تحول الإنترنت من مجرد دليل للمواقع إلى عالم مترامي الأطراف من الابتكار الرقمي والخدمات المتشعبة، وهو تحول عملاق قاده بجدارة رائد الأعمال جيري يانغ الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي السابق لعملاق الإنترنت الذي وضع بصمته في التاريخ الرقمي، “ياهو”.
هذا المبرمج والملياردير، لم يكتفِ بوضع حجر الأساس لتأسيس واحدة من أيقونات عصر الدوت كوم الأبرز. بل رسم بذكائه الإستراتيجي ملامح الاستثمار العالمي الذي غيّر خارطة التجارة الإلكترونية. فكان مثالًا نموذجيًا للمؤسس العظيم الذي يبتكر مخططات ما هو ممكن على الشبكة العنكبوتية.
ويعد جيري يانغ، الذي يجسّد شخصية محورية في تاريخ الإنترنت الحديث، نموذجًا بارعًا يجمع بين براعة المبتكر وقدرة المستثمر المخاطر. فإلى جانب ذلك، يمارس يانغ، وهو ملياردير أمريكي من أصول تايوانية، مهامّه حاليًا كمبرمج حاسوبي، ورائد أعمال، ومستثمر مغامر. وتبلغ صافي ثروته التقديرية 3.1 مليار دولار، وذلك اعتبارًا من مايو 2025.

الحياة المبكرة والتعليم
ولد جيري يانغ في السادس من نوفمبر عام 1968م، في تايبيه، بتايوان. فقد يانغ والده وهو في الثانية من عمره، ونشأ في كنف والدته التي عملت أستاذة في اللغة الإنجليزية والدراما. وفي عام 1978، اتخذت والدته قرار الهجرة الصعب بنقل العائلة إلى سان خوسيه بولاية كاليفورنيا بحثًا عن فرص تعليمية أفضل.
وبعد وصوله إلى الولايات المتحدة، لم يكن يانغ يتقن سوى كلمة إنجليزية واحدة. لكنه سرعان ما أظهر قدرة استثنائية على التعلم؛ حيث أتقن اللغة الإنجليزية بطلاقة في غضون نحو ثلاث سنوات فقط. هذه القدرة على التكيف كانت مؤشرًا مبكرًا على ذكائه.
وبعد تخرّجه من مدرسة بيدمونت هيلز الثانوية بتفوق، التحق بجامعة ستانفورد؛ حيث أظهر نبوغًا أكاديميًا لافتًا بحصوله في أربع سنوات فقط على درجتي البكالوريوس والماجستير في الهندسة الكهربائية. وأثناء دراسته المتقدمة، التقى بزميله المؤسس المستقبلي لياهو، ديفيد فيلو. كما التقى بزوجته المستقبلية أكيكو يامازاكي خلال برنامج تبادل أكاديمي في اليابان عام 1992م.
المسيرة المهنية وتأسيس ياهو!
بدأت مسيرة جيري يانغ المهنية من رحم جامعة ستانفورد في عام 1994م؛ حيث أنشأ رفقة ديفيد فيلو موقعًا إلكترونيًا بسيطًا كان بمثابة “دليل جيري وديفيد إلى الشبكة العنكبوتية العالمية”. ومع التزايد السريع في شعبية الدليل، تم تغيير اسمه لاحقًا إلى “Yahoo! Inc”. وفي أبريل 1995م، حصلت الشركة على استثمار أساسي من شركة Sequoia Capital، لتتخذ مسارها نحو النمو المؤسسي.
طُرحت ياهو للاكتتاب العام في أبريل 1996 بـ 49 موظفًا فقط، مسجلةً بذلك إحدى أبرز قصص النجاح في عصر الدوت كوم. وخلال سنواته في ياهو، شغل يانغ منصب الرئيس التنفيذي بين عامي 2007 و2009 في مرحلة حرجة للشركة. وبعد مغادرته ياهو! في عام 2012، تحول ليصبح مستثمرًا نشطًا ومرشدًا للشركات الناشئة في قطاع التكنولوجيا عبر شركته الاستثمارية AME Cloud Ventures. وتركز هذه الشركة بشكلٍ خاص على الاستثمار في شركات البيانات الضخمة والحوسبة السحابية. وقد نجحت في تمويل أكثر من 50 شركة ناشئة، كان من بينها شركات كبرى مثل Zoom.
الاستثمار والرؤية الإستراتيجية في علي بابا
وتعد صفقة علي بابا هي الإنجاز الاستثماري الأبرز في مسيرة يانغ. فبعد لقائه بمؤسس “علي بابا” جاك ما في الصين عام 1997 وتكوين صداقة قوية بينهما، أدرك يانغ الإمكانات الهائلة للسوق الآسيوي.
وبناءً على هذه الرؤية المتبصرة، وفي عام 2005، اشترت ياهو! حصة بلغت 40% في “علي بابا” مقابل مليار دولار. بالإضافة إلى أصول “ياهو! الصين”، وهذا الاستثمار تحول إلى كنز إستراتيجي هائل. ففي عام 2012، باعت ياهو جزءًا من حصتها محققة 7.6 مليار دولار، ثم حققت 9.4 مليار دولار إضافية من طرح “علي بابا” للاكتتاب العام في عام 2014. وقد وصف خبراء ماليون هذا الاستثمار بأنه “أفضل استثمار قامت به شركة أمريكية في الصين”. ما أكد على عبقرية يانغ الاستراتيجية.
التحديات والخلافات الحكومية
لم تخل مسيرة يانغ من تحديات وخلافات حادة. ففي خريف 2005، ظهر أن ياهو! تعاونت مع السلطات الصينية في اعتقال الصحفي الصيني شي تاو عام 2004 بعد أن زودت السلطات ببيانات بريده الإلكتروني. وبرّر يانغ تصرفه قائلًا: “لكي نزاول الأعمال في الصين، علينا الالتزام بالقوانين المحلية”. ولكن هذا الموقف جلب عليه انتقادات لاذعة من منظمات حقوق الإنسان.
ونتيجة لذلك، واجه يانغ استجوابًا أمام الكونجرس الأمريكي في نوفمبر 2007؛ حيث اضطر للاعتذار أمام والدة تاو. وبعد فترة وجيزة، توصلت ياهو! إلى تسوية مع الصحفيين المتضررين، وأسس يانغ “صندوق ياهو! لحقوق الإنسان” لتقديم الدعم القانوني والإنساني للمعارضين عبر الإنترنت. محاولًا إصلاح الضرر الناجم عن هذه القضية المعقدة.
مفاوضات مايكروسوفت والخروج من ياهو!
تمثل أزمة عرض الاستحواذ من مايكروسوفت تحديًا إداريًا كبيرًا ليانغ. ففي فبراير 2008، قدمت مايكروسوفت عرضًا مغريًا وغير مرغوب فيه لشراء ياهو! مقابل 44.6 مليار دولار. وهو ما فاق القيمة السوقية للشركة آنذاك بنسبة 62%. يانغ رفض هذا العرض القوي، ما أدى إلى انهيار أسهم ياهو! وتعرضه لانتقادات واسعة وحادة من المستثمرين.
وعلى الرغم من محاولته إبرام اتفاق شراكة إعلانية مع جوجل كبديل، إلا أن هذه المفاوضات توقفت. وفي نهاية المطاف، وتنفيذًا لضغط المستثمرين، تنحى يانغ عن منصب الرئيس التنفيذي في عام 2009. ولكنه ظل في مجلس الإدارة حتى يناير 2012؛ حيث أعلن مغادرته النهائية للشركة واستقالته من جميع مناصبه فيها. منهيًا بذلك حقبة من تاريخ الإنترنت.

الإنجازات والمناصب الشرفية
وإلى جانب إنجازاته التأسيسية والاستثمارية، لا يزال يانغ يتمتع بوزن كبير في عالم الأعمال. فقد شغل ويشغل مناصب مهمة في مجالس إدارة كبرى الشركات. بما في ذلك عودته لعضوية مجلس إدارة مجموعة “علي بابا” منذ عام 2014 وشركة Workday, Inc.، كما شغل عضوية مجالس إدارة شركات مثل سيسكو ولينوفو سابقاً.
كما يمتد تأثيره إلى المؤسسات التعليمية؛ حيث كان عضوًا فاعلًا في مجلس أمناء جامعة ستانفورد. وتولى رئاسة المجلس في الفترة ما بين (2021–2025). وتظهر مسيرة جيري يانغ أنه لم يكن مجرد مبرمج أسس شركة إنترنت ناجحة، بل كان رائد أعمال بأسلوب إستراتيجي. يجمع بين الابتكار التقني وعبقرية الاستثمار، ليظل اسمه مرتبطًا بتحولات جذرية شكلت وجه الإنترنت والاقتصاد الرقمي.


