كثَّفت شركة «إنفيديا» من استثماراتها في منظومة الذكاء الاصطناعي خلال العام الماضي، بضخها رؤوس أموال في شركات تمتد عبر مختلف طبقات البنية التحتية، بما يشمل مراكز البيانات، والمكونات، والتقنيات الداعمة، في محاولة لتعزيز الطلب على تقنياتها.
وحققت هذه الإستراتيجية عوائد ضخمة، إذ تحولت استثمارات بقيمة 5 مليارات دولار في «إنتل» إلى أكثر من 25 مليار دولار خلال أشهر، في واحدة من أبرز الصفقات الاستثمارية في القطاع.
وفي 2026، تسارعت وتيرة هذه التحركات بشكل كبير، حيث تجاوزت التزامات «إنفيديا» الاستثمارية بالفعل 40 مليار دولار، مع توسيع محفظتها لتشمل مزيدًا من الشركات المدرجة في البورصة.
صفقات ضخمة
وخلال أسبوع واحد فقط، أبرمت الشركة اتفاقًا مع مشغل مراكز البيانات «آيرين»، يمنحها حق استثمار يصل إلى 2.1 مليار دولار، وذلك بعد يوم واحد من توقيع اتفاق مع شركة «كورنينج» بقيمة تصل إلى 3.2 مليار دولار.
وقد انعكست هذه الصفقات سريعًا على الأسواق، حيث ارتفعت أسهم الشركتين عقب الإعلان.
وتعد «إنفيديا» المستفيد الأكبر من طفرة الذكاء الاصطناعي، نظرًا لكونها المنتج الرئيسي لوحدات المعالجة الرسومية اللازمة لتدريب النماذج وتشغيل التطبيقات واسعة النطاق، وهو ما دفع سهمها للارتفاع بأكثر من 11 ضعفًا خلال أربع سنوات، لتصل قيمتها السوقية إلى نحو 5.2 تريليون دولار، كأكبر شركة في العالم.
بناء المنظومة
ولتعزيز هيمنتها خارج نطاق تصنيع الرقائق، تعمل «إنفيديا» على تمويل سلسلة الإمداد الكاملة للذكاء الاصطناعي، بما يضمن تشغيل هذه المنظومة على تقنياتها، وتوفير القدرة الإنتاجية اللازمة لتلبية الطلب المتزايد.
لكن هذه الإستراتيجية أثارت مخاوف متزايدة، حيث يرى البعض أن «إنفيديا» — مثل شركات الحوسبة السحابية الكبرى «جوجل» و«أمازون» — تستثمر في شركات أخرى لتعزيز نموها الذاتي.
وفي هذا السياق، تمول الشركة بعض عملائها الذين يشترون رقائقها، بل وفي بعض الحالات تؤجر لهم قدرات الحوسبة مرة أخرى، وهو ما دفع منتقدين إلى مقارنة هذا النموذج بأساليب التمويل التي ساهمت في تضخم فقاعة الإنترنت في نهاية التسعينيات.
استثمارات دائرية
وصف محلل في شركة «ويدبوش» هذه الإستراتيجية بأنها تندرج ضمن ما يُعرف بـ«الاستثمار الدائري»، وهي ظاهرة تثير تساؤلات حول استدامة السوق.
ورغم ذلك، يرى المحلل أن هذه الاستثمارات تعكس رؤية «إنفيديا» بعيدة المدى، وقد تمنحها ميزة تنافسية قوية إذا نجحت في تنفيذها.
وخلال العام الجاري، أبرمت «إنفيديا» ما لا يقل عن سبع صفقات استثمارية بمليارات الدولارات مع شركات مدرجة، إلى جانب مشاركتها في نحو عشرين جولة تمويل لشركات خاصة، بما في ذلك شركات ناشئة في مراحل مبكرة.
رهانات كبرى
وكانت أكبر استثمارات الشركة ضخ 30 مليار دولار في «أوبن إيه آي»، إلى جانب مشاركتها في جولات تمويل ضخمة لشركات مثل «أنثروبيك» و«إكس إيه آي» التابعة لإيلون ماسك.
وقال جنسن هوانج، الرئيس التنفيذي لـ«إنفيديا»: «هناك العديد من الشركات الرائعة في مجال النماذج الأساسية، ونحن نحاول الاستثمار في جميعها.. نحن لا نختار فائزين، بل ندعم الجميع».
ومن المتوقع أن تكشف نتائج الشركة المقبلة عن صورة أوضح لحجم هذه الاستثمارات وتأثيرها على الأداء المالي.
قفزة مالية
وخلال العام المالي الماضي، استثمرت «إنفيديا» نحو 17.5 مليار دولار في شركات خاصة وصناديق بنية تحتية، مع التركيز على دعم الشركات الناشئة.
وارتفعت قيمة الاستثمارات غير المدرجة في ميزانيتها إلى 22.25 مليار دولار بنهاية يناير، مقارنة بـ3.39 مليار دولار قبل عام.
كما سجلت الشركة مكاسب بلغت 8.92 مليار دولار من استثماراتها، مقارنة بـ1.03 مليار دولار في العام السابق، مدفوعة جزئيًا بأداء استثمارها في «إنتل»، الذي ارتفع بأكثر من 200%.
شراكات إستراتيجية
وتضمنت صفقة «آيرين» اتفاقًا على نشر ما يصل إلى 5 جيجاواط من بنية «إنفيديا» التحتية لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي عالميًا.
أما اتفاق «كورنينج»، فيشمل إنشاء ثلاثة مصانع جديدة في الولايات المتحدة مخصصة لتقنيات الألياف الضوئية التي تعتمد عليها «إنفيديا»، في تحول متوقع من الكابلات النحاسية إلى الألياف الضوئية في أنظمتها.
كما استثمرت الشركة في مارس ملياري دولار في «مارفيل تكنولوجي» لتطوير تقنيات الفوتونيات، ومبالغ مماثلة في «لومينتوم» و«كوهرنت».
رهانات السحابة
وفي مجال ما يُعرف بـ«السحب الجديدة»، استثمرت «إنفيديا» ملياري دولار في «كور ويف» لبناء مراكز بيانات تعتمد على تقنياتها، إلى جانب استثمار مماثل في «نيبيوس جروب» لدعم نشر البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
ويرى بعض المحللين أن هذه الاستثمارات ذكية في دعم المكونات الأساسية التي تعاني نقصًا، بينما يبدون تحفظًا تجاه استثمارات السحابة، معتبرين أنها قد تبدو وكأنها تمويل مسبق لشراء منتجات «إنفيديا» نفسها.
مخاطر محتملة
وأشار خبراء إلى أن المخاطر تكمن في احتمال تغير دورة السوق، حيث قد يثير ذلك تساؤلات حول مدى اعتماد الطلب على العوامل الطبيعية مقابل الدعم المالي من «إنفيديا» نفسها.
ورغم ضخامة الاستثمارات في الشركات المدرجة، تظل صفقة «أوبن إيه آي» هي الأبرز، إذ جاءت بقيمة 30 مليار دولار، بعد شراكة استمرت أكثر من عقد بين الشركتين.
وكان من المخطط أن تصل الاستثمارات إلى 100 مليار دولار، قبل أن تتراجع «أوبن إيه آي» عن خطط بناء مراكز البيانات، مع الاعتماد على شركاء مثل «أوراكل» و«مايكروسوفت» و«أمازون».
وقال هوانج إن ضخ 100 مليار دولار «لم يعد مطروحًا»، مشيرًا إلى أن صفقة 30 مليار دولار قد تكون الأخيرة قبل طرح عام محتمل للشركة هذا العام.
المصدر: CNBC


