بتحوّل لافتٍ، تسارع شركة علي بابا لتصبح رائدة في مجال الذكاء الاصطناعي، وهو ما يعيد إشعال ثقة المستثمرين بها على نطاق واسع. هذه القفزة النوعية لم تسفر عن ارتفاعٍ قياسي لأسهم الشركة في هونج كونج فحسب، بل جلبت معها دعمًا قويًا من واحدةٍ من أبرز المستثمرين في قطاع التكنولوجيا، وهي كاثي وود.
ومن هذا المنطلق، تشكّل استثمارات الذكاء الاصطناعي هذه شهادةً على قدرة الشركة على التكيف مع متطلبات السوق الجديدة، لتُثبت أن الابتكار هو المحرك الحقيقي للنمو والنجاح.
أدت استثمارات الذكاء الاصطناعي الطموحة لمجموعة علي بابا، إلى جانب دعم واحدة من أبرز المستثمرين العالميين في قطاع التكنولوجيا، إلى ارتفاع أسهم الشركة في هونج كونج إلى أعلى مستوى لها منذ أربع سنوات. هذا الارتفاع ليس مجرد صدفة، بل هو نتيجة مباشرة للتوجه الإستراتيجي الجديد للشركة، الذي يضع الذكاء الاصطناعي في صميم خططها المستقبلية.
تصويت بالثقة في مستقبل الشركة
قامت كاثي وود؛ مديرة الصناديق الأمريكية الشهيرة ومؤسسة شركة Ark Investment Management، بشراء أسهم في علي بابا بقيمة 16.3 مليون دولار أمريكي، في أول استثمار لها بالشركة الصينية العملاقة منذ أربع سنوات. هذا الاستثمار الضخم اعتبر تصويتًا صريحًا بالثقة في تركيز الشركة على الذكاء الاصطناعي وخدمات التوصيل عند الطلب. وهما القطاعان اللذان تعول عليهما علي بابا لتحقيق النمو المستقبلي.
توزعت استثمارات الذكاء الاصطناعي عبر صندوقين تابعين لـ وود؛ حيث استثمر صندوق Ark Fintech Innovation ETF ما قيمته 8.18 مليون دولار في إيصالات الإيداع الأمريكية (ADRs) الخاصة بعلي بابا، بينما استثمر صندوق Ark Next Generation Internet ETF نحو 8.1 مليون دولار في اليوم نفسه، وذلك وفقًا للتقارير الرسمية لحيازات الصندوقين، ما يعكس اقتناع وود القوي بمسار الشركة الجديد.
زخم صاعد في أسواق الأسهم
ارتفعت أسهم علي بابا المدرجة في هونج كونج بنسبة 9.2% لتغلق عند 174 دولار هونج كونجي اليوم الأربعاء، وهو أعلى إغلاق منذ 25 سبتمبر 2021. رغم أن التداول استمر في المدينة برغم أقوى إعصار يضربها منذ عام 2018. وفي المقابل، تراجعت إيصالات الإيداع الأمريكية بنسبة 0.7% لتغلق عند 163.08 دولار أمريكي في نيويورك أمس الثلاثاء، لكنها بقيت أيضًا قرب أعلى مستوى في أربع سنوات.
وتجدر الإشارة إلى أن كل ثماني أسهم في هونج كونج يمكن تحويلها إلى إيصال إيداع أمريكي واحد. ما يربط بشكل مباشر بين أداء الأسهم في السوقين. وتعكس هذه الارتفاعات المتزامنة إجماع المستثمرين على أن علي بابا تسير في الاتجاه الصحيح.
عودة المستثمرين الأجانب إلى الصين
عودة وود للاستثمار في علي بابا تعزز حجج البنوك الاستثمارية العالمية، مثل جولدمان ساكس، التي أشارت إلى أن اهتمام المستثمرين الأجانب بالأسهم الصينية بدأ يتعافى بعد سنوات من التراجع. كان هذا التراجع سببه الحملة التنظيمية على قطاع التكنولوجيا والتباطؤ الاقتصادي، ولكنه يتغير الآن.
وشهد مؤشر الأسهم الصينية المقومة باليوان صعودًا كبيرًا الشهر الماضي إلى أعلى مستوى له منذ عقد. فيما شهدت أسهم شركات التكنولوجيا الصينية في هونج كونج ارتفاعات ملحوظة مدفوعة بعزم بكين على إنعاش النمو الاقتصادي وتسريع الابتكار التكنولوجي. هذه العوامل مجتمعة تخلق بيئة مواتية لعودة الثقة في السوق الصيني.
تاريخ من التبصر الاستثماري
وود، البالغة من العمر 69 عامًا، معروفة بمهارتها في اختيار الأسهم خاصة في قطاع التكنولوجيا. وقد استثمرت لأول مرة في علي بابا عام 2014 بعد فترة وجيزة من إدراجها في الولايات المتحدة. لكنها لم تُسجل أي استثمارات لها بعد سبتمبر 2021، وهي الفترة التي تعرضت فيها كبريات شركات التكنولوجيا الصينية لضغوط حكومية تهدف إلى كبح توسعها غير المنضبط.

ويؤكد هذا الانسحاب المؤقت، ثم العودة القوية، أن وود تراقب التطورات عن كثب، وأن قرارها بالعودة للاستثمار ليس مجرد خطوة عشوائية، بل هو مبني على تحليل دقيق للسياسات الحكومية وتوجهات الشركة الجديدة، خاصة فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي.
طموح قيادي في مجال الحوسبة السحابية
ارتفعت أسهم علي بابا يوم الأربعاء بعد إعلانها عن خطة لزيادة استثماراتها في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. متجاوزة الـ 380 مليار يوان (53 مليار دولار) التي كانت قد التزمت بها في السنوات الثلاث المقبلة. هذا الالتزام المالي الكبير يؤكد جدية الشركة في سعيها للسيطرة على هذا القطاع.
وفي هذا الإطار، كشف الرئيس التنفيذي إدي وو يونجمينج، خلال مؤتمر “أبسارا” في مدينة هانجتشو بمقاطعة تشجيانج، أن الهدف هو بناء وحدة السحابة التابعة للشركة لتصبح “المزود الرائد عالميًا لخدمات الذكاء الاصطناعي الكاملة”. بدءًا من قدرات الحوسبة وصولًا إلى النماذج. هذا الطموح يضع علي بابا في مواجهة مباشرة مع عمالقة التكنولوجيا العالميين.
الذكاء الاصطناعي كمحرك للنمو
تعبير “إدي وو يونجمينج” عن رؤية الشركة كان واضحًا وصريحًا عندما قال: “هذا هو مستقبلنا ومستقبل علي بابا. فالذكاء الاصطناعي ارتقى من مستوى طالب ثانوي إلى مستوى متطور عالميًا. هذه الصناعة هي أسرع وسيلة لفهم المستخدمين. ونحن نعتقد أن معدل الاختراق سيتجاوز كل الأرقام التاريخية”.
لقد تسارع زخم أسهم علي بابا هذا الشهر بعد أن أظهر التقرير الفصلي للشركة نموًا متسارعًا في أعمال الحوسبة السحابية، ونجاحًا أوليًا في قطاع التجارة الفورية. وهو قسم جديد لخدمات توصيل الطعام ينافس شركة Meituan. هذه النتائج الإيجابية تعزز ثقة المستثمرين وتدفع أسهم الشركة نحو مستويات جديدة.
تحليل من الخبراء ومقارنات استثمارية
جاء في تقرير لشركة Jefferies يوم الثلاثاء: “لدى علي بابا محركات نمو متعددة للسنوات المقبلة. مع كون سوقها الأساسية مصدرًا قويًا للتدفقات النقدية يتمتع بزخم نمو مستدام مدفوعًا بترقية الاستهلاك في الصين. بفضل التنفيذ القوي والتفوق التكنولوجي في رقمنة قطاع التجزئة بكفاءة عالية. وفي مجال الحوسبة السحابية، تتمتع علي بابا بقيادة واضحة باعتبارها العمود الفقري للرقمنة في مختلف الصناعات”.
عودة وود إلى علي بابا تتناقض مع انسحاب بيركشاير هاثاواي التابعة لـ “وارن بافيت” مؤخرًا من شركة BYD بعد 17 عامًا من الاستثمار. وذلك مع دخول صانعة السيارات الكهربائية الصينية في حرب أسعار وانخفاض أرباحها. هذا التباين في القرارات الاستثمارية يعكس استراتيجيات مختلفة للمستثمرين الكبار.
أداء صناديق وود
تدير شركة Ark Investment Management التابعة لوود 16 صندوقًا بإجمالي أصول مدارة يبلغ 29.1 مليار دولار، وفقًا لبيانات بلومبرج. وقد حقق صندوق Ark Fintech Innovation ETF (بأصول تبلغ 1.5 مليار دولار) عائدًا بنسبة 52% هذا العام. بينما ارتفع صندوق Ark Next Generation Internet ETF (بأصول 2.6 مليار دولار) بنسبة 58%. وهما عائدان يتفوقان بشكل كبير على مكاسب مؤشر S&P 500 البالغة 14%.
هذا الأداء القوي لصناديق وود يعزز مكانتها كواحدة من أكثر المستثمرين تأثيرًا في القطاع التكنولوجي. وتشمل أكبر استثمارات الصندوقين كبرى الشركات مثل تسلا، ومنصة التجارة الكندية Shopify، وشركة الإلكترونيات الاستهلاكية الأمريكية Roku. ما يظهر تنوع محفظتها الاستثمارية وتركيزها على الابتكار.


