في غمرة التحولات التي يشهدها المشهد الاقتصادي العالمي، لا تزال الجولات الاستثمارية في الشركات الناشئة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تحافظ على زخمها؛ حيث شهد الأسبوع الماضي إتمام 5 صفقات استثمارية جديدة، بلغ إجمالي قيمتها 95 مليون دولار أمريكي. ما يعكس ثقة المستثمرين المتزايدة في قدرة هذه الشركات على تحقيق نمو مستدام.
وتشير هذه الأرقام إلى أن قطاع الشركات الناشئة في المنطقة يواصل جذب اهتمام المستثمرين العالميين والإقليميين، مدفوعًا بالابتكارات التكنولوجية المتسارعة والفرص الواعدة التي توفرها الأسواق الناشئة. كما يعكس هذا الزخم الاستثماري الدور المحوري الذي تلعبه الشركات الناشئة في دفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة.
الجولات الاستثمارية
ووفقًا للبيانات التي جمعها “رواد الأعمال” في المنطقة؛ فإن هذه الجولات الاستثمارية تركز بشكلٍ أساسي على قطاعات التكنولوجيا المالية والتجارة الإلكترونية والخدمات اللوجستية والصحة الرقمية. كما يعكس هذا التوجه اهتمام المستثمرين بالحلول التقنية التي تستهدف تحديات حقيقية تواجه المجتمعات في المنطقة.
أضف على ذلك، فإن هذه الصفقات تأتي في ظل بيئة تشريعية وتنظيمية أكثر جاذبية للاستثمار في الشركات الناشئة؛ حيث تعمل العديد من الحكومات في المنطقة على تبسيط الإجراءات وتوفير الحوافز المالية لدعم هذا القطاع الحيوي. كما تساهم مبادرات ريادة الأعمال التي تطلقها الحكومات والمؤسسات الخاصة في خلق بيئة محفزة للإبداع والابتكار.
أداء قوي في قطاع الشركات الناشئة
في حين تشهد بعض القطاعات الأخرى تباطؤًا في النمو الاقتصادي؛ فإن قطاع الشركات الناشئة يواصل تحقيق أداء قوي؛ ما يؤكد مرونته وقدرته على التكيف مع التغيرات السريعة في البيئة الاقتصادية.
من ناحية أخرى، فإن هذه الجولات الاستثمارية تساهم في تعزيز مكانة المنطقة كمركز إقليمي للابتكار وريادة الأعمال. كما تجذب المزيد من الكفاءات والمواهب إلى المنطقة.
كذلك، فإن هذه الصفقات تفتح آفاقًا جديدة للتعاون بين الشركات الناشئة والشركات الكبرى؛ ما يساهم في تسريع وتيرة التحول الرقمي في مختلف القطاعات. بينما تعمل هذه الشركات على تطوير حلول مبتكرة لمواجهة التحديات العالمية؛ مثل تغير المناخ والأمن السيبراني.
المملكة تستحوذ على حصة الأسد
وقد استحوذت المملكة العربية السعودية على نسبة 71% من الجولات الاستثمارية التي شهدها الأسبوع الماضي؛ لتؤكد بذلك ريادتها في المنطقة كمركز جاذب للاستثمارات ورأس المال المخاطر.
ويأتي هذا الإقبال الاستثماري المكثف على الشركات السعودية ليعكس الثقة المتزايدة في قدرة المملكة على توفير بيئة استثمارية محفزة، تتميز بالاستقرار السياسي والاقتصادي، كما تتميز بالبنية التحتية المتطورة، والتشريعات الداعمة لقطاع الأعمال.
علاوة على ما فات؛ فإن هذا النشاط الاستثماري المكثف يأتي في ظل تحولات إيجابية تشهدها المنطقة. تتمثل في:
- تبني التقنيات الرقمية.
- دعم ريادة الأعمال.
- الإصلاحات الاقتصادية التي تسعى العديد من الحكومات في المنطقة إلى تنفيذها.
- وتساهم هذه التحولات في خلق بيئة محفزة للابتكار وريادة الأعمال. كما تعزز قدرة المنطقة على المنافسة في الاقتصاد العالمي.
من ناحية أخرى؛ فإن هذا النشاط الاستثماري المكثف ليس سوى بداية لحقبة جديدة من النمو والازدهار لقطاع الشركات الناشئة في المنطقة. ففي المستقبل القريب، من المتوقع أن تشهد المنطقة المزيد من الجولات الاستثمارية الضخمة التي تساهم في خلق فرص عمل جديدة، وتعزيز الابتكار، ودفع عجلة التنمية الاقتصادية المستدامة.
كما أن هذا النمو المتسارع لقطاع الشركات الناشئة سيساهم في حل العديد من التحديات التي تواجه المنطقة، مثل: البطالة والاعتماد على النفط.

5 جولات استثمارية
يتجلى بوضوح من خلال الأرقام الواردة في الجدول حجم الدعم المالي الهائل الذي تتدفق به الاستثمارات صوب الشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؛ ما يعكس ثقة متزايدة لدى المستثمرين في قدرة هذه الشركات على تحقيق قفزات نوعية في النمو وتغيير ملامح المشهد الاقتصادي في المنطقة.
| الشركة | الدولة | المجال | القيمة (بالدولار الأمريكي) |
| لين | السعودية | تقنية | 67.500.000 |
| UnifyApps | الإمارات | ذكاء اصطناعي | 20.000.000 |
| بيمو | الإمارات | تقنية مالية | 7.000.000 |
| Popcorn Ai | الإمارات | تجارة حوارية | 500.000 |
| افرشلي | مصر | منصة للتأثيث والديكور | غير معلنة |
| الإجمالي | 95.000.000 |
صفقات الاندماج والاستحواذ في المنطقة
أظهر تقرير حديث صادر عن شركة إرنست ويونغ (EY)، أن نشاط صفقات الاندماج والاستحواذ في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا حقق نموًا ملحوظًا خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2024. كما سجلت المنطقة 522 صفقة بقيمة إجمالية بلغت 71 مليار دولار أمريكي. بارتفاع نسبته 9% في عدد الصفقات و7% في قيمتها مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
الإمارات والسعودية تتصدران المشهد
وبحسب التقرير، فقد تصدرت دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية قائمة الوجهات المفضلة للمستثمرين في المنطقة. كما يعزى ذلك إلى السياسات الاقتصادية المشجعة للأعمال التي تتبعها هاتان الدولتان. واستحوذتا الإمارات والسعودية مجتمعتين على 52% من حجم الصفقات و81% من قيمتها في المنطقة.
كما لعبت صناديق الثروة السيادية في المنطقة؛ مثل: جهاز أبوظبي للاستثمار وشركة مبادلة من الإمارات العربية المتحدة، وصندوق الاستثمارات العامة من المملكة العربية السعودية، دورًا محوريًا في دفع عجلة صفقات الاندماج والاستحواذ. وذلك من خلال استثمارها في قطاعات متنوعة لدعم استراتيجياتها الاقتصادية الطموحة.
الاندماج والاستحواذ العابر للحدود يحفز النمو
ساهمت صفقات الاندماج والاستحواذ العابرة للحدود بشكلٍ كبير في النمو الذي شهدته المنطقة. وقد شكلت هذه الصفقات نسبة 52% من حجم الصفقات و73% من قيمتها الإجمالية. كما يعكس هذا الاتجاه رغبة الشركات في التوسع في أسواق جديدة وتعزيز مكانتها العالمية.
وبالتوازي مع النمو في الصفقات العابرة للحدود، شهدت صفقات الاندماج والاستحواذ المحلية نموًا قويًا بنسبة 44% لتصل إلى 19.3 مليار دولار أمريكي. ويرجع ذلك إلى زيادة الاستثمارات الحكومية في قطاعات حيوية؛ مثل: النفط والغاز والمعادن والتعدين والمواد الكيميائية.
10 صفقات اندماج واستحواذ
شهدت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري 2024 نشاطًا مكثفًا في مجال الاندماج والاستحواذ؛ حيث حظيت دول مجلس التعاون الخليجي بأكبر حصة في هذه الصفقات. كما تشير البيانات إلى أن عشرة من أكبر الصفقات في المنطقة تم إبرامها بين الشركات الخليجية. وهذا يعكس جاذبية هذه الأسواق وقدرتها على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
قطاع التأمين والنفط والغاز يقودان الحركة الاستثمارية
أظهر تحليل للبيانات أن قطاعي التأمين والنفط والغاز كانا الأكثر جاذبية للمستثمرين خلال الفترة المذكورة؛ حيث استحوذت الصفقات في هذين القطاعين على نسبة 34% من إجمالي قيمة الصفقات المعلنة. ويعكس هذا التركيز اهتمام المستثمرين بفرص النمو المتاحة في هذين القطاعين الحيويين. خاصة في ظل التحولات التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية.
صفقة “ترويست إنشورانس” تتصدر القائمة
حققت صفقة الاستحواذ على شركة “ترويست إنشورانس هولدينز” في شهر فبراير الماضي أكبر قيمة بين صفقات الاندماج والاستحواذ في المنطقة؛ حيث بلغت قيمة الصفقة 12.4 مليار دولار أمريكي. وقام بالاستحواذ على الشركة onsortium كلًا من “كلايتون دوبيلير آند رايس” وشركة “ستون بوينت كابيتال” و”مبادلة للاستثمار”. وهذا يعكس الثقة التي يتمتع بها قطاع التأمين في المنطقة.
“أرامكو السعودية” تسجل أكبر صفقة محلية
وعلى الصعيد المحلي، سجلت المملكة العربية السعودية أكبر صفقة معلنة؛ حيث استحوذت شركة “أرامكو السعودية” على حصة 22.5% في شركة “رابغ للتكرير والبتروكيماويات” مقابل 8.9 مليار دولار أمريكي. وتأتي هذه الصفقة في إطار استراتيجية “أرامكو” لتعزيز حضورها في قطاع التكرير والبتروكيماويات.
“مبادلة للاستثمار” لاعب رئيسي في السوق
ولعبت شركة “مبادلة للاستثمار” دورًا بارزًا في صفقات الاندماج والاستحواذ خلال الفترة المذكورة؛ حيث شاركت في عدد من الصفقات الكبرى. بما في ذلك صفقة الاستحواذ على شركة “ترويست إنشورانس”. وصفقة الاستحواذ على حصة في وحدة مراكز التسوق التابعة لمجموعة “تشوهاي واندا” الصينية. ويعكس هذا النشاط الطموح الذي تتبناه “مبادلة” لتعزيز استثماراتها في مختلف القطاعات.
صفقة ضخمة في قطاع التجزئة
في شهر مارس 2024، أبرمت صفقة استحواذ ضخمة على حصة نسبتها 60% في وحدة مراكز التسوق التابعة لمجموعة “تشوهاي واندا” الصينية للإدارة التجارية؛ حيث قام بالاستحواذ على هذه الحصة onsortium يضم كلًا من “الاستثمار المباشر بي إيه جي (PAG)” و”مبادلة للاستثمار” و”جهاز أبوظبي للاستثمار”. كما تشير هذه الصفقة إلى اهتمام المستثمرين بقطاع التجزئة في المنطقة وتوقعاتهم بنمو هذا القطاع في المستقبل.

في ختام هذا الطرح، تتضح لنا الصورة الواضحة لزخم استثمارات رأس المال المخاطر في قطاع الشركات الناشئة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. هذا الزخم ليس وليد اللحظة؛ بل هو نتاج جهود حثيثة من الحكومات والشركات والمستثمرين لبناء بيئة أعمال محفزة للإبداع والابتكار.
ويعكس التركيز المتزايد على قطاعات التكنولوجيا المالية والتجارة الإلكترونية والخدمات اللوجستية والصحة الرقمية مدى إدراك المستثمرين لأهمية هذه القطاعات في تشكيل مستقبل الاقتصادات الإقليمية. كما أن الدعم الحكومي المتزايد وتبسيط الإجراءات التنظيمية قد لعب دورًا حيويًا في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
ولا شك أن هذه الجولات الاستثمارية الضخمة ستساهم في تسريع وتيرة التحول الرقمي في المنطقة. وخلق فرص عمل جديدة، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصادات الإقليمية على الساحة العالمية. ومع استمرار هذا الزخم الإيجابي، يمكننا أن نتوقع أن تشهد المنطقة المزيد من النمو والازدهار في السنوات القادمة.


