كشف الأداء الاستثنائي لبنك جولدمان ساكس خلال عام 2025 عن تحولات عميقة تشهدها سوق الاندماج والاستحواذ العالمية. حيث أعاد البنك الأمريكي العملاق فرض هيمنته على صدارة التصنيفات الدولية.
وذلك ليستفيد من طفرة غير مسبوقة في الصفقات العملاقة، وبيئة سياسية وتنظيمية أكثر مرونة. إلى جانب وفرة السيولة التي دفعت الشركات الكبرى إلى تسريع وتيرة التوسع والاندماج.
وبحسب تقرير موسّع نقلته «رويترز» استطاع جولدمان ساكس أن ينتزع المركز الأول عالميًا في جداول ترتيب صفقات الاندماج والاستحواذ خلال عام 2025. متقدمًا على منافسين تاريخيين، في عام اتسم بدراما سياسية عالية المخاطر. وتزايد شهية الشركات لعقد صفقات ضخمة ذات تأثير استراتيجي بعيد المدى.
كما يجسد هذا التفوق النوعي في جوهره ثورة بنيوية طالت آليات العمل في الأسواق الدولية. حيث لم تعد الاندماجات الكبرى مجرد صفقات عارضة بل أصبحت الركيزة الأساسية لإعادة تشكيل القطاعات الحيوية.
في حين بناءً على ذلك تعززت القدرات التنافسية للشركات التي اختارت النمو المتسارع وسيلة لمواجهة التحديات. ما جعل من عام 2025 محطة فاصلة في تاريخ الهيكلة الاقتصادية العالمية بقيادة جولدمان ساكس.
صفقات الـ 10 مليارات دولار
بينما عزز الارتفاع القياسي في عدد الصفقات التي تجاوزت قيمتها حاجز الـ 10 مليارات دولار مكانة جولدمان ساكس الراسخة في القمة. فبلغت حصيلة هذه العمليات 68 صفقة خلال عام 2025 بقيمة إجمالية ناهزت 1.5 تريليون دولار.
وبمقارنة تلك الأرقام مع العام السابق نجد أن القيمة تضاعفت بشكلٍ كبير.
واستنادًا إلى بيانات مجموعة LSEG تولى المصرف الأمريكي تقديم الاستشارات المالية لـ 38 صفقة من هذه التحالفات العملاقة. محققًا بذلك الرقم الأعلى بين كل البنوك الاستثمارية حول العالم بإجمالي صفقات مُستشار عليها بلغ 1.48 تريليون دولار.
ومن المثير للاهتمام أن هذا الأداء يصنف تاريخيًا باعتباره الأقوى على الإطلاق. من حيث حجم صفقات “الميجا” منذ انطلاق عمليات تسجيل البيانات المالية في عام 1980م.
وعلى صعيد التحليل القيادي وصف ستيفان فيلدجويز؛ الرئيس العالمي المشارك لعمليات الاندماج والاستحواذ في جولدمان ساكس. هذه الفترة بأنها “عام استثنائي” بامتياز في تاريخ النشاط المصرفي.
وبحسب رؤيته الفنية فإن توفر رؤوس الأموال الضخمة وتنامي مستويات اليقين لدى المستثمرين شكلا القوة الدافعة والمحرك الأساسي الذي أعاد رسم ملامح سوق الاستحواذات العالمية بهذا الشكل غير المسبوق.
صدارة الرسوم وحصص السوق
جاء تتويج تفوق جولدمان ساكس عبر هيمنته المطلقة على مسارين محوريين في سوق الاندماج والاستحواذ العالمي. وهما حجم الإيرادات المتأتية من الرسوم والقيمة الإجمالية للصفقات المبرمة.
واستطاع البنك حصد رسوم استشارية بلغت 4.6 مليارات دولار، محققًا بذلك فجوة كبيرة عن أقرب منافسيه جيه بي مورجان الذي سجل 3.1 مليارات دولار. ومورجان ستانلي الذي حل ثالثًا برصيد 3 مليارات دولار.
وشغل بنك سيتي المركز الرابع بإيرادات وصلت إلى ملياري دولار، متبوعًا بمجموعة إيفركور التي حققت 1.7 مليار دولار. وهو ما يبرز بوضوح شراسة التنافس بين أقطاب المصارف الاستثمارية الكبرى للاستحواذ على حصص مؤثرة في هذا الشريان الاقتصادي النابض.
وتكشف بيانات مجموعة LSEG عن سباق محموم تداخلت فيه الخبرات الفنية مع القدرات التمويلية لاقتناص أفضل الفرص المتاحة في السوق.
وبالنظر إلى حجم الصفقات المنفذة حافظ جولدمان ساكس على مركز الصدارة عالميًا، تاركًا المركز الثاني لبنك جيه بي مورجان، والثالث لمورجان ستانلي. بينما استقرت بنوك أوف أمريكا وسيتي في المراتب اللاحقة.
ويرسم هذا المشهد الختامي خارطة دقيقة لتوازن القوى داخل أروقة المال العالمية؛ حيث تعكس هذه الترتيبات قدرة المؤسسات الكبرى على قيادة قاطرة الاستثمار العالمي وتوجيه رؤوس الأموال نحو التحالفات الإستراتيجية.
أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا
وسجّل جولدمان ساكس حضورًا استثنائيًا في الصفقات المرتبطة بأوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا؛ حيث بلغت حصته السوقية 44.7% خلال عام 2025. وهو مستوى لم يسجل سوى مرة واحدة فقط من قبل في عام 1999، وفقًا لبيانات LSEG.
ويعكس هذا الرقم الأهمية المتزايدة لهذه المناطق ضمن خريطة سوق الاندماج والاستحواذ العالمية.
وقاد قطاع التكنولوجيا الجزء الأكبر من حجم الصفقات، غير أن صانعي الصفقات أشاروا إلى أن تخفيف التدقيق التنظيمي أتاح تنفيذ صفقات كانت تعد في السابق شبه مستحيلة. ليس فقط في التكنولوجيا، بل عبر قطاعات متعددة، من النقل إلى الإعلام والسلع الاستهلاكية.
كما أدت السياسات الأمريكية دورًا محوريًا؛ إذ منحت الرقابة الأكثر تساهلًا على قوانين مكافحة الاحتكار، في عهد الرئيس دونالد ترامب، كبار قادة الصناعة الثقة اللازمة لإبرام صفقات ضخمة. ما أسهم في تنشيط سوق الاندماج والاستحواذ العالمية على نطاق واسع.
غياب «جولدمان» عن أكبر صفقتين
ورغم هذا التفوق اللافت لم يكن جولدمان ساكس مستشارًا في أكبر صفقتين للاندماج والاستحواذ خلال عام 2025. وهما استحواذ شركة Union Pacific بقيمة 88.2 مليار دولار، وحرب المزايدات المحتدمة على Warner Bros Discovery.
وذهبت حصص هاتين الصفقتين إلى بنوك أخرى، أبرزها بنك أوف أمريكا وباركليز وويلز فارجو. إلى جانب عدد من البنوك المتخصصة.
ويعكس هذا الغياب أن سوق الاندماج والاستحواذ العالمية لا تزال مفتوحة أمام قوى متعددة. وأن الصدارة لا تعني الاحتكار الكامل، خاصة في ظل سعي الرؤساء التنفيذيين إلى تنويع مستشاريهم وتوسيع نطاق الشراكات.
في المقابل برز جيه بي مورجان كمنافس قوي؛ إذ كان مستشارًا رئيسًا لصفقة Warner Bros، وساعد شركة Kimberly-Clark في استحواذها البالغ 50.6 مليار دولار. ما مكّنه من التفوق على جولدمان ساكس في إجمالي رسوم الخدمات المصرفية الاستثمارية، محققًا 10.1 مليار دولار مقابل 8.9 مليار دولار.
صعود البنوك المتخصصة واستمرار الزخم
وساهمت العروض المتنافسة من Paramount Skydance وNetflix على Warner Bros، بقيم بلغت 108 مليارات دولار و99 مليار دولار على التوالي، في دفع عدد من البنوك المتخصصة وشركات المحاماة إلى مراكز متقدمة في تصنيفات سوق الاندماج والاستحواذ العالمي. من بينها: Wells Fargo وMoelis وAllen & Co، إضافة إلى مكتب Latham & Watkins.
وأوضح خبراء قانونيون أن ارتفاع عدد الصفقات الضخمة يعود إلى ما يعرف بـ«تضخم الأحجام»، مدفوعًا بارتفاع مؤشرات الأسهم الأمريكية. إذ صعد مؤشر S&P 500 بنسبة 16.39%، وناسداك بنسبة 20.36%. ما جعل الصفقات أكثر تكلفة وأكثر جاذبية في الوقت ذاته.
ومع تراجع أسعار الفائدة ووفرة السيولة في ميزانيات الشركات، وضعف زخم الطروحات العامة، يبدو أن سوق الاندماج والاستحواذ العالمي مقبلة على موجة جديدة من التوسع. في ظل بيئة تنظيمية مواتية، وخط صفقات «ممتلئ» بمشاريع اندماج كبرى قد تعيد رسم المشهد الاقتصادي العالمي خلال السنوات المقبلة.



