لذا يجب على رائد الأعمال أن يُظهر ابتكاره الجديد في منتجاته وخدماته المختلفة.
كما أنه في ظل اقتصاد جديد يعتمد على المعرفة، تتزايد أهمية الابتكار والتحول من اقتصاديات السلع إلى اقتصاديات الأفكار، وتتضح أيضاً أهمية تبني الاختراعات والابتكارات التي يمكن أن يقوم عليها مشروعات استثمارية جديدة من خلال آليات مبتكرة، حيث يمكن لحاضنات الأعمال على سبيل المثال أن تتبنى ابتكار رائد الأعمال وكأنه وليد يحتاج إلى الرعاية الفائقة، ثم تدفع به تدريجيا بعد ذلك لأسواق العمل الخارجية قويا قادرا على النماء ومؤهلا للمستقبل ومزودا بآليات النجاح. ولنا أن نعرف، أنه ضمن سبعة آلاف حاضنة أعمال وتكنولوجيا حالياً بالعالم، هناك أقل من ثلاثين حاضنة فقط تعمل حالياً بالدول العربية الاثنتين والعشرين، وأنه في عام 2011م وحده ساعدت حاضنات أمريكا في بدء تشغيل 49.000 شركة وظفت أكثر من 200.000 عاملاً وأدخلت إيرادات سنوية قدرها 15 بليون دولار، وقد أجريت دراسة تفصيلية تضمنت أكثر من خمسة وثلاثين حاضنة حول العالم أكدت أن 86% من المشاريع التي تخرجت من هذه الحاضنات لا زالت تزاول نشاطها.
سوف يكون العالم العربي في عام 2020 بحاجة لأكثر من 100 مليون فرصة عمل جديدة، وسيحتاج ذلك إلى تريليوني دولار وليقيني أن الوطن العربي قادر على التحدي، أتمنى من الجهات المعنية بهذا الموضوع أن تدرس بعض من مقترحاتي التالية وتبني ما يصلح منها :
1. يجب على الحكومات العربية تطوير برامج ومناهج وأساليب التدريس الحالية، والبدء مما انتهى إليه الآخرون في مجالات مثل تقنية المعلومات والاتصالات والتقنية الحيوية والهندسة الوراثية والذكاء الاصطناعي وعلوم الفضاء وغيرها من العلوم الحديثة لخلق جيل جديد من الشباب يفلح فيما عجزت عنه الأجيال التي سبقته.
2. يجب على الدول العربية أن تتبنى المبدعين وتوليهم الاهتمام ليحققوا أهدافا اقتصادية مؤثرة فعندما تقوم هذه الدول بتطوير الفكر داخل بيئات معلوماتية واعية فإن ذلك سيؤدي إلى تهيئة جيل من المبدعين يحقق الرخاء والاستقرار.
3. يجب على الحكومات العربية ومستثمري القطاع الخاص اتخاذ الخطوات اللازمة لتوفير الإمكانات المطلوبة لمبادرات الأعمال لنقل الأفكار المبدعة من الحيز النظري إلى حيز الوجود.
4. يجب البحث دائما عن أفضل الخبرات والوصول إليها، فما تتعلمه أي مؤسسة أو تتوصل إليه من خبرات يمكن نقله إلى المجال العلمي ليخدم مختلف المشروعات والصناعات.
5. إن الحواجز البيروقراطية والروتينية هي العدو الواضح للإبداع ومبادرات الأعمال. وعليه فيجب التخلص من الروتين لأنه يعوق روح الإبداع.
6. إطلاق موقع عربي متخصص لتسويق الأفكار والفرص للتعريف بالأفكار الجديدة والمجدية في الأسواق العربية مع وضع الضوابط وحماية الملكية الفكرية لمقدمي هذه الأفكار.
7. توعية راغبى تأسيس مشروعات جديدة أو توسعه مشروعات قائمة من خلال الندوات وورش العمل و المؤتمرات والمعارض المحلية والدولية التي تنظمها الجهات المعنية بالدول العربية بصفة مستمرة بضرورة الإبداع والتجديد والبعد عن التقليد في المشروعات الصغيرة .
8. تنظيم معارض سنوية بالغرف التجارية ومؤسسات دعم مشاريع الشباب والجامعات وإدارات التعليم ونوادي الشباب لعرض أفكار الشباب وأفكار المبدعين وإتاحة الفرصة للتمويل أو الدخول معهم في شراكة من قبل رجال الأعمال والجهات التمويلية. ولي شخصياً تجربتين ناجحتين في هذا الصدد بكل من مصر والسعودية.
عندما اتصلت بصديقي –والذي مازال يبحث عن ممول لابتكاراته- وعرضت عليه هذه الأفكار، انفرجت أساريره ثم لم يلبث إلا أن صاح مرة أخرى ” المهم التنفيذ.. وبسرعة “.


