في معركة لا تخاض بالمنتجات بل بالأسعار، تسعى بعض الشركات لاقتلاع جذور المنافسة عبر التسعير الافتراسي. حيث تطلق سيلًا من التخفيضات الحادة في أسعار منتجاتها. لا بقصد خدمة المستهلك، بل بهدف إقصاء المنافسين وإرغامهم على الخروج من السوق. هذا السلوك العدواني لا يعبر عن كرم تجاري، بل هو تكتيك محسوب بدقة لتصفية المنافسة والتحكّم الكامل في السوق.
من ناحية أخرى، قد يظن البعض أن التسعير الافتراسي يصبّ في مصلحة المستهلكين؛ إذ يتيح لهم الحصول على منتجات بأسعار زهيدة في المدى القصير. إلا أن هذا التصور لا يلبث أن ينقلب إلى خيبة، حينما تستفرد الشركة بالسوق وترفع الأسعار لاحقًا إلى مستويات باهظة لتعويض خسائرها وتحقيق أرباح مضاعفة. وبينما يبهت بريق التخفيضات، تتلاشى الجودة تدريجيًا في غياب المنافسة.
تشريعات تحظر الممارسة
كذلك، يعد التسعير الافتراسي من الممارسات المحظورة في أغلب قوانين مكافحة الاحتكار حول العالم. فالتشريعات الأمريكية مثل: قانون شيرمان وقانون لجنة التجارة الفيدرالية، تحظر مثل هذه الإستراتيجيات التي تهدف إلى الهيمنة السوقية. غير أن الصعوبة تكمن في إثبات النية الافتراسية. ما يجعل الكثير من هذه القضايا عرضة للتسويف أو الفشل في ساحات المحاكم.
علاوة على ذلك، لا يقتصر التسعير الافتراسي على السلوك الداخلي للشركات، بل يمتد ليأخذ بعدًا دوليًا في شكل ما يعرف بـ”الإغراق الافتراسي”. فبعض الدول، مثل الصين، تعتمد هذه الإستراتيجية لتغزو أسواقًا أجنبية بسلع تقلّ أسعارها عن كلفة الإنتاج، بهدف كسر الصناعات المحلية. وقد تنبّهت اتفاقيات التجارة الدولية لهذا الخطر، ونصّت المادة السادسة من اتفاقية “جات 1994” على حظر هذه الممارسات لما لها من آثار مدمّرة.

خسائر مستترة خلف الانخفاض
وعلى الرغم من أن المستهلكين يرون انخفاض الأسعار كأمر إيجابي، فإن الأضرار الاقتصادية على المدى الطويل تكون جسيمة. إذ تؤدي سياسات التسعير الافتراسي إلى تقليص الابتكار، وتراجع كفاءة الأداء في السوق، وتآكل التنافسية. ما ينعكس سلبًا على الاقتصاد الكلي، ويضعف خيارات المستهلكين على المدى البعيد.
ومن الضروري إدراك أن السوق لا تُقاس فقط بأرقام المبيعات، بل بقيمة التنوّع وجودة الابتكار وتعدد الخيارات. وعندما تمارس الشركات التسعير الافتراسي، فإنها تقضي على تلك الأسس تدريجيًا، في مشهد لا يختلف عن قتل السوق باسم الربح. فالمنافسة الصحية هي الضامن الوحيد لاستدامة السوق وتطور المنتجات.
الحكومات بين الحماية والتقاعس
وعلى الرغم من أن بعض الحكومات تسعى لفرض قواعد صارمة لمكافحة التسعير الافتراسي، فإن الواقع يشير إلى تقاعس أو عجز في التنفيذ. لا سيما في ظل تعقيد إثبات النوايا التجارية. الأمر الذي يترك الشركات الكبرى في موقع قوة. ويعرض الأسواق الناشئة للخطر، ويُربك ميزان العدالة الاقتصادية.
كما أن ضحايا هذه الإستراتيجية ليسوا فقط المنافسين المباشرين، بل غالبًا ما تكون الشركات الناشئة هي الأضعف في مواجهة طوفان التخفيضات المفروضة قسرًا. فهذه الشركات، رغم امتلاكها لأفكار مبتكرة، تقصى من السوق قبل أن تمنح فرصة النمو. ما يفقد الاقتصاد عناصر ديناميكية جديدة كانت قادرة على دفع عجلة التطور.
التحايل تحت مظلة التسويق
من ناحية أخرى، تستغل بعض الشركات الكبرى إستراتيجيات التسويق لتُخفي التسعير الافتراسي خلف حملات دعائية براقة، فتظهر بمظهر المنقذ. بينما هي تسير بخطى ثابتة نحو السيطرة والاحتكار. وتخدع فئات كبيرة من المستهلكين بهذه الواجهة، دون إدراك الخطر الكامن في فقدان التوازن السوقي.
كذلك، يعد الإغراق الافتراسي أحد أخطر أشكال الحرب الاقتصادية بين الدول؛ حيث يُستخدم لتدمير الصناعات الوطنية للدول المنافسة. وهذا النوع من الإغراق يهدد الأمن الاقتصادي ويضعف الاعتماد على الذات، ويجعل الدول أكثر عرضة للتبعية التجارية. وهو ما يستوجب حوكمة صارمة وتدخلًا دوليًا حازمًا.

دعوة لتعزيز ثقافة المنافسة
من هذا المنطلق، تصبح الحاجة ماسّة لتثقيف المستهلكين وصنّاع القرار حول مخاطر التسعير الافتراسي. والعمل على تعزيز بيئة تشجع المنافسة العادلة، وتحفّز الشركات على التميّز بالجودة وليس بكسر الأسعار فحسب. فبناء اقتصاد صحي لا يتحقق بسطوة الكبار، بل بتكافؤ الفرص.
وأخيرًا، يظل الحل الأمثل لمواجهة هذا التحدي هو إصلاح القوانين الحالية وتوحيد الجهود على المستوى الدولي لضمان التوازن السوقي. فمن غير المعقول أن تترك الأسواق فريسة لإستراتيجيات عدوانية تهدد مستقبل المنافسة. وتحوّل الاقتصاد إلى لعبة بيد حفنة من الكيانات العملاقة.


