تلعب البيئة دورًا مهمًا في بقاء العديد من الأنواع، بما في ذلك البشر، وأثبتت الأبحاث أن البشر يميلون فطريًا إلى الكرم؛ حيث تفوق فوائد التعاون فوائد المنافسة.
ينطبق هذا المبدأ على مجال الأعمال أيضًا؛ حيث تتغير طريقة تفكير الشركات في المنافسة مع ظهور النظم البيئية، وتشير الأدلة إلى أن التعاون طويل الأمد مع الشركاء يمكن أن يجلب فائدة أكبر من المنافسة التقليدية؛ ما يحفز الابتكار على وجه الخصوص.
وتتطور العلاقات بين الشركات في مجال البيئة من علاقات سلسلة التوريد والشراكات والتحالفات إلى اعتماد تجاري معقد، يطرح ذلك تساؤلًا مهمًا: هل سيعزز الكرم في هذه العلاقات صنع القيمة؟
أصبح الكرم موضوعًا ساخنًا في أوساط واضعي استراتيجيات الأعمال، ولا يعني ذلك أن نظام البيئة للأعمال لا يعمل بشكل جيد دون تعاون قائم على الكرم، لكنه يشير إلى أن الشركات قد لا تدرك التأثير المحتمل للكرم في تحسين الميزة التنافسية للمؤسسات.
نظام البيئة التعليمي
يُتيح نظام البيئة التعليمي تقديم حلول متميزة للطلاب والمعلمين، تفوق ما يمكن ان تحققه أي جهة فاعلة بمفردها، ومن خلال تحديد القيمة والدور الفريد لكل عضو في هذا النظام يحقق جميع أصحاب المصلحة نتائج اجتماعية وتجارية أكبر بكثير مما كانوا سيحققونها بشكل منفرد،
ويُؤكد الباحث في جامعة هارفارد “زاليسك” ذلك بقوله: “الكرم هو القوة التي تحافظ على تماسك نظام البيئة”.

تحول في المفاهيم
قد يشكل النهج التقليدي للمنافسة، القائم على سعي كل شركة للتفوق على الأخرى، عائقًا أمام المشاركة الفاعلة في نظام البيئة، فعلى سبيل المثال: يشكل الاعتماد على منظم النظام البيئي أحد مخاطر المشاركة فيه، خاصة مع ازدياد الاعتماد على شركات التكنولوجيا الكبرى وترسخ العديد من الصناعات.
يسبب هذا الاعتماد خطرًا متزايدًا؛ لوجود عدد قليل من الشركات القوية المولدة للنقود، والتي تسعى إلى مكافأة المساهمين بهامش ربح ثابت وجذاب، ولا تتردد هذه الشركات في تحميل شركائها عبئًا للحفاظ على تلك الهوامش، مثل: طلب خصومات مقابل المشاركة في النظام البيئي.
ولكن ماذا لو ساد شعور أكبر بالتعاون المتبادل؟ نشر بنجامين جوميز كاسيريس، من جامعة برانديز الأمريكية، بحثًا مشتركًا مع دار نشر “هارفارد بزنس ريفيو” حول أشكال مختلفة من تحالفات الأعمال “ما يطلق عليه مصطلح “أنظمة الأعمال البيئية”.
يُشير البحث إلى أنه لكي يكون وجود نظام بيئي منطقيًا يجب على اللاعبين داخله تقاسم المنافع بشكل عادل؛ ما يوفر قيمة مضافة لنظام البيئة بأكمله تتجاوز مستوى القيمة التي يمكن أن توفرها كل شركة بشكل مستقل، وهنا نطرح أربع قضايا رئيسية يجب مراعاتها:
-
تحديد الهدف
يشير الهدف في هذا السياق إلى تحد واضح أو فرصة يمكن معالجتها بشكل أفضل من خلال نظام بيئي بدلًا من شركة واحدة، وبالنسبة لمعظم المنظمات الهادفة للربح فإن ذلك يتطلب التركيز على ما يهم العميل، ثم تحديد الشركاء الأكثر ملاءمة لتحسين تجربة العميل أو تلبية احتياج أو حل مشكلة كبيرة.
يرتبط الهدف الواضح المتفق عليه ارتباطًا مباشرًا بالتعاون والثقة؛ حيث يدعم الاتفاقيات على العلاقات التي يصعب وصفها في عقود العمل أو الشراكة الحقيقية.
على سبيل المثال: أرادت مجموعة من الصيادلة في هولندا حل مشكلة ارتفاع تكلفة الأدوية الموصوفة التي تم تطويرها لعملاء محددين، ولم يتم استخدام نسبة كبيرة من هذه الأدوية من قِبل العملاء وكان يلزم التخلص منها؛ ما يزيد من تكلفة النظام وتكلفة العملاء، وفي كثير من الحالات يمنع المرضى في صيدليات أخرى من الوصول إلى هذه الأدوية.
لحل هذه المشكلة طورت مجموعة الصيادلة Pharmaswap، وهو نظام بيئي قائم على منصة؛ حيث يمكن للصيادلة، الذين كانوا حتى ذلك الحين منافسين، مشاركة الفائض من مخزون الأدوية الموصوفة غير المستخدمة مع بعضهم البعض؛ ما يرفع كفاءة النظام وإمكانية الوصول للعملاء.
-
حدود مرنة
يعد الكرم جوهر التعاون؛ حيث يعزز وضع احتياجات الآخرين في المقام الأول الثقة والروابط، وبالتالي فإن تصميم نظام بيئي قائم في الأساس على الكرم، بحدود مرنة تعزز الشبكات الديناميكية بين المشاركين، يمكن أن يعمل كـ “آلة كرم”.
وتستند الشبكات الديناميكية إلى فرضية أن التفاعلات البشرية ليست عشوائية، بل مدفوعة بجودة العلاقة المتصورة والمعاملة بالمثل، المنطق بسيط: الاتصال بين المتعاونين السخيين له علاقة أكثر ثراءً واستقرارًا من الاتصال الذي يشتمل على شريك غير كريم.
-
التكيف مع التغيير
يتطلب النجاح في النظام البيئي القدرة على التكيف مع التغييرات السريعة، فقد تتغير احتياجات العملاء وتقنيات المنافسين ومناظر السوق بسرعة؛ لذلك يجب أن تكون أنظمة البيئية قادرة على التكيف والاستجابة.
وبالطبع يتطلب ذلك قدرًا من المرونة في الهيكل والحوكمة، ولا ينبغي أن تكون الأنظمة البيئية جامدة أو هرمية، ولكن قادرة على التطور والنمو مع تغير الظروف.
ولا بد أن تكون أنظمة البيئة أيضًا مفتوحة للتغيير والتجربة؛ حيث يجب أن تصبح الشركات على استعداد لتجربة أفكار وتقنيات جديدة، وعلى استعداد لتغيير مسارها إذا لزم الأمر.
-
الانفتاح على الأفكار الجديدة
تعتمد أنظمة البيئة على تدفق مستمر للأفكار الجديدة؛ من داخل الشركات المشاركة في النظام البيئي، ومن الموردين والعملاء والشركاء الآخرين، ومن المهم أن تكون أنظمة البيئة مفتوحة لهذه الأفكار الجديدة، وعلى استعداد لتجربتها وتقييمها.
ويمكن أن تأتي الأفكار الجديدة أيضًا من خارج النظام البيئي؛ حيث يجب أن تكون أنظمة البيئة منفتحة على الأفكار من الصناعات والأسواق الأخرى، ومستعدة للتعلم من الآخرين.
-
الاستثمار في العلاقات
تُبنى أنظمة البيئة على علاقات قوية بين الشركات المشاركة، وتتطلب هذه العلاقات الثقة والاحترام والتعاون، ويجب على الشركات الاستثمار في بناء هذه العلاقات؛ حيث يتطلب ذلك التواصل الفعال وحل النزاعات وبناء الثقة، كما ينبغي أن تكون الشركات على استعداد للمشاركة في المخاطر والمكافآت.
بشكلٍ عام أظهرت الدراسات والأبحاث أن الكرم -كسلوك متأصل في الطبيعة البشرية- يعد مفتاحًا لتوفير قيمة مستدامة في أنظمة الأعمال البيئية، فمن خلال تبني ثقافة الكرم تتحول العلاقات بين الشركاء من مجرد منافسة تقليدية إلى تعاون متبادل يُفضي إلى نتائج إيجابية للجميع.
ويشكل الكرم حجر الأساس لبناء نظام بيئي قوي يتيح للجميع الابتكار والنمو وتوليد قيمة استثنائية للعملاء.


