لطالما كان العمل المرن ميزة جاذبة لرواد الأعمال وأصحاب المشاريع الصغيرة. لكن جائحة «كوفيد-19» وما تلاها من تطورات ساعدت على جعل العمل عن بُعد وغيره من ترتيبات العمل المرنة قاعدة طبيعية في العديد من الوظائف التقليدية.
تكشف دراسة جديدة شارك في تأليفها جون باريوس؛ الأستاذ المشارك في المحاسبة بكلية الإدارة بجامعة ييل، كيف غيّر هذا التحول في أعراف مكان العمل هوية من يختارون ريادة الأعمال.
كما تُظهر الدراسة أن المرونة أو العمل المرن في الوظائف التقليدية تقلل من جاذبية العمل الحر، خصوصًا لدى النساء اللواتي يؤسسن أعمالًا.
كذلك تشير النتائج إلى رسالة واضحة لأصحاب العمل: المرونة أصبحت أداة تنافسية للاحتفاظ بالمواهب.
صعود العمل المرن
في عام 2019 كان أقل من 10% من الأمريكيين يعملون من منازلهم. ثم دفعت الجائحة تحولات جذرية في أسواق العمل وطريقة إدارة الشركات وحياة الموظفين. وبعد عامين فقط كان أكثر من ثلث العاملين في بعض القطاعات يؤدون وظائفهم عن بُعد.
ولا يزال الباحثون يحاولون فهم التداعيات طويلة الأمد لهذا التحول الذي فرضته الجائحة، ومنها تأثيره في الراغبين بتأسيس أعمالهم الخاصة.
يقول باريوس:
«هذه الاتجاهات الجديدة التي ولّدتها الجائحة والتي ستبقى، تعيد تشكيل جوانب من اقتصادنا لا تُرى بالعين المجردة».
تحولات سياسات العمل
لكن “باريوس” يضيف أن النتائج الكاملة لهذه التحولات لن تظهر قبل عقد أو أكثر. كما أن معظم الدراسات المتعلقة بسياسات العمل المرن أو من المنزل ركزت على الموظفين المكتبيين من ذوي الياقات البيضاء، وهم الأكثر قدرة على الانتقال إلى العمل عن بُعد.
بينما ساهم جون باريوس؛ مؤخرًا، في تأليف ورقة بحثية تناولت كيف تؤثر سياسات العمل المرن في ريادة الأعمال، مع التركيز على العمال من ذوي الياقات الزرقاء الذين قد يفتتحون صالونات حلاقة أو ورش سيارات أو محال تنظيف؛ أو غيرها من الأعمال.
وتمثل هدف الفريق في فهم كيف غيّرت هذه السياسات تقييم العمال ذوي الميول الريادية للمخاطر والفوائد المرتبطة ببدء أعمالهم الخاصة.

العمل المرن وتسجيل المشاريع
كما جمع الباحثون بيانات عن تسجيلات الأعمال الجديدة. وربطوها بتوافر وظائف العمل عن بُعد في مناطق مختلفة من الولايات المتحدة. وأجروا مسحًا لتقييم توجهات العمال الذين تمكنوا من العمل من المنزل خلال الجائحة.
وأظهرت النتائج أن تسجيل الأعمال الجديدة ارتفع بعد الجائحة بشكل عام، لكن في المناطق التي انتشرت فيها ترتيبات العمل المرن والعمل من المنزل، تباطأ نمو التسجيلات الجديدة، لا سيما بين النساء.
كما وجدت الدراسة أن المناطق التي كانت تتمتع قبل الجائحة بفرص أعلى للعمل عن بُعد. كانت تشهد مستويات أعلى من ريادة الأعمال.
لكن مع انتشار العمل من المنزل بفعل الجائحة انخفضت وتيرة تأسيس الشركات الناشئة فيها مقارنة بما كان متوقعًا.
الوظائف التقليدية وجاذبية الاستقلال المهني
في حين كانت هناك زيادة بمقدار انحراف معياري واحد في معدل العمل من المنزل ارتبطت بارتفاع أقل بنسبة 45% في تسجيلات الأعمال الجديدة.
علاوة على ذلك أظهرت نتائج المسح أن العمال باتوا أقل ميلًا إلى الربط بين قيمة المرونة في مكان العمل. ورغبتهم في إنشاء أعمال خاصة. مع اتساع نطاق هذه المرونة في الوظائف التقليدية.
وتقليديًا كان كثيرون يعتقدون لأن منح الموظف مزيدًا من المرونة في عمله يساعد على تشجيعه لبدء عمل خاص. لأنه يوفر له الوقت والمساحة لتجربة أفكار جديدة. لكن باريوس وزملاءه أظهروا أن الجائحة قلبت هذه الفرضية. فحين تقدم الوظائف التقليدية مرونة مشابهة (عبر العمل من المنزل)، تقل جاذبية العمل الحر.
المرونة كساحة تنافسية
يقول جون باريوس:
«الكثير من أصحاب الأعمال الصغيرة يقررون أن يصبحوا مدراء لأنفسهم للسيطرة على جدول عملهم وحياتهم المهنية. لكن إذا أمكن تحقيق ذلك داخل الوظائف التقليدية، فإن الحافز للانتقال إلى ريادة الأعمال يضعف».
واليوم استقر العمل من المنزل للموظفين الجامعيين في أمريكا الشمالية وأوروبا. وإفريقيا عند نحو يوم واحد أسبوعيًا.
ومع ذلك قد يكون الكثير من الموظفين خرجوا من تجربة الجائحة برغبة أكبر في مساحة مرونة داخل وظائفهم.
فيما تبرز نتائج الفريق بوضوح أن العمل المرن أو المرونة أصبحت ساحة تنافسية لأصحاب العمل في سباق الاحتفاظ بالموظفين.
بينما يختم باريوس بالقول: «هذه إحدى السمات الوظيفية التي بات أصحاب العمل يتنافسون عليها للحفاظ على كوادرهم».
الدراسة الأصلية (هنــــــــــــــــا)


