ماذا يحدث عندما تطلق الشركات تطبيقًا جديدًا للهواتف المحمولة يحمل علامتها التجارية؟. أو تبدأ حملة تسويقية قائمة على محتوى يجمع بين المعلومات والترويج، على أمل تحقيق انتشار واسع وتحويله إلى ظاهرة رائجة؟
لا يحدث شيء!
وبمجرد الانتهاء من تطوير التطبيق، أو بدء نشر المقالات على المدونة. أو الإجابة عن أسئلة العملاء، لا تكون الشركة وصلت إلى خط النهاية، بل وصلت للتو إلى نقطة الانطلاق.
ومع ذلك، تتعامل شركات كثيرة مع إطلاق أي منتج أو محتوى جديد. باعتباره إنجازًا مكتملًا يستحق الاحتفال، وكأن مجرد إنشائه كافٍ لضمان وصوله إلى الجمهور.
في حين لفهم كيفية توظيف المحتوى ووسائل التواصل الاجتماعي معًا لتحقيق النجاح. تحدثت مع صديقي جاي باير، مؤلف الكتاب الذي تصدر حديثًا قائمة نيويورك تايمز للكتب الأكثر مبيعًا. وطلبت منه تلخيص فكرته حول مفهوم Youtility، فكان شرحه كالتالي:
«التسويق النافع» هو ذلك النوع من التسويق الذي يقدم قيمة حقيقية. تجعل الناس مستعدين لدفع المال مقابل الحصول عليه لو طُلب منهم ذلك.
لكن المشكلة أن الشركات، رغم إدراكها أحيانًا لأهمية هذا النوع من المحتوى. وانخفاض تكلفته مقارنة بميزانياتها التسويقية الإجمالية، لا تمنحه الاهتمام الترويجي الكافي، بل تتعامل معه باعتباره نشاطًا ثانويًا لا يستحق حملة مستقلة، حتى عند إطلاقه.
وبدلًا من ذلك، تكتفي بالإشارة إليه عرضًا وسط رسائلها التسويقية المعتادة. رابط هنا، وذكر عابر هناك. والنتيجة أن عددًا محدودًا من الجمهور يعرف بوجوده، وهو ما يقوض الفكرة الأساسية التي أُنشئ من أجلها.
عليك أن تسوّق لتسويقك نفسه
وهنا تبرز أهمية استخدام التسويق للترويج للجهود التسويقية الأخرى. وهي أيضًا إحدى أقوى الحجج لصالح الاستعانة بوسائل التواصل الاجتماعي.
بينما كثيرًا ما تتحول هذه المنصات إلى مساحة تتحدث فيها الشركات عن نفسها. وتنشر محتوى لا يثير اهتمام حتى العاملين بها، فما بالك بالعملاء العاديين.
ومن أكثر الممارسات إزعاجًا أن تواصل العلامات التجارية الحديث عن نفسها دون تقديم أي قيمة حقيقية. مكتفية برسائل من قبيل: «نحن الأفضل، وعليكم إنفاق المزيد من أموالكم معنا». وهذا مثال واضح على إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.
تأمل أي الرسالتين أكثر جاذبية وفائدة للجمهور، وبالتالي أكثر قدرة على تحقيق أثر تسويقي: أن تعلن شركة كولومبيا سبورتسوير (Columbia Sportswear) بيعها مجموعة متنوعة من مستلزمات الأنشطة الخارجية. أم أن تخبر الجمهور بأن لديها تطبيقًا للهواتف المحمولة يشرح كيفية ربط العقد، تحت عنوان «كيف تربط العقد المناسبة في رحلات البرية»؟
تذكّر أن الشركات، بمختلف أحجامها وأنشطتها، تتنافس على كل مساحة متاحة على شاشات المستخدمين. في مواجهة أشخاص حقيقيين يعرفهم الجمهور ويهتم بمتابعتهم.
كما أن الطريقة الأفضل لاختراق هذا الزحام ليست رفع الصوت أو زيادة عدد الرسائل الترويجية. بل تقديم شيء مفيد يستحق انتباه الناس.
المحتوى هو الوقود.. ووسائل التواصل الاجتماعي المحرك
المسألة لا تتعلق بمجرد الظهور بصورة طبيعية أو عفوية، بل بتقديم محتوى يرتبط فعلًا باهتمامات الجمهور.
وإذا كانت منشوراتك على وسائل التواصل الاجتماعي تقدم المعلومات بصورة تفوق الرسائل الترويجية، فأنت تسير في الاتجاه الصحيح.
بينما إذا كان المحتوى يساعد الجمهور بجدية بدلًا من الاكتفاء بمحاولة بيع المنتجات له. فأنت على الأرجح تحقق تقدمًا حقيقيًا.
حين يتحدث المحتوى بدلًا من العلامة التجارية
كذلك هناك مثال عملي يوضح كيف يعمل هذا المبدأ، من خلال منشورين متتاليين. نشرتها شركة إكزاكت تارجت (ExactTarget)، المتخصصة في برمجيات التسويق التفاعلي، عبر حسابها على منصة تويتر خلال صيف أحد الأعوام.
وجاءت التغريدة الأولى في صورة رسالة مؤسسية تقليدية ومملة، تعلن إصدار جديد من برامج الشركة.
ولم تكن الرسالة ذات صلة إلا بشريحة محدودة من المتابعين. لأنها تخص نسخًا من البرنامج باللغتين الألمانية والبرتغالية البرازيلية، وهما لغتان لا يستخدمهما على الأرجح سوى عدد قليل من جمهور الشركة على تويتر. وبذلك لم تحقق التغريدة أي قيمة تذكر.
لكن الشركة نجحت تمامًا في التغريدة التالية.
وخلال دورة الألعاب الأولمبية في لندن، نشرت إكزاكت تارجت رابطًا يقود إلى رسم معلوماتي تفاعلي يتضمن بيانات مثيرة للاهتمام عن الرياضات الأولمبية التي حظيت بأكبر عدد من التغريدات، والرياضات التي يمتلك متابعوها أكبر عدد من الحسابات على تويتر، إلى جانب مجموعة أخرى من الإحصاءات المرتبطة بالألعاب.
هل تضمن هذا المحتوى معلومات مباشرة عن منتجات إكزاكت تارجت وخدماتها؟ بالتأكيد لا.
لكن الشركة استغلت ارتباط الموضوع بحدث عالمي يتابعه الملايين. وقدمت مادة جذابة وذات صلة باهتمامات الجمهور في ذلك التوقيت.
وفي الوقت نفسه، نشأت صلة غير مباشرة بين المحتوى ونشاط الشركة. إذ تتضمن منتجاتها برمجيات تتيح للشركات متابعة التفاعلات على تويتر والتواصل مع المستخدمين.
وهنا يكمن الفارق: ليس مطلوبًا أن تتحدث العلامة التجارية عن منتجاتها في كل مرة، بل أن تجد طرقًا ذكية تجعل الجمهور مهتمًا بما تقدمه، حتى لو لم يكن المحتوى ترويجيًا بصورة مباشرة.
الموظفون.. الجمهور الذي تغفله الشركات
يمكن للشركات الاستفادة من التسويق عبر الإنترنت لزيادة انتشار المعلومات المفيدة التي تقدمها لعملائها الحاليين والمحتملين.
فيما نجحت مؤسسات مثل كولومبيا سبورتسوير وإكزاكت تارجت في تطبيق هذه الفكرة.
لكن هناك جمهورًا آخر بالغ الأهمية، كثيرًا ما تتجاهله الشركات عند التفكير في كيفية الترويج لهذا النوع من المحتوى: موظفوها أنفسهم.
وعندما تقدم الشركة محتوى مفيدًا بالفعل، فإن أثره لا يقتصر على العملاء، بل يمتد إلى فريق العمل، وربما تكون فائدته للموظفين أكبر في بعض الأحيان.
ومن أكثر الأشخاص اهتمامًا بتطبيق يشرح كيفية ربط العقد المناسبة؟ العاملون في كولومبيا سبورتسوير، بطبيعة الحال. فكثير منهم من محبي الأنشطة الخارجية والرحلات، وبالتالي قد يجدون أنفسهم في مواقف يحتاجون فيها إلى معرفة الطريقة الصحيحة لربط عقدة معينة.
وفي عالم أصبحت فيه العلاقات الشخصية والتواصل الاجتماعي من أهم أدوات التأثير، يمثل الموظفون أقوى محرك تسويقي تمتلكه الشركة.
وباستثناء العلامات التجارية الاستهلاكية العالمية العملاقة، مثل كوكاكولا، فإن مجموع شبكة العلاقات الاجتماعية لموظفي معظم الشركات يفوق غالبًا حجم شبكة العلاقات التي تمتلكها الشركة نفسها.
والأهم أن الموظفين يتمتعون بموقع مثالي لنشر الوعي بالمحتوى المفيد الذي تقدمه مؤسساتهم، والوصول به إلى دوائر أوسع من الجمهور عبر حساباتهم وعلاقاتهم الشخصية.
وبالتالي، فإن إشراك الموظفين في نشر المحتوى ليس مجرد وسيلة إضافية للترويج، بل فرصة للاستفادة من شبكة علاقات موجودة بالفعل، تتمتع بمصداقية وقرب أكبر من الجمهور.


