قبل الحديث عن المهن الإبداعية، لنا أن نعلم أن الكثير من المحترفين والمبدعين في مرحلة ما بعد التخرج يطرحون سؤالًا ملحًا، وهو: “إلى أين أذهب؟” وفي حين تبدو الإجابة على هذا السؤال في عالم اليوم بسيطة للغاية. لكن إذا طرحت على نفسك هذا السؤال قبل 20 عامًا، فلن تجد آنذاك إجابة ملهمة على الإطلاق.
لقد استطاع الاقتصاد الازدهار من خلال الإبداع بالتزامن مع ظهور الإنترنت وانتشار شبكات التواصل الاجتماعي خاصة. وزيادة الطلب على الأفراد المبدعين في بيئة أكثر احترافية. وإذا أخبرت أقرانك وقت تخرجك أنك تطمح إلى أن تصبح شخص يحب الإبداع، كمصمم جرافيك أو مصمم مواقع ويب. فقد يعتقدون أنك مجنون، لأنه ببساطة “لا توجد أموال في الفنون”.
ورغم أن هذا قد يكون صحيحًا منذ سنوات، إلا أن الفنون أسهمت كثيرًا في مجتمعنا منذ البداية، ولن تزول. فمن تصميم مواقع الويب إلى كتّاب الإعلانات والمؤلفين، ومصممي الجرافيك والمؤثرين، يوجد طلب كبير على المهن التي تعتمد على الإبداع في عالمنا اليوم، والمستقبل يبدو أكثر إشراقًا.
كيف عملت المهن الإبداعية في الماضي؟
من المرجح كان الخريج الجديد لكي يتمكن من الالتحاق بمنصب إبداعي في حقبة التسعينيات أن يبدأ بفترة تدريب. أو وظيفة مبتدئة في العمل الكتابي أو الإداري، ويُكلف بمهام إنتاجية أساسية مع فرص قليلة للمساهمة في أفكار أكبر.
وكانت الكثير من الوظائف المبتدئة تتطلب الحصول على درجة علمية، وبضع سنوات من العمل الجاد قبل الوصول إلى المنصب المطلوب. كما كان الأمر يبدو وكأنه خطة معدة سلفًا، اذهب إلى المدرسة، واعمل على شق طريقك إلى القمة. وتعلم مهارات قيمة أثناء تقدمك، وفي الواقع، لم يكن الأمر بهذه البساطة.
ورغم أن الأفراد لا يتعلمون ولا ينمون جميعًا بالطريقة نفسها، إلا أن الكثير كانوا يضطرون للعمل لسنوات في بيئة مؤسسية لمجرد الحصول على فرصة. في حين يمثل الحصول على دور إبداعي عقبة كبيرة للغاية، نظرًا لوجود حواجز كثيرة تجعل من الصعب تحقيق الدخل من الإبداع؛ ما يجعل الكثير ببساطة يلجأ لاختيار مسارات أخرى. ما يقودنا إلى مسارات العمل الإبداعية اليوم.
المهن الإبداعية في العصر الحديث
لقد تغيرت مسارات العمل الإبداعي بالكامل في السنوات الأخيرة، وفي حين لا يزال التعليم ذا قيمة عالية. فقد تغيرت الطريقة التي نتعامل بها مع التعليم. وفي عالم اليوم، من الشائع ألا يكون مصممو مواقع الويب وتجربة المستخدم حاصلين على درجة علمية. ولكنهم بدلًا من ذلك، إما يحصلون على دورة تدريبية عبر الإنترنت. أو يشاهدون ساعات من مقاطع الفيديو على “يوتيوب”، أو يكتسبون خبرة حقيقية كعاملين مستقلين لبناء محفظتهم.
وقد أصبحت المحفظة الإبداعية أكثر أهمية من الدرجة العلمية في نواحي كثيرة. وباتت فرصة لإظهار نوع الموهبة والمهارة التي يمكنهم تقديمها للعملاء المحتملين أو رواد الأعمال، وليس بالضرورة مقدار الوقت الذي أمضوه في دراستهم.
ووفرت شبكة الإنترنت عددًا لا يحصى من الطرق الجديدة لتحويل الإبداع إلى مهنة؛ إذ أصبح بعض الأشخاص مؤثرين، وآخرون مستقلين، واستمر آخرون في اتباع نفس المسار المؤسسي المجرب والحقيقي.
وأعطى هذا المزيد من الأمل للشباب الذين ربما ليسوا متأكدين مما يريدون فعله بعد تخرجهم في المدرسة الثانوية أو الكلية. ولا يبدو أنهم يستطيعون العثور على تخصص بعينه يثير اهتمامهم. كما وفر فرصًا مهنية للأشخاص لتنمية مهاراتهم دون ضغوط الالتزام بمسار وظيفي واحد طوال حياتهم.
لا شك أن شبكة الإنترنت فتحت الكثير من الفرص أمام الأفراد لتعلم مهارة جديدة تمامًا مجانًا أو في غضون أسابيع قليلة. ومع ظهور عدد من برامج الشهادات الجديدة، فإن الكثير من مديري التوظيف اليوم يعطون الأولوية لمهارة الفرد بدلًا من تعليمه.
إلى أين يتجه الاقتصاد الإبداعي؟
إذا، إلى أين تتجه المهن الإبداعية؟ والسؤال الأكثر ارتباطًا الذي يدور في أذهان الجميع، هو: هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل العنصر البشري؟ للأسف، الإجابة ليست بنعم أو لا، ولكنني أستطيع أن أقول إن التكنولوجيا حتى يومنا هذا لم تحل محل الوظائف الإبداعية داخل الشركات. ولكنها قدمت فقط دعمًا إضافيًا.
من المرجح، أنه لا يوجد ما يخشاه المبدعون من التكنولوجيا الجديدة. لأن الذكاء الاصطناعي يوفر لنا أدوات جديدة يمكن أن تفتح مسارات مهنية جديدة للمبدعين في المستقبل. الأمر كله يتعلق باختراع طرق جديدة لإحداث تأثير باستخدام مجموعة مهاراتك.
ومن المتوقع أن تؤدي الصناعة الإبداعية دورًا رئيسًا في اقتصاد المستقبل؛ حيث ستنمو بنسبة 40% بحلول عام 2030. وستوفر ما لا يقل عن 8 ملايين فرصة عمل في هذه العملية. لذا؛ ستتوسع أيضًا فرص تجربة مجالات جديدة في صناعتك. وإليك أمثلة على بعض المهن المعتمدة على الإبداع التي يُتوقع أن تستمر في النمو.
مصممو تجربة المستخدم (UX)
مع اعتمادنا على نحو متزايد على التكنولوجيا، أصبحت أهمية تجربة العميل بالغة الأهمية. وبالطبع لن تعني كل أنشطة التسوق في العالم أي شيء، إذا ضاع العملاء المحتملون على موقع الويب الخاص بك. لذا؛ يساعد مصممو تجربة المستخدم في تصميم مواقع الويب والتطبيقات حتى يتمكن العملاء بسهولة من الحصول على ما يحتاجون إليه.
الكتاب المبدعون ومنشئو المحتوى
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من حياتنا، ويتوفر محتوى يزيد عن الحاجة ولا نعرف ما يجب أن نفعل به. وفي الوقت الحاضر، ونظرًا لوجود الكثير من المحتوى، فإن مستوى التميز عن كل هذا الضجيج أصبح أعلى من أي وقت مضى. لذلك يوجد طلب كبير على الكتاب المبدعين والمصممين.
وقد تدور علامة استفهام في ذهنك الآن وتتساءل: “ألا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتولى وظائفهم؟” الإجابة ببساطة: “لا”، ففي حين تستطيع أدوات الذكاء الاصطناعي بالتأكيد دعم المبدعين في عملهم. إلا أنها غير قادرة بعد على التفكير والتخيل كالكوادر البشرية المحترفة. فالمحتوى الذي ينشئه الذكاء الاصطناعي يعتمد على محتوى موجود. لذا؛ فهو لا يستحدث أبدًا من الفراغ، فإذا كنت ترغب بمحتوى عالي الجودة حقًا، فأنت بحاجة إلى لمسة إنسانية.
خلاصة القول، إن الشيء الرائع في المهن الإبداعية هو الحاجة إلى منصب إبداعي في كل صناعة. بما في ذلك التمويل، والتكنولوجيا، والعقارات، وتجارة التجزئة، وسواء أكان مجال اهتمامك التصميم، أم كتابة المحتوى، أم التكنولوجيا، فهناك مكان لك. ولكن يبقى السؤال الوحيد الذي لا يملك أحد حتى وقتنا الراهن إجابته، وهو: إلى أين سيأخذنا اقتصادنا الإبداعي في السنوات العشر القادمة؟
بقلم / كريستوفر تومبكينز
المقال الأصلي: هنا



