تشكل المسؤولية الاجتماعية للشركات عنصرًا أساسيًّا في مسيرة الأعمال المعاصرة؛ فهي بمثابة البوصلة الأخلاقية التي توجه الشركات نحو مزيدٍ من التوازن بين تحقيق الأرباح والمسؤولية المجتمعية.
عادة ما يدرك قادة الأعمال المستنيرون أن المسؤولية الاجتماعية ليست عبئًا إضافيًا، بل هي استثمار مربح على المدى الطويل؛ فمن خلال تبني ممارسات مسؤولة اجتماعيًا، تعزز الشركات من سمعتها وتكسب ثقة عملائها؛ ما يُؤدي في نهاية المطاف إلى زيادة الوعي بعلامتها التجارية وتحسين مبيعاتها.
لا تقتصر فوائد المسؤولية الاجتماعية على بناء الثقة وجذب العملاء فحسب، بل تمتد أيضًا لتشمل رفع مستوى الوعي بالقضايا الأكثر إلحاحًا، وتشجيع التغيير الإيجابي في مختلف المجالات تقريبًا؛ فجهود الشركات الكبرى، خاصة العالمية منها، تحدث فرقًا هائلًا على الصعيد العالمي، بدءًا من مكافحة الفقر والجوع، مرورًا بتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وصولًا إلى الحد من الاحتباس الحراري وتغير المناخ.
ومع التطور المتلاحقة التي يشهدها عالم التكنولوجيا يومًا تلو الآخر، باتت المسؤولية الاجتماعية للشركات أكثر أهمية من أي وقت مضى؛ فمع ازدياد اعتماد الشركات على الذكاء الاصطناعي، ينبغي عليها ضمان استخدام هذه التكنولوجيا الأكثر انتشارًا بشكل أخلاقي ومسؤول.
ما هي المسؤولية الاجتماعية للشركات؟
في كتاب “Investing in Corporate Social Responsibility” للكاتب جون هانكوك، نجد تعريفًا بديعًا لهذه المسؤولية؛ حيث يؤكد أنها نموذج فريد للأعمال، توظف فيه المنظمات الهادفة للربح مواردها لخدمة المجتمعِ، دون المساس بأهدافها المؤسسية.
ولا ريب أنك سمعت بمصطلح “الخط الأسفل” في عالم الشركات، ذلك الذي يشير إلى تحقيق الأرباح، ولكن الشركات التي تؤمن بمفهوم المسؤولية الاجتماعية للشركات تتبنى “الخط الثلاثي الأسفل” الذي يضيف بعدين هامين: الأول الناس سواء أكانوا موظفي الشركة أم عامة المجتمع، والأخير الكوكب، ويقصد هنا حماية البيئة وضمان استدامتها.
بعبارة أخرى أكثر وضوحًا، تدمج هذه الشركات العوامل البيئية والاجتماعية والحوكمة في عملياتها، وتمثل معايير B Corporation المعتمدة علامة فارقة في هذا المجال؛ إذ تشير إلى أن الشركة تلبي معايير عالية جدًّا من التأثير الاجتماعي والبيئي الإيجابي.
ولكن تذكر، لا يقتصر تطبيق مبادئ المسؤولية الاجتماعية على الشركات المعتمدة فحسب، بل يمكن لأية شركة أن تشارك في نسج خيوط الخير في مجتمعها.
أنواع المسؤولية الاجتماعية للشركات
من رحاب جامعة هارفارد للأعمال، تنبثق أربعة ينابيع تروي عطش المسؤولية الاجتماعية للشركات، وتشكل خارطة طريق لبناء مجتمعات أكثر عدلًا واستدامة:
- البيئية: تشرق شمس المسؤولية البيئية على الشركات، لتنير دروب المستقبل، وتزهر الأرض بما تقدمه من ممارسات صديقة للبيئة؛ فمن استخدام الطاقة المتجددة، إلى مبادئ التصنيع “من البداية إلى النهاية”، وتعويضات الكربون، والحصول المستدام، تسهم الشركات في بناء عالم أخضر مزدهر.
- الخيرية: تنثر الشركات بذور الخير في رحاب المجتمع، تسقى بعطاء لا ينضب، وتزهر بمشاريع تثري حياة الجميع؛ فمن دعم المؤسسات غير الربحية، مثل: الجامعات والمتاحف والبرامج الفنية والجمعيات الخيرية والمؤسسات الثقافية، إلى تقديم المنح والمساعدات الدراسية، تسهم الشركات في بناء مجتمع متماسك مزدهر.
- الأخلاقية: ترسي الشركات مبادئها الأخلاقية راسخة في هيكلها التنظيمي، لتصبح بوصلة تنير طريقها نحو التميز؛ فمن خلال تدوين قيمها، مثل: عدم تلقي مواد من موردين يسيئون معاملة عمالهم، تؤكد الشركات التزامها ببناء بيئة عمل أخلاقية عادلة.
- الاقتصادية: تدرك الشركات مسؤوليتها الاقتصادية، وتنفق أموالها بحكمة، وتمارس إدارة رشيدة لأرباحها؛ فمن خلال دفع أجور عادلة لموظفيها، وضمان استقرار مادي مستدام، تسهم الشركات في بناء اقتصاد قوي مزدهر.
أمثلة على برامج المسؤولية الاجتماعية للشركات
في رحلة الحياة، تشبه المسؤولية الاجتماعية للشركات شعلة تنير دروب التغيير. كذلك آمال المستقبل؛ فمن خلال برامجها المتنوعة، تشارك الشركات في بناء مجتمعات أكثر عدلًا وازدهارًا. وتعزز القيم الإنسانية، وتكافح الظلم، وتحافظ على البيئة. وإليكم بعض حكايات العطاء والتغيير من رحاب المسؤولية الاجتماعية للشركات:
-
شركة TOMs
شركة أحذية تؤمن بأن العمل الخيري جزء لا يتجزأ من النجاح التجاري. وربما يتجلى هذا الإيمان في تخصيص الشركة ثلث أرباحها لدعم المنظمات غير الربحية. إضافة إلى أنها تركز بشكلٍ كبير على مجالاتٍ حيوية مثل. الصحة العقلية، وتعزيز فرص الوصول، والحد من عنف السلاح.
وتشارك شركة TOMs في حماية البيئة باستخدام مواد مستدامة ومعاد تدويرها. وتؤسس بيئة عمل مناهضة للعنصرية، وتطلق مبادرات تطوعية، وتتعاون مع موردين يتشاركون قيمها.
-
منصة PayPal
توفر PayPal منصة نشطة لجمع التبرعات للجمعيات الخيرية عبر صندوق منح باي بال. علاوة على أنها تقدم رسوم معالجة منخفضة للجمعيات الخيرية. وتتيح لها الوصول إلى فرص جديدة للتبرع. واللافت في هذه المنصة أنها تصدر تقارير شهرية عن التبرعات لمساعدة الجمعيات الخيرية على تتبع تقدمها.
-
مؤسسة FP Markets
تكرس FP Markets جهودها لرفع الوعي حول قضايا الصحة المهملة التي تؤثر على الرجال. وتقدم دعمًا ماديًا ومعنويًا للجمعيات التي تعنى بصحة الرجال، كما تطلق المؤسسة برنامجًا لتنمية الشباب في لعبة الكريكيت في البرازيل. كذلك تهدف من خلال هذا البرنامج إلى دعم الرياضيين الشباب. وإحداث تغيير إيجابي في مجتمعاتهم.
-
شركة Toast
تؤسس Toast منظمة Toast.org لمحاربة الجوع وتوفير إمكانية الوصول إلى الغذاء الصحي. وتقدم منحًا للجمعيات الخيرية التي تعمل على معالجة الجوع، إضافة إلى أنها تطوّر برامجها الخاصة لمحاربة الجوع. مثل: برنامج “وجبات مجانية للأطفال”، وتشجع موظفيها على التطوع في المنظمات التي تعمل على معالجة الجوع.
-
بنك Amalgamated Bank
يطلق Amalgamated Bank على نفسه لقب “أكثر بنك مسؤول اجتماعيًا في أمريكا”. حيث يخصص جزءًا كبيرًا من استراتيجياته لدعم القضايا الاجتماعية والبيئية. ويؤكد باستمرار على الشفافية والمساءلة في جميع أنحاء عملياته.
ليس هذا فقط، بل يقدم Amalgamated Bank دعمًا ماديًا ومعنويًا للعديد من القضايا. مثل: العدالة المناخية، وحقوق المهاجرين، ومكافحة العنف المسلح.
في ختام هذا الطرح المسؤول، نستطيع التأكيد على أن هذه الممارسات ليست مجرد واجب أخلاقي. بل هي استثمار مربح على المدى الطويل، يؤسس لمستقبل أكثر عدلًا وازدهارًا للجميع.
اقرأ أيضًا من رواد الأعمال:
الريادة المجتمعية.. مزايا وإيجابيات
أنواع المسؤولية الاجتماعية.. هل لها تأثير؟
المسؤولية الاجتماعية للشركات.. التزامات تتجاوز الأرباح


