قاعدة “هانلون” هي حماية ذهنية ضد تصنيف سلوك بعض الأشخاص على أنه خبيث؛ إذ ترجعه إلى عدم الكفاءة.
وتذهب تلك القاعدة إلى أن الناس لا يتربصون بنا، ومن الأفضل افتراض حسن النية ومقاومة الرغبة في إسناد دوافع شريرة دون دليل قاطع.
هذا لا يعني أن الشر الحقيقي لا وجود له. بالطبع هو موجود. ولكن في معظم التفاعلات، الغباء تفسير أكثر شيوعًا بكثير من الخبث. فالناس يرتكبون الأخطاء. وينسون الأشياء. ويتحدثون دون تفكير. ويفضلون المكاسب قصيرة الأجل على المكاسب طويلة الأجل.
كما يتصرفون بناءً على معلومات غير كاملة. ويقعون فريسة للتحيز والتحامل. قد تبدو هذه الأفعال وكأنها هجمات متعمدة من الخارج، لكن الواقع أكثر روتينية بكثير.
القوة الحقيقية لقاعدة “هانلون” تكمن في كيفية تحويلها لوجهة نظرنا. عندما نفترض الغباء بدلًا من الخبث. فإننا نستجيب بشكل مختلف. بدلًا من أن نصبح دفاعيين أو نهاجم، نتعامل مع الموقف بالتعاطف والوضوح. وفقًا لما ذكره”fs.blog”.
بالنسبة لمعظم الإحباطات والارتباكات اليومية. فإن قاعدة “هانلون” هي تذكير قوي للتعامل مع المشاكل بروح الكرم. إنها طريقة لتقليل الدراما والتوتر في حياتنا، وإيجاد حلول عملية بدلًا من الانحدار إلى اللوم والاتهامات المتبادلة.

ما هي قاعدة هانلون؟
شفرة “هانلون” هي نموذج ذهني مفيد يمكن تلخيصه كالتالي: “لا تنسب أبدًا إلى الخبث ما يمكن تفسيره بشكل كافٍ بالإهمال”. مثل شفرة “أوكام”، هذه القاعدة الإرشادية مفيدة لاتخاذ القرارات السريعة والإدراك الذكي.
تطبيق شفرة “هانلون” في حياتنا اليومية يسمح لنا بتعميق العلاقات، وأن نصبح أقل حكمًا، وتحسين العقلانية.
كما يسمح لنا بإعطاء الناس فائدة الشك وبأن نكون أكثر تعاطفًا.
وتبرز قيمة شفرة “هانلون” بشكل أكبر في العلاقات، وشؤون العمل، والسعادة الشخصية.
يسارع الناس باتهام الشركات، والسياسيين، ورؤسائهم، والموظفين، وعمال المقاهي، وحتى أفراد الأسرة بمحاولة عرقلتهم عندما لا تسير الأمور في طريقنا. عندما يخطئ أحدهم حولنا، ننسى كم مرة فعلنا نحن أيضًا الشيء نفسه.
ننسى كم مرة دفعنا أحدهم في الشارع، أو أسقطنا مشروبًا في منزل أحد الأقارب، أو نسينا مقابلة صديق في الوقت المناسب. ليس لأننا أردنا ذلك ولكن لأننا لم نكن منتبهين. افتراض النية في مثل هذا الموقف نادرًا ما يجعل الأمور أفضل.
لا أحد منا يمكنه أن يعرف ما يريده شخص آخر أن يحدث. حتى أذكى الناس يرتكبون الكثير من الأخطاء. العجز أو الإهمال هو السبب الأكثر احتمالًا بكثير من الخبث.
عندما يتسبب موقف ما في غضبنا أو إحباطنا، قد يكون من المفيد التفكير فيما إذا كانت تلك المشاعر مبررة.
غالبًا، أفضل طريقة للرد على الأشخاص الذين يسببون لنا مشاكل هي السعي لتعليمهم، وليس ازدراءهم. بهذه الطريقة، يمكننا تجنب تكرار نفس الموقف.
أصول شفرة هانلون
صيغت عبارة “شفرة هانلون” من قبل “روبرت جيه هانلون”، ولكن العديد من الأشخاص عبر التاريخ قد عبروا عنها، ويعود تاريخها إلى عام 1774م.
صرح نابليون بونابرت، مقولته الشهيرة: “لا تنسب أبدًا إلى الخبث ما يمكن تفسيره بشكل كافٍ بعدم الكفاءة”.
كما كتب “غوته” بشكل مشابه في روايته “آلام الشاب فرتر” عام 1774: “سوء الفهم والإهمال يخلقان فوضى في هذا العالم أكثر من المكر والخبث. على أي حال، فإن الأخيرين أقل تكرارًا بالتأكيد”.
بينما استخدم الجنرال الألماني كورت فون هامرستين- إيكورد، شفرة هانلون، لتقييم رجاله، قائلًا: “أقسم ضباطي إلى أربع مجموعات. هناك ضباط أذكياء، ومجتهدون، وأغبياء، وكسالى. عادة ما يتم دمج صفتين. بعضهم أذكياء ومجتهدون، مكانهم هو هيئة الأركان العامة. المجموعة التالية أغبياء وكسالى، يشكلون 90 بالمائة من كل جيش ومناسبون للمهام الروتينية”.
وتابع: أي شخص ذكي وكسول مؤهل لأعلى واجبات القيادة. لأنه يمتلك الوضوح الفكري والاتزان اللازمين للقرارات الصعبة. ويجب الحذر من أي شخص غبي ومجتهد، ويجب ألا يعهد إليه بأي مسؤولية لأنه سيسبب دائمًا الأذى فقط”.
قاعدة هانلون في شبكة المعرفة
تعمل شفرة “هانلون” بشكل أفضل عند دمجها ومقارنتها بنماذج ذهنية أخرى في شبكة معرفتنا.
إليك بعض الأمثلة على التفاعلات المفيدة:
الاستدلال الاستدلالي المتاح (Availability heuristic)
ينص هذا النموذج الذهني على أننا نسيء تقدير تكرار الأحداث الأخيرة. على وجه الخصوص، يحدث هذا إذا كانت حيوية ولا تنسى.
لدى العديد من الأشخاص ميل للاحتفاظ بسجل داخلي لأخطاء الآخرين. على سبيل المثال، تخيل أن سائق تاكسي يسلك منعطفًا خاطئًا ويجعل الرحلة أكثر تكلفة. بعد شهر، يحدث نفس الشيء مع سائق مختلف.
من المرجح أن نتذكر الحدث السابق ونتفاعل برؤية جميع سائقي التاكسي على أنهم خبيثون. بدلًا من قبول كليهما كأخطاء بسيطة، فإن توفر الذاكرة يجعلنا نتخيل نية خبيثة.
بدمج هذين النموذجين الذهنيين، يمكننا فهم سبب إثارة مواقف معينة لمثل هذه المشاعر القوية. عندما تكون الذاكرة حية وسهلة الاسترجاع، قد نتجاهل شفرة هانلون.
الانحياز التأكيدي (Confirmation bias)
لدينا جميعًا ميل للبحث عن المعلومات التي تؤكد المعتقدات الموجودة مسبقًا. عندما ينشأ التنافر المعرفي، فإننا نهدف إلى إعادة مواءمة نظرتنا للعالم.
التغلب على “الانحياز التأكيدي” هو خطوة كبيرة نحو اتخاذ خيارات أفضل بدافع المنطق، وليس العواطف.
شفرة “هانلون” تساعد على ذلك. إذا كنا نتوقع نية خبيثة، فمن المرجح أن ننسبها كلما أمكن.
على سبيل المثال، إذا رأى شخص ما سياسيًا معينًا فاسدًا، فسيبحث عن معلومات تؤكد ذلك. يصبح غير قادر على تحديد متى تكون الأخطاء نتيجة عدم الكفاءة أو الحوادث.
التحيز الناتج عن الكراهية/عدم الإعجاب (Bias from disliking/hating)
يمكن لشفرة “هانلون” أن تقدم رؤى عندما نتعامل مع أشخاص أو مؤسسات أو كيانات لا نحبها. كلما كرهنا شخصًا أو شيئًا ما، زادت احتمالية أن ننسب أفعالهم إلى الخبث.
عندما يرتكب شخص لا نحبه خطأً، فإن رد الفعل بالتعاطف والتفهم يميل إلى أن يكون آخر استجابة.
التصرف بطريقة عاطفية أمر طبيعي، ولكنه غير ناضج. ويمكن أن يؤدي فقط إلى تفاقم الوضع.
الحل الأذكى هو، بغض النظر عن مدى كرهنا لشخص ما، أن نفترض الإهمال أو عدم الكفاءة.
نحن أيضًا نحب أن ننسب عيوبنا وإخفاقاتنا إلى شخص آخر، وهي آلية حماية نفسية رخيصة تسمى الإسقاط.
وهذا يسمح لنا بالحفاظ على صورة ذاتية إيجابية ورؤية الاحتكاك على أنه خطأ شخص آخر وليس خطأنا، لذا؛ من الأفضل إجراء فحص للواقع قبل لوم الآخرين.


