في غمرة الجهود التي تبذلها الدول العربية لتنويع اقتصاداتها وتحفيز الابتكار يواجه رواد الأعمال الطموحون شبكة معقدة من التحديات القانونية التي تعوق زخمهم وتبطئ نمو مشروعاتهم الريادية.
وعلى الرغم من المساعي الحكومية المتزايدة لتحسين بيئة الأعمال وجذب الاستثمارات تظهر التقارير الدولية أن ما يقارب 30% من الشركات الناشئة في المنطقة العربية تلاقي حتفها خلال عامها الأول، ويعزى جزء كبير من هذا الفشل إلى عقبات تنظيمية وتشريعية، وفقًا لتقرير ممارسة أنشطة الأعمال 2023 الصادر عن البنك الدولي.
هذه التحديات القانونية لرواد الأعمال لا تقتصر على مجرد تعقيد الإجراءات البيروقراطية، بل تمتد لتشمل غياب أطر تشريعية شاملة تواكب روح العصر الرقمي. وتضاربًا في القوانين المحلية، وصعوبة بالغة في إنفاذ العقود المبرمة.
وبينما تتبوأ دول، مثل: السعودية والإمارات والبحرين، صدارة المؤشرات الإقليمية في سهولة ممارسة الأعمال، ما زالت دول عربية كبرى تعاني من فجوة واضحة في هذا الصدد. ما يؤثر سلبًا في قدرتها على جذب الاستثمارات وتعزيز الابتكار.
التحديات القانونية لرواد الأعمال
علاوة على ذلك تشكل التحديات القانونية لرواد الأعمال عائقًا أمام تفعيل القدرات الكامنة للمنطقة في مجال الابتكار والتحول الرقمي. فالصعوبات التي يواجهها رواد الأعمال في التعامل مع الأنظمة القانونية المعقدة تقلل من جاذبية المنطقة كوجهة للاستثمار في الشركات الناشئة. ما يبطئ من وتيرة التطور الاقتصادي والاجتماعي الذي تسعى إليه الدول العربية.
من ناحية أخرى لا تزال العديد من القوانين واللوائح القائمة غير مواكبة للتغيرات السريعة في عالم الأعمال الرقمي. وهو ما يضع قيودًا إضافية على رواد الأعمال الذين يعتمدون على التكنولوجيا الحديثة. فالغياب الواضح لأطر قانونية حديثة تتعامل مع التجارة الإلكترونية، وحماية البيانات، والعملات الرقمية، يمثل أبرز التحديات القانونية لرواد الأعمال في المنطقة. ما يجعل بيئة العمل أقل استقرارًا وشفافية.

تعقيدات تأسيس وتسجيل الشركات
يعد تعقيد إجراءات التأسيس والتسجيل من أبرز العقبات التي تواجه رواد الأعمال العرب. وفي هذا الجانب يشير تقرير البنك الدولي لعام 2024 إلى أن متوسط الوقت المستغرق لتسجيل شركة في الدول العربية يبلغ 24 يومًا، في مقابل 7 أيام فقط في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
وبالإضافة إلى ذلك فإن التكلفة الباهظة لتأسيس الشركات، التي تصل في بعض الدول إلى 25% من الدخل القومي للفرد، تشكل عبئًا ماليًا كبيرًا على رواد الأعمال في بداية مسيرتهم. بينما تتطلب عملية التسجيل مراجعة ما بين 5 و8 جهات حكومية مختلفة، منها وزارات التجارة والضرائب والبلديات وهيئات التأمينات، ما يضاعف من الجهد والوقت المطلوبين.
إشكالية التمويل والضمانات
يواجه رواد الأعمال صعوبات جمة في الحصول على التمويل اللازم لمشاريعهم. ويعود ذلك جزئيًا إلى غياب سجلات ائتمانية شاملة. وفي هذا السياق تفيد تقارير صندوق النقد العربي لعام 2023 بأن 70% من الشركات الناشئة لا تستطيع الوصول إلى التمويل البنكي بسبب عدم وجود ضمانات كافية.
فيما يتم فرض قيود على الاستثمار الأجنبي في قطاعات رئيسية، مثل: التجزئة والنقل والإعلام في العديد من الدول العربية. ما يقلص من فرص الحصول على رؤوس أموال أجنبية. وفي المقابل تعاني أسواق الأوراق المالية المخصصة للشركات الصغيرة من ضعف واضح؛ حيث تقتصر المنصات المتاحة للشركات الناشئة على ثلاث أسواق فقط في السعودية ومصر والإمارات.
متاعب النظام الضريبي والجمركي
يشكل عدم الاستقرار الضريبي تحديًا كبيرًا لرواد الأعمال؛ حيث أفاد 48% منهم في استطلاع للمركز العربي للبحوث القانونية والقضائية عام 2023 بتغيير أنظمة الضرائب بشكلً مفاجئ خلال العام ذاته.
وفي خضمّ ذلك تضيف الإجراءات الضريبية المعقدة، كتطبيق الفاتورة الإلكترونية في دول، مثل مصر والمغرب، تحديات تقنية وقانونية جديدة. ومن الضروري معالجة إشكالية الازدواج الضريبي الذي قد يقع بين المحافظات أو بين القطاعات في بعض الأنظمة. ما يزيد من الأعباء المالية والإدارية على الشركات الناشئة.
صعوبة إنفاذ العقود وحماية الملكية الفكرية
تعد صعوبة إنفاذ العقود من المشاكل الرئيسية التي تواجه رواد الأعمال؛ حيث يستغرق تسوية النزاعات التجارية في المتوسط 650 يومًا، وفقًا لتقرير البنك الدولي لعام 2023. بينما تسجل المنطقة العربية أقل معدلات براءات الاختراع عالميًا. وهو ما يشير إلى ضعف حماية الملكية الفكرية. وذلك بناءً على تقرير المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO) لعام 2024.
وبالإضافة إلى ذلك لا يعترف بالتوقيع الإلكتروني في 60% من الدول العربية عند تسوية النزاعات التجارية. وذلك يعطل التحول الرقمي ويزيد من المخاطر القانونية.
كما تعد صعوبة الحصول على تأشيرات العمل، خاصة للشركات الناشئة ذات رأس المال المحدود، تحديًا إضافيًا. ومن الضروري الإشارة إلى عدم مرونة عقود العمل، التي تصعب إنهاء العقد أو تعديله بما يتناسب مع احتياجات النمو المتغيرة للمشاريع الناشئة.
تحديات خاصة بالمرأة والشباب
تشير تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2024 إلى وجود قيود خاصة تواجه رائدات الأعمال والشباب. ففي 40% من الدول العربية تفرض قيود على ملكية المرأة للأصول. ما يحد من قدرتها على تقديم الضمانات اللازمة للحصول على التمويل.
وفي المقابل يشترط موافقة ولي الأمر لتسجيل شركات للشباب تحت 21 سنة في 7 دول عربية. ما يعوق استقلاليتهم في تأسيس مشاريعهم. وبالإضافة إلى ذلك لا توجد تشريعات واضحة لمنع التمييز في التمويل أو التراخيص. ما يقلل من فرص المساواة في بيئة الأعمال.
وعلى الرغم من التحديات تبذل بعض الجهود لإصلاح البيئة القانونية. ففي السعودية تتيح منصة “مراس” تسجيل الشركات في 3 دقائق، بينما في مصر، يساهم قانون الاستثمار الجديد في تخفيض ضرائب الشركات إلى 22.5%، إلا أن بطء التقاضي التجاري ما زال يشكل عقبة.
في حين أقر الأردن قانون الشركات الناشئة الذي يقدم إعفاءً ضريبيًا لمدة 10 سنوات، لكن صعوبة تحويل الأرباح للخارج تبقى تحديًا. أما الإمارات فأطلقت تأشيرات “رواد الريادة” لمدة 5 سنوات، ورغم ذلك، تشكل ارتفاع تكاليف التوظيف عقبة أمام العديد من الشركات الناشئة.

بين الإرادة السياسية وتعقيدات التنفيذ
رغم الإصلاحات التشريعية الواعدة لا تزال الفجوة بين التشريعات المكتوبة وتطبيقها على أرض الواقع هي التحدي الأكبر. فنجاح ريادة الأعمال العربية مرهون بتحويل القوانين من “عقبات” إلى “منصات انطلاق”. وذلك من خلال تبسيط الإجراءات بشكل جذري، فلا يعقل أن يستغرق إغلاق شركة وقتًا أطول من تأسيسها.
علاوة على ذلك ينبغي تحديث أنظمة الملكية الفكرية لضمان حماية الابتكار وتشجيع الإبداع. وأخيرًا من الضروري إشراك القطاع الخاص في صياغة التشريعات لضمان تلبية احتياجات رواد الأعمال الفعلية.


