في زمن تتحول فيه الأفكار الجامعية إلى شركات رقمية تواكب الطموح الوطني، يبرز اسم محمد الخريّف، المؤسس والرئيس التنفيذي لمنصة «نسر» كأحد رواد التحول السياحي في المملكة. الذي استطاع ابتكار مشروع يستهدف تمكين المرشدين السياحيين السعوديين، وتقديم تجربة ذكية ومتكاملة للسياح.
في حين تعد منصة نسر تعد واحدة من النماذج السعودية الملهمة في مجال التحول الرقمي السياحي، إذ تقدم تجربة متكاملة للزائر عبر دمج الإرشاد السياحي البشري بالتقنيات الذكية. كما لا تقتصر خدمات نسر على ربط السائح بالمرشد فحسب. بل تمتد لتشمل أدلة رقمية تفاعلية، وخرائط، ومنتجات تدعم المرشدين في أداء دورهم.
فيما يعد من أهم ما يميز المنصة هو تركيزها على إبراز الهوية المحلية لكل منطقة. وتقديم محتوى يثري تجربة السائح من اللحظة الأولى، في انسجام تام مع مستهدفات رؤية 2030. خصوصًا في مجالي التوطين والتحول الرقمي للقطاع السياحي
في هذا الحوار الخاص مع “رواد الأعمال“، يكشف محمد الخريّف عن تفاصيل رحلته من الصفر، وكواليس تحويل مشروع جامعي بسيط إلى منصة ذكية متقدمة بالإرشاد السياحي. مدعومة بالذكاء الاصطناعي، تخدم السائح والمرشد والمنشآت السياحية على حد سواء.
إلى نص الحوار..
كيف بدأت رحلتك مع ريادة الأعمال؟
بدأت من تحت الصفر. كنت أكبر إخوتي، وكان والدي يواجه تحديات كبيرة وديونًا متراكمة في محله للأثاث. في ذلك الوقت، كان عمري 13 عامًا، ولاحظ والدي ميولي للأرقام، فأعطاني فرصة أساعده في المحاسبة. كانت هذه أول خطوة جادة لي في عالم الأعمال.
في حين أنه مع مرور الوقت، اكتشفت أن المحاسبة تُظهر كل تفاصيل المشروع. فرأيت الأزمات واضحة بالأرقام: ديون من كل جهة — الفريق، العملاء، البنك، المؤجر، الموردين. مستحقات معلقة، هامش ربح ضعيف، مشاكل في التشغيل والتسويق والمبيعات، ضعف في الكوادر، وسوق تنافسي صعب.
كما تدخلت في كل جزئية أعمل على تطويرها وإصلاحها. استمرت الرحلة أربع سنوات مليئة بالتعلم والصبر. لكنها كانت أفضل مدرسة في حياتي. علّمتني المسؤولية مبكرًا، وعرفتني على الواقع، وفهمتني أن ريادة الأعمال ليست مجرد فكرة جذابة، بل هي حل لمشاكل حقيقية، واتخاذ قرارات صعبة، والثبات وقت الأزمات.
فيما تعد تلك التجربة لم تكن مجرد عمل عائلي، بل كانت لحظة اكتشاف حقيقية لهدفي وشغفي. وأسست فيها القيم التي بنيت عليها كل مشاريعي لاحقًا.
كيف انتقلت منصة نسر من مشروع جامعي إلى شركة ناشئة حقيقية؟
الانتقال لم يكن سهلًا أبدًا. تخيل أن تكون طالبًا جامعيًا تحمل التزامات دراسية، وفي نفس الوقت تحاول بناء شركة ناشئة في قطاع جديد تمامًا، دون رأس مال حقيقي، وبدون فريق مستقر — حتى الفريق الذي فاز معي بالمسابقة لم يُكمل الطريق.
إلا أنه قبل كل شيء، لا بد أن أشكر هيئة منشآت. المسابقة التي فزنا فيها كانت نقطة انطلاق. عرّفتنا على متطلبات السوق ومهدت الطريق، لكن الحقيقة أن ما بعد الفوز كان أصعب بكثير.
كما كنت قد اعتدت على مواجهة التحديات من خلال تجربة مشروع والدي، ولذلك كنت مستعدًا. سبق وشاركت في مسابقات أخرى وفشلت، وتعلمت من كل تجربة.
علاوة على ذلك، فبعد الفوز كان عندي جوع حقيقي للنجاح. لم يكن لدي ما أخسره، خصوصًا بعد أن ضحيت بكل شيء لمساعدة والدي. والدي في ذلك الوقت أصرّ أن أرتاح وأركّز على دراستي الجامعية، وأنا قدرت حرصه، لكن كنت مصرّ على أن أكمل حلمي.
كما أنه بالإصرار والالتزام، وبثقتي بالله ثم بنفسي، حولت فكرة جامعية إلى شركة حقيقية. لم يكن ذلك سهلًا، فقد كلفني صحتي، وعلاقاتي. بل وانقطعت عن جامعتي لأكثر من سنة ونصف من أجل المشروع.
في حين واجهت كثيرًا من الرفض من الأهل، والفريق، والعملاء، وحتى المستثمرين. لكن تعلمت أن الشغف الحقيقي والإيمان بالفكرة يفتحان الأبواب. الدعم لا يأتي في البداية، بل بعد أن تثبت للناس قدرتك والتزامك.
كما أنه رغم عدم تقديم صندوق التنمية السياحي دعمًا ماليًا مباشرًا، إلا أن دعمه المعنوي والإرشادي كان ذا أثر عظيم.
واليوم، نسر أصبحت شركة قائمة، بخدمات واضحة وفريق ملتزم. وكل ذلك بني على الشغف، الإصرار، والمبادئ التي اكتسبتها من البدايات.
ما هي أكبر التحديات التي واجهتها خلال تأسيس نسر؟
أكبر تحد كان بناء الفريق. أنا مؤمن أن الفريق هو جوهر المشروع. هو من يحرّك الفكرة، ويطوّرها، ويخلق حلولًا جديدة. لكن البداية كانت صعبة جدًا. لم يكن لدي رأس مال كبير، ولا خبرة عميقة في قطاع السياحة، وكان من الصعب أن أجد من يشاركني نفس الرؤية.
في حين كان الحل كامنًا في فتح الباب للمتدربين في السياحة. تعلمنا معًا — هم اكتسبوا معرفة عن ريادة الأعمال والذكاء الاصطناعي. وأنا استفدت منهم لفهم السوق واحتياجات المرشدين والسياح.
كما كان هذا الحل كان متعبًا ويستهلك الوقت، لكنه كان صادقًا وواقعيًا. وأنا اليوم ممتن جدًا لكل متدرب ساهم معنا. بفضلهم، بنينا أساسًا متينًا. واليوم نسر لديها فريق شغوف. مبتكر، يرى في نسر مسؤولية وفرصة وطنية.
كيف طوّرتم المرشد السياحي الذكي؟ وما أبرز فعاليته؟
المرشد السياحي الذكي لم يكن مجرد أداة تقنية، بل رؤية. كنت مهتمًا بالتقنية منذ وقت طويل، وعملت على نماذج أولية في الذكاء الاصطناعي قبل تأسيس نسر. يوم بدأنا، كنت أؤمن أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يخدم السياحة السعودية بشكل عملي.
بينما السياحة في المملكة ثرية جدًا، وقلنا لماذا لا نُسهل للزائر الوصول للمعلومة باستخدام الذكاء الاصطناعي؟ هكذا بدأنا.
في حين أن المرشد الذكي يقدم معلومات دقيقة وسريعة، ويحدث بشكل مستمر من بيانات المرشدين المرخصين. وهو لا يلغي دور المرشد البشري، بل يوجه المستخدم للتواصل مع “نسور السعودية” — مرشدين يقدمون تجربة غنية وحقيقية.
هدفنا أن تكون التقنية وسيلة لإبراز الإنسان، لا استبداله.
ما الأداة التي لاقت التفاعل الأكبر؟ ولماذا؟
التصوير كان أكثر أداة تفاعلية. الصور والمقاطع توصل المعلومة بأقوى طريقة، خصوصًا إذا كانت من مصادر محلية. نحن اعتمدنا على مرشدينا السعوديين. هم من يصورون ويشرحون الأماكن بطريقتهم، ويجعلون السائح يشعر وكأنه معهم.
هذا النوع من التصوير هو جسر ثقافي يربط بين الزائر وأهل المكان، ويُعزز تجربة الإرشاد السياحي المحلي.
كيف تخدم نسر المرشدين، السياح، والمنشآت السياحية؟
● المرشدون السياحيون:
نعتبرهم شركاءنا. ندربهم عبر برامج متنوعة، نسوق لهم، ونربطهم بالفرص. هدفنا تمكينهم ليكونوا وجه المملكة المشرّف.
● السياح:
نوفر لهم تجربة سياحية متكاملة تشمل الأدلة، الخرائط، التصوير، الإرشاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، لتكون تجربتهم أكثر سهولة وغنى.
● المنشآت السياحية:
نربطهم بمرشدين مؤهلين لتقديم تجربة مميزة لزوارهم. كما نتيح فرصًا إعلانية ذكية لهم عبر المنصة.
ما عدد المرشدين والشركاء؟ وما مستهدفكم القادم؟
أكثر من 720 مرشد سياحي من مختلف مناطق المملكة.
أكثر من 5200 متدرب.
أكثر من 100 شريك نجاح.
المستهدف للعام القادم:
دعم أكثر من 2000 مرشد سياحي سعودي.
بناء شبكة تتجاوز 400 شريك استراتيجي.
ما أهمية برامج أكاديمية نسر؟
هي مسؤولية وطنية قبل أن تكون فرصة تجارية. برامجنا تهدف لتأهيل المرشدين وتأمين وظائف نوعية لهم، بما يخدم رؤية 2030.
أكثر من 5200 متدرب استفادوا من دوراتنا التطبيقية، ورش العمل، والرحلات التعليمية. نحن لا نخرّج مرشدين فقط، بل نُخرج سفراء حقيقيين للسياحة السعودية.
ما دور الجهات الحكومية في دعمكم؟
•هيئة منشآت: نقطة انطلاق نسر من خلال المسابقة الريادية.
•صندوق التنمية السياحي: دعمنا بالتوجيه، الإرشاد، والتدريب، واخترنا ضمن أفضل 10 شركات سياحية ناشئة.
•وزارة السياحة: دعم مبادراتنا، وضمّنا لمبادرة توطين الأنشطة السياحية. شرفنا بلقاء مع معالي الوزير الذي يدعم القطاع الخاص بقوة.
هل حصلتم على تمويل استثماري؟ وما خطط التوسع؟
نعم، نعمل على إغلاق جولة Pre-seed بقيمة مليون ريال. حصلنا على مستثمرين مؤمنين برؤيتنا.
خططنا:
•تطوير التقنية (حجوزات، دفع، ذكاء اصطناعي).
•تحسين التشغيل وخفض التكاليف.
•تعزيز الشراكات.
•توسيع البرامج التدريبية.
•التوسع الجغرافي داخل السعودية.
•مستقبلًا: توسع إقليمي للأسواق المستهدفة.
كيف تساهم نسر في تحقيق رؤية 2030؟
نسر تواكب رؤية 2030 من خلال:
•رقمنة السياحة وخلق اقتصاد رقمي فعّال.
•تمكين الشباب السعودي بخلق وظائف نوعية.
•تشجيع السياحة الداخلية والتعريف بالهوية الوطنية.
•إبراز الثقافة السعودية عبر المرشدين والتجارب المحلية.
ما الدور الذي تطمح إليه نسر في جعل السعودية وجهة عالمية؟
نعم، لكن خلال السنوات الثلاث القادمة، سنركز على السعودية فقط. نريد تغطية كافة المناطق السياحية بمقار وشركات تشغيلية، ونقدّم خدمات تناسب خصوصية كل منطقة.
ما الابتكارات القادمة؟
•إطلاق “نسر 2.0”: تطبيق جديد شامل وسهل.
•إدخال الواقع المعزز والافتراضي لتجربة تفاعلية.
•دعم لغات متعددة لخدمة الزوار الدوليين.
ختامًا، أنا فخور بكوني جزء من هذا الجيل الطموح. نسر ليست مشروعي فقط، بل شراكة ومسؤولية وطنية. أشكر مجلة رواد الأعمال على هذه الفرصة. وأتمنى أن تكون قصتنا مصدر إلهام لكل رائد أعمال في المملكة.