بين صرخة الخوف الأولى ونشوة الجشع الأخيرة، يتأرجح رائد الأعمال على حبل مشدود فوق هاوية المجهول. في رحلةٍ تخفي وراء بريق النجاح قصصًا من التحدي والصمود. لطالما تناولت الثقافة الشعبية محفزات رواد الأعمال من زاوية الجشع والطموح المادي. مصوِّرةً شخصياتٍ أسطوريةً كإيلون ماسك وكورنيليوس فاندربيلت كدُمىً تحركها شهوة الامتلاك اللامحدود. غير أن هذه الصورة النمطية، غالبًا ما تتجاهل الجذور الحقيقية التي ينبع منها الإقدام على دروب الريادة، وتغفل الأبعاد الخفية التي تشكل جوهر محفزات رواد الأعمال.
وعلى النقيض من التصورات السائدة، تشير الدلائل الواقعية إلى أن الخوف، وليس الجشع، هو القوة الدافعة الأساسية لمعظم رواد الأعمال في مراحلهم الأولى. فالكثير من المؤسسين ينطلقون بدافع الخوف من الفشل، أو الخوف من ضياع الفرصة، أو حتى الخوف من البقاء في منطقة الراحة التي لا تحقق الطموح.
أضف إلى ذلك، أن الحديث عن “مؤسس جشع” بينما يعيش في قبو منزل والديه، ويقدم طلبات للحصول على بطاقات ائتمان بفوائد باهظة ليبقى مشروعه حيًا، يبدو بعيدًا عن الواقع، ويخفي حقيقة أن محفزات رواد الأعمال في البداية تتسم بالبساطة والضرورة أكثر من الطموح المادي المتضخم.

محفزات رواد الأعمال
لقد أسهبت الروايات الشائعة في تسليط الضوء على صورة رائد الأعمال الذي يمتلك ثروات طائلة لا يحتاجها، مغفلةً السياق الزمني والظروف التي أحاطت بانطلاق هؤلاء العمالقة. ولا شك أن الجمهور العام قد لا يدرك أن الجشع، في مراحله الأولى، ليس سوى ترفٍ بعيد المنال. وهو حلم يكاد يكون مستحيلًا على من يعاني الأمرين لتأمين استمرارية مشروعه الناشئ. لذا، فإن فهم محفزات رواد الأعمال يتطلب نظرة أعمق تتجاوز السطح اللامع للنجاح، لتلامس صميم التحديات التي يواجهونها.
وبناءً عليه، يصبح من الأهمية بمكان إعادة صياغة السرد حول محفزات رواد الأعمال، لتصبح أكثر واقعية وإنصافًا. ويتعين علينا أن ندرك أن رحلة الريادة تبدأ غالبًا بدافعٍ من الحاجة أو الخوف من الركود، وأن الجشع، إن وُجد، لا يأتي إلا لاحقًا، كأفقٍ مرغوبٍ لا كدافعٍ أصيل. ويسهم هذا الفهم المتوازن في إلقاء الضوء على التضحيات الكبيرة التي يبذلها رواد الأعمال. ويعطي صورة أكثر دقة للآليات النفسية التي تحرّك هذه الفئة المهمة من المجتمع، ممهدًا الطريق لدعم بيئة أعمال أكثر وعيًا وإلهامًا.
من الخوف إلى الجشع
لعل السبب وراء رحلة رواد الأعمال الشاقة، التي غالبًا ما تبدأ بالخوف المطبق، يعود إلى حقيقة أن “الجشع” يظل ترفًا لا يناله إلا القليل. ففي بدايات أي مشروع ناشئ، تهيمن حالة من الشح وانعدام اليقين. ما يجعل الشعور بالوفرة أو الرغبة في المزيد أمرًا بعيد المنال. فكيف يمكن للمؤسس أن يطمح إلى الجشع بينما تتهاوى أركان مشروعه من حوله، ويهدده شبح الانهيار؟
علاوة على ذلك، فإن واقع الحال يشهد أن هواجس القلق الليلي لا تتمحور حول الرغبة في التملك. بل تدور في فلك أسئلة وجودية مثل: “في أي ورطة أوقعت نفسي؟ وكيف سأدبر أموري حتى نهاية الشهر؟”. هذا الخوف الصافي هو المحرك الأساسي لـ 99% من المؤسسين الذين لم يبلغوا بعد مرحلة الاكتفاء. ويشكل وقودًا يدفعهم للاستمرار في مسيرتهم المضنية.
الجشع.. وجه آخر للنجاح
من ناحية أخرى، على الرغم من ارتباط مفهوم الجشع بالدلالات السلبية. إلا أنه في سياق ريادة الأعمال قد يحمل معنى مختلفًا. فالجشع، في هذا المضمار، لا يعني بالضرورة الطمع المذموم. بل يشير إلى بلوغ مرحلة الوفرة الكافية التي تتيح للمؤسس الحصول على “المزيد” من الموارد. وهذا الجزء الأخير هو جوهر القضية: “وجود ما يكفي لنأخذه”.
في حين أن غالبية الشركات الناشئة لا تحقق هذا الإنجاز وفقًا للإحصاءات، فإن الوصول إلى نقطة الوفرة -سواء عبر دفع رواتب الموظفين بانتظام أو حتى تحقيق الأرباح المأمولة- يمنح المؤسس رفاهية تحديد مدى “جشعه”. بعبارة أخرى، يصبح الجشع جيدًا إذا كان دليلًا على أن المؤسس قد حقق نجاحًا كافيًا ليبلغ هذه المرحلة من الازدهار المالي.
هل نستحق الجشع؟
في المقابل، حتى وإن وصل المؤسس إلى “مستوى الزعيم الجشع”، يبرز تساؤل جوهري: “ما الفرق بين الجشع والحصول على أجر عادل مقابل المخاطرة والجهد؟”. هنا تكمن المعضلة، فكيف يمكن تحديد الخط الفاصل بين الاستحقاق الطبيعي والمبالغة في الأجر؟
وبينما لا يرى أحد في الحصول على أجر عادل دافعًا للجشع. يظل مفهوم “الأجر العادل” نفسه غامضًا وملتبسًا. فالأمر لا يتعلق بالكم بقدر ما يتعلق بالقيمة المضافة. وكيفية تحديد هذه القيمة في ظل المخاطر التي يتحملها المؤسس.

توازن الدوافع
كما يتضح، يجد رواد الأعمال أنفسهم مدفوعين بمزيج من الخوف والجشع، مع هيمنة الخوف في المراحل المبكرة. لا ضير في أن يقود الجشع دفة القيادة في يوم من الأيام، شريطة أن يعكس هذا الجشع تقاضي أجر عادل، مهما كان شكله أو حجمه. فالمعادلة ليست بسيطة، وتعتمد على تقدير الجهد المبذول والمخاطرة المنجزة مقابل العائد المالي.


