يرى الكثير من العاملين في القطاع المؤسسي أن الكتابة الجيدة فن. ومن يتقنها يمتلك موهبة، ولكن الخبرة والحدس وكثرة القراءة تصقل هذه الموهبة.
بينما كشفت التطورات في علم الأعصاب وعلم النفس مدى تأثير الكلمات والعبارات والقصص في العقل البشري. كما اتضح أن المعايير التي تساعدنا على اتخاذ قرارات أفضل في الكتابة أكثر موضوعية مما يعتقده البعض.
وجدير بالذكر أن الكتابة الجيدة تحفز إفراز الدوبامين في منطقة الدماغ المعروفة بـ”دائرة المكافأة”. بينما تطلق الكتابة الإبداعية مواد أفيونية طبيعية تنشط “نقاط المكافأة”، مثلما يؤثر الطعام الجيد أو الحمام الدافئ. حيث يمنح السرد المتقن شعورًا بالسعادة، ويجعلنا نرغب في الاستمرار بالقراءة.
ولا تزال معظم القواعد التي تعلمناها في المدرسة صحيحة. ولكن أصبحت أسباب صحتها أوضح اليوم؛ إذ يستطيع العلماء باستخدام أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) وبالمسح البوزيتروني (PET) رؤية كيف تضيء مناطق المكافأة في الدماغ عند قراءة أنواع معينة من الكتابة أو سماعها بصوت عال.
كذلك أوضح كينت بيريـدج؛ عالم النفس والأعصاب في جامعة ميشيجان، أن الباحثين كانوا يعتقدون سابقًا أن دائرة المكافأة تقتصر على المحفزات الحسية. لكن من الواضح اليوم. وبحسب دراسات التصوير العصبي خلال الخمسين عامًا الماضية، أن هناك أنواعًا متعددة من المكافآت الاجتماعية والثقافية يمكن أن تنشط النظام ذاته.
وسواء كنت تقدم جملة حاسمة في رسالة بريد إلكتروني أو حجة معقدة في تقرير، فإن الكتابة تنير الدوائر العصبية في أدمغة قرائك.
وتحدث هذه “اللمسة السحرية” عندما تتميز الكتابة بالبساطة، والتحديد، والمفاجأة، والأثر العاطفي. والجاذبية، والذكاء، والبعد الاجتماعي، والسرد القصصي.
خصائص الكتابة الاحترافية
البساطة
تعود النصيحة الكلاسيكية “اجعلها بسيطة” إلى جذور علمية متينة. حيث تزيد البساطة ما يسميه العلماء “سهولة المعالجة” في الدماغ؛ إذ من شأن الجمل القصيرة، والكلمات المألوفة، والتركيب النحوي الواضح تخفيض الجهد الذهني لفهم النص.
من ناحية أخرى أثبتت دراسات أن الجمل المليئة بالعبارات الاعتراضية أو المبنية للمجهول تبطئ القراءة وتزيد الفهم الخاطئ.
على سبيل المثال: تقلل “الأرباح محبوبة من المستثمرين” بدلًا من “يحب المستثمرون الأرباح” دقة الفهم بنسبة 10%.
وفي تجربة بجامعة طوكيو قرأ 400 مشارك نصًا صحيًّا بنسختين، إحداهما تقنية مطولة والأخرى مبسطة. فحققت نسخة البساطة نتائج أعلى وثقة أكبر في قدرة القراء على تطبيق النصائح.
وفي السياق ذاته أثبت عالم الرياضيات الروسي أندريه كولموغوروف أن البشر أدركوا من خلال التجربة أن التفسيرات الأبسط على الأغلب تكون الأدق.
ووفقًا لتطبيقات عنصر البساطة يمكنك:
-
-حذف الكلمات الزائدة.
-
-استخدام المبني للمعلوم.
-
-التركيز على النقاط الجوهرية.
-
-تجنب عرض جميع التفاصيل عند إعداد تقارير الأعمال.
التحديد
تحفز الكلمات المحددة مناطق أوسع في الدماغ. فالفارق بين كلمة “طائر” و”بجع”، أو “ينظف” و”يمسح”، ليس لغويًا فقط؛ بل عصبي أيضًا.
في حين أظهرت الدراسات أن الكلمات المحددة تحفز مناطق الرؤية والحركة في الدماغ. أي أننا “نشعر” و”نرى” ما نقرأه.
من ناحية أخرى أدى سماع جمل، مثل : “أعض تفاحة” أو “أمسك سكينًا” لتنشيط المناطق المسؤولة عن تحريك الفك واليد والقدم. كذلك يمكنك تعزيز التحديد باستخدام عبارات مختصرة لامعة مثل:
-
“نقطة التحول”.
-
“الاستراتيجية المحيطية الزرقاء”.
-
“حدث البجعة السوداء”.
المفاجأة
تتنبأ أدمغتنا بلا توقف حتى بالكلمة التالية أثناء القراءة. إذا جاءت الكتابة وفق توقع القارئ، فذلك مقبول لكنه ممل، أما المفاجأة فتعزز التذكر والفهم.
على سبيل المثال: طلب أحد الباحثين من المشاركين أن يختاروا نهايات لقصص قصيرة. وفي 17 من أصل 18 قصة اختاروا النهاية “الأكثر غرابة” وليس المتوقعة.
وبحسب تحليلات لـ7,000 مقال من نيويورك تايمز وجد باحثون بجامعة وارتون أن المقالات المصنفة بأنها “مفاجِئة” كانت أكثر احتمالًا بواقع 14% أن تصبح ضمن “الأكثر إرسالًا بالبريد”.
اختيار اللغة
علاوة على ذلك تعالج الدماغ الشحنة العاطفية للكلمة خلال 200 ملي ثانية. قبل أن يدرك معناها الكامل؛ لذا تؤثر الكلمات المشحونة عاطفيًا فورًا: خوف، ودهشة، وبهجة، ونفور.
وعندما نقرأ كلمات مؤثرة نشعر أولًا ثم نفكر. لذا يمكن لكتابة العمل أن تكون أكثر قوة عبر إضافة كلمات تحمل معنى وشعورًا معًا.
الجاذبية
يفضل الناس الترقب أكثر من النتيجة نفسها. كما تظهر صور الدماغ أن مناطق المكافأة تنشط قبل اللحظات المؤثرة في الشعر أو السرد.
بينما أتقن ستيف جوبز هذا الأسلوب في خطابه الشهير “سأحكي لكم ثلاث قصص من حياتي. هذا كل شيء، ثلاث قصص فقط.” كذلك.يصبح المستمع مشدودًا تلقائيًا.
لذلك يجب أن تستخدم في كتابتك:
-
سؤالًا مثيرًا في البداية.
-
لغزًا.
-
مشكلة تحتاج حلًا.
-
سردًا يبني الفضول تدريجيًا.
الذكاء
عندما يكتشف القارئ الحقيقة بنفسه يشعر بالمتعة. وأثبتت تجارب MRI أن حل الأسئلة اللفظية يحفز مناطق في الفص الجبهي الأوسط؛ أي مناطق “المكافأة”.
علاوة على ذلك يجب تقديم تمييزات جديدة، مثل: “المستقبل ليس إنسانًا ضد آلة، بل إنسانًا مع آلة”. أو اربط الحقائق بمبادئ إنسانية عميقة مثل: قول ماكس دي “أول مسؤوليات القائد هي تحديد الواقع. وآخرها أن يقول: شكرًا”.
المحتوى الاجتماعي
بحسب دراسة شاركت فيها مقاطع نصية مختلفة أثارت تلك التي تصف أشخاصًا أو أفكارهم نشاطًا أكبر في مناطق “فهم الإشارات الاجتماعية” ثم في دائرة المكافأة.
كذلك لا بد من:
-
إظهار شخصيتك ولغتك وصوتك.
-
استخدام الاقتباسات.
-
تحدث للقارئ مباشرة باستخدام “أنت”.
وبالتالي أثبتت تجربة بجامعة كاليفورنيا أن استخدام “رئتيك” بدل “الرئتين” عزز الفهم بنسبة كبيرة.
السرد القصصي
إضافة إلى ذلك أثبتت دراسات جامعة برينستون أن القصص تحفز مساحات واسعة من الدماغ. حيث تتزامن أدمغة المستمعين مع دماغ الراوي أثناء القصة، كما تنشط مناطق المكافأة عند قراءة قصص قصيرة تحفز مشهدًا حيًا.
فيما حصلت المشاريع التي قدمت السرد القصصي على:
-
نسبة أعلى من المصداقية.
-
استعداد أكبر للاستثمار.
-
رغبة أعلى في مشاركة المشروع مع الآخرين.
المقال الأصلي: من هنـا.



