مع الاعتراف بأنَّ العمالة الوافدة شكلت في الماضي عنصرًا محوريًا في البنية الاقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي، وساهمت في تلبية احتياجات السوق المحلية من العمالة وتعزيز النمو الاقتصادي.
إلا أنَّ هذا لم يمنع دول الخليج من إحداث طفرة هائلة في تأهيل وتجهيز مواردها البشرية في السنوات الأخيرة، خاصة السعودية وهي الدولة الخليجية الأكبر اقتصادًا والأكثر سكانًا وعمالةً؛ إذ استطاعت تخطيط وتنفيذ خطة النهوض، بالارتكاز على ثلاثة عناصر؛ وهي: امتلاك خطة، ووجود قيادة، وفرق عمل مؤهلة لإنجازها.
أسئلة بسيطة وجوهرية
تمثل العنصر الأول في وضع رؤية لمكانة المجتمع وإدارة مكوناته وتنظيمه وخطة لتوجهاته المستقبلية، تمثل إجابات واضحة: منْ نحن؟ وأين نتوجه؟ وما هدفنا؟ أسئلة بسيطة وجوهرية تفصل بين النهوض والسقوط التنموي، وبين المجتمعات المتماسكة والمستنيرة وتلك المشتتة والمفككة.
وارتكز العنصر الثاني على وجود قيادة قادرة على إعطاء القدوة، وتجميع القوة المجتمعية، وصهر الفوارق بين الطبقات، وتوحيد التوجهات نحو منهج يتفق عليه ويشارك فيه الجميع، ويلتزم بتنفيذه وبذل الجهد من أجله.
وركز العنصر الثالث على امتلاك الموارد البشرية التي تحقق هذه الرؤية وهذه الأهداف، وهم الموظفون والمهندسون وواضعو السياسات والمواطنون المؤمنون بالرؤية وأهدافها.
طفرة تنموية
الاستثمار في الإنسان السعودي تم التخطيط له منذ عقود، وظهرت نتائجه الآن في طفرة تنموية مفصلية في تاريخ المملكة؛ حيث ساهم برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي- والذي أطلقته المملكة عام 2005- في إعداد الكفاءات البشرية السعودية.
وحقق ابتعاث الطلاب والطالبات السعوديين لإكمال دراساتهم الجامعية والعليا في جامعات حول العالم، فوائد جمة؛ منها توسيع آفاق التفكير، واكتساب التجارب، والتعرف على ثقافات مختلفة، والتعامل مع أشخاص بخلفيات ثقافية متباينة، وتحسين اللغات الأجنبية، وتوسيع فرص التوظيف في الشركات العالمية أو المؤسسات الدولية، وتكوين شبكة اتصالات عالمية.
استراتيجية الابتعاث
وقد أثبتت استراتيجية الابتعاث في السعودية، نجاحًا غير مسبوق في تأهيل كتلة حرجة من الشباب المؤهل الذي يستطيع إحداث نهضة تنموية على مستوى العالم؛ إذ بلغ عدد الطلاب المبتعثين قرابة 150 ألف، في تخصصات علمية وهندسية وطبية، وفي توازن في التخصصات والمراحل بين الجامعية والدراسات العليا، والتوازن بين الجنسين، بنسبة 43 % للطالبات، وهي نسبة مرتفعة في مجتمع يوصف بالمحافِظ اجتماعيًا.
بدأ الابتعاث في المملكة مع تطوير الدولة السعودية في عام 1927 عندما أمر الملك الراحل عبد العزيز آل سعود بإرسال عدد من الطلبة للدراسة في الخارج؛ فكانت أولى البعثات التعليمية السعودية إلى مصر وضمت 14 طالبًا، تطور في عهد الملك خالد خاصة إلى أمريكا ليصل إلى 11 ألف مبتعث ومبتعثة.
بينما شهد عهد الملك فهد تركيزًا على ابتعاث الأكاديميين في الجامعات وموظفي الدولة؛ إذ أحدث برنامج الابتعاث للملك عبد الله، نقلة نوعية بضم الكثير من أفراد المجتمع، بواقع ثلاث مراحل مدة كل منها خمس سنوات؛ حيث استهدفت المرحلتان الأولى والثانية سد الحاجة إلى مزيد من المقاعد الدراسية والتخصصات العلمية في الجامعات.
تطوير جديد
وفي عهد الملك سلمان؛ خادم الحرمين الشريفين، شهد الابتعاث تطويرًا جديدًا؛ إذ أطلق الأمير محمد بن سلمان؛ ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء في مارس 2022م استراتيجية جديدة للابتعاث لتعزيز ورفع كفاءة رأس المال البشري في القطاعات الجديدة والواعدة؛ حيث ساهمت هذه الاستراتيجية- ومنذ بداية المرحلة الثالثة عام 2015 مع انطلاق مسار “وظيفتك بعثتك”- في ربط الابتعاث بالتخصصات المطلوبة في سوق العمل، واستحدثت مسارات دراسية جديدة، منها مسار نخبة الجامعات، والمسار الطبي، ومسار المنح الدولية، ومسار التميّز، ثم بعد الإعلان عن رؤية 2030، تمت إضافة الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والنقل الجوي، والتخصصات الصحية.
الموارد البشرية
تُعد تنمية الموارد البشرية من أهم ركائز نهضة المملكة؛ لذا خُصِّص لها وزارة باسم “وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية”، والتي أطلقت برامج لرفع مستوى العمالة الوطنية ودمجها في سوق العمل؛ أهمّها إنشاء صندوق تنمية الموارد البشرية “هدف”، الذي نجح في توظيف مئات الآلاف من الشباب في القطاع الخاصّ.
استثمارات الصندوق السعودي للتنمية
كذلك، ساهمت استثمارات الصندوق السعودي للتنمية في رفع نسبة الإنفاق على تنمية الموارد البشرية إلى نسبة الناتج المحليّ الإجمالي من 6.9 % في عام 2000م، إلى 8.4 % في عام 2017، ثم إلى 10 % عام 2022. كما ساهمت تنمية الموارد البشرية في زيادة الصادرات غير النفطيّة؛ فوفقًا للهيئة العامة للإحصاء، بلغت مساهمة الاقتصاد غير النفطي في الناتج المحلي الإجمالي 53.2 %عام 2023 وهي نسبة غير مسبوقة.
أثمرت هذه الاستثمارات الذكية في الإنسان السعودي أكثر من توقعات الخبراء؛ إذ أكد تقرير رؤية 2030 للعام 2024 توظيف نحو 437 ألف في القطاع الخاص خلال العام؛ ما ساهم في دعم سوق العمل وتحقيق التوازن بين العرض والطلب في مختلف القطاعات الاقتصادية.
أدنى مستوى للبطالة
وخلال هذا العام، أظهرت تقديرات مسح القوى العاملة للهيئة العامة للإحصاء، في نهاية يونيو 2025، تسجيل معدل البطالة الإجمالي للسعوديين وغير السعوديين نسبة 2.8 % في الربع الأول من عام 2025م وهو أدنى مستوى له على الإطلاق، كما سجلت البطالة بين السعوديين أدنى مستوى تاريخي عند 6.3 % بالربع الأول.
زيادة عدد الشركات الناشئة
الموارد البشرية هي عصب التنمية الاقتصادية وخاصة في تأسيس قاعدة عريضة من رواد الأعمال، فقد أظهر “التقرير الوطني للمرصد العالمي لريادة الأعمال في المملكة 2023-2024”- والصادر عن كلية الأمير محمد بن سلمان للإدارة وريادة الأعمال، ومركز بابسون العالمي لريادة الأعمال، والمرصد العالمي لريادة الأعمال (GEM)- زيادة بنحو 75 % في عدد الشركات الناشئة (التي بدأت العمل منذ أقل من 42 شهرًا) مقارنة بالعام 2022؛ لتستحوذ الآن على 25 % من العدد الإجمالي للشركات.
وبالنسبة إلى الشركات القائمة، فقد حققت المزيد من الازدهار؛ حيث قفزت ملكية الأعمال القائمة بنسبة مذهلة بلغت 40 %، لتصل إلى مستوى قياسي قدره 13 %.
وخلال شهر يوليو الحالي، أصدرت منصة الأبحاث العالمية StartupBlink تقريرها السنوي عن مؤشر النظام البيئي للشركات الناشئة حول العالم، والذي كشف عن تسجيل السعودية أعلى معدل نمو عالمي في منظومة الشركات التقنية الناشئة بنسبة نمو تجاوزت 200 %.
براءات الاختراع السعودية
من ناحية أخرى، ارتفع عدد براءات الاختراع التي تقدم بها سعوديون من 10 آلاف عام 2022، إلى 20 ألفًا حتى الربع الأول من العام 2025، مسجلة نموًا بنسبة 16 % في تسجيل براءات الاختراع، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024.
تعكس كل هذه الإحصائيات، حراكًا تنمويًا بالمملكة متمَيزًا على مستوى العالم؛ ما يساعد المواطن السعودي على صنع مستقبل باهر، مدعومًا برؤية وخطط ونظم بيئية، مَكنته من القفز الى المستقبل.


