يفصح مفهوم الرأسمالية الواعية، وإن على نحو ضمني، عن وجود الكثير من الأخطاء، إن لم نردد مع نعومي كلاين «كوارث»، في بنية النظام الرأسمالي التقليدي، كممارسة ونسق اقتصادي، وبالتالي كان هذا المفهوم/ النظرية (أعني الرأسمالية الواعية) محاولة ليس فقط للاعتراف بهذه الأخطاء وإنما لاستغلالها وتجنيدها لصالح النظام الرأسمالي ذاته.
وهنا يتوجب علينا القول إن المعالجة التي يقدمها منظرو الرأسمالية الواعية رأسمالية حتى النخاع؛ فهم يفكرون بذات الطريقة، ويتبعون المناهج نفسها، ولا غرو إن اختلفوا قليلًا في نتائجهم وتوصياتهم عن ميلتون فريدمان وتعاليمه.
اقرأ أيضًا: المسؤولية الاجتماعية للشركات السياحية.. تعزيز التنمية المستدامة
ما هي الرأسمالية الواعية؟
تمت صياغة المفهوم من قِبل المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي المشارك لشركة هول فودز جون ماكي؛ وأستاذ التسويق والمتحدث راج سيسوديا؛ في كتابهما المشترك «الرأسمالية الواعية: تحرير الروح البطولية للأعمال».
ويشير مصطلح الرأسمالية الواعية إلى فلسفة اقتصادية وسياسية مسؤولة اجتماعيًا، فالفرضية الكامنة هنا هي أن الشركات يجب أن تعمل بشكل أخلاقي أثناء سعيها لتحقيق الأرباح، وهو ما يعني أنهم عليهم التفكير في خدمة جميع أصحاب المصلحة المعنيين، بمن في ذلك موظفوهم، والإنسانية، والبيئة، وليس فقط أصحاب المصلحة والمستثمرين.
وتقر عقيدة هذه الرأسمالية بأنه في حين أن رأسمالية السوق الحرة هي أقوى نظام للتعاون الاجتماعي والتقدم البشري يمكن للناس أن يطمحوا لتحقيق المزيد من خلاله، إلا أنها لا تقلل، في الوقت ذاته، من السعي وراء الربح، ولكنها فقط تشجع على استيعاب جميع المصالح المشتركة في خطة عمل الشركة.
وتشمل عقيدة الرأسمالية الواعية: المنافسةَ وحرية التجارة وسيادة القانون والتبادل الطوعي. لكنها تُبنى أيضًا على أسس الرأسمالية التقليدية؛ من خلال إضافة عناصر مثل الثقة والرحمة والتعاون وصنع القيمة إلى الصيغة.
وعلى الرغم من أن الأرباح لا تأخذ موقعًا ثانويًا في الرأسمالية الواعية إلا أنها تشدد على حتمية القيام بذلك بطريقة تدمج مصالح جميع أصحاب المصلحة الرئيسيين في الشركة.
اقرأ أيضًا: دور رائد الأعمال في دعم القضايا الاجتماعية
حدود غائمة
ولأن مفهوم الرأسمالية الواعية مفهوم زلق، غير قابل للتحديد بشكل منهجي وصارم، نراه يتشاطئ مع مفاهيم أخرى؛ إذ يشترك، على سبيل المثال، في العديد من الموضوعات مع المفهوم المرتبط بالاستثمار المؤثر Impact Investing، وهو أسلوب استثماري يسعى إلى تحقيق الفوائد الاجتماعية بالإضافة إلى العوائد.
وذلك على الرغم من أن المفهومين ليسا متطابقين؛ حيث تشير الرأسمالية الواعية إلى ممارسات تجارية محددة قد تتبناها شركة فردية، مثل الحصول على مواد مستدامة أو تبني ممارسات عمل عادلة، في حين أن الاستثمار المؤثر هو أسلوب استثماري يبحث عن الشركات ذات الفوائد الاجتماعية أو البيئية، والتي قد تشمل الشركات “الرأسمالية الواعية”، كما تشترك المسؤولية الاجتماعية للشركات (CSR) في العديد من الموضوعات مع فكرة الرأسمالية الواعية.
فالعديد من الشركات التي لديها برامج قوية للمسؤولية الاجتماعية للشركات تتبع أيضًا أفكارًا للرأسمالية الواعية. ومع ذلك تختلف الرأسمالية الواعية عن الفهم التقليدي للمسؤولية الاجتماعية للشركات؛ من خلال التركيز على الوعي الذاتي داخل قيادة الشركة؛ لفهم كيف يمكن أن تؤثر ممارساتهم التجارية في أصحاب المصلحة الآخرين.
اقرأ أيضًا: مبادرات المسؤولية الاجتماعية في وزارة الموارد البشرية
المبادئ والإرشادات
تقوم هذه الفلسفة على أربعة مبادئ أساسية، يجملها «رواد الأعمال» على النحو التالي..
الغرض الأعلى: الأعمال التي تلتزم بمبادئ الرأسمالية الواعية تركز على هدف يتجاوز الأرباح البحتة، ومن خلال القيام بذلك فإنها تلهم وتشرك أصحاب المصلحة الرئيسيين.
توجيه أصحاب المصلحة: لدى الشركات العديد من أصحاب المصلحة، منهم: العملاء والموظفون والموردون والمستثمرون، وتركز بعض الشركات على مساهميها مع استبعاد كل شيء آخر. من ناحية أخرى يركز العمل الواعي على النظام البيئي للأعمال بأكمله؛ لإنشاء القيمة وتحسينها لجميع أصحاب المصلحة.
القيادة الواعية: يؤكد القادة الواعيون على عقلية “نحن” بدلًا من “أنا” لقيادة العمل؛ من خلال القيام بذلك يعملون على تنمية ثقافة الرأسمالية الواعية في المشروع.
الثقافة الواعية: ثقافة الشركة هي مجموع القيم والمبادئ التي تشكل النسيج الاجتماعي والأخلاقي للأعمال. والثقافة الواعية هي الثقافة التي تتغلغل فيها سياسات الرأسمالية الواعية في المؤسسة؛ ما يعزز روح الثقة والتعاون بين جميع أصحاب المصلحة.
اقرأ أيضًا: المسؤولية الاجتماعية للجامعات السعودية.. جدل البحث والمجتمع
مواجهات فكرية
هذا المفهوم لم يسلم من النقد، حتى من قِبل أنصار التيار الرأسمالي ذاته؛ إذ ترى طائفة من النقاد أن مؤيدي الرأسمالية الواعية يعتقدون أنها قادرة على حل المشكلات داخل هيكل الشركة، وهو ما يرونه محض خطأ.
ويشير هؤلاء النقاد أيضًا إلى أن تبني هذا النموذج قد لا يبشر بالضرورة بالخير بالنسبة المستثمرين الذين يسعون، في أغلب الأحيان، لتحقيق عوائد جيدة.
ويقول نقاد آخرون إن المسؤولية لا يجب أن تقع بالضرورة على مجال الأعمال فقط، ولا سيما القطاع الخاص؛ إذ يرون أن مسؤولية تمكين التغيير تأتي من خلال السياسة العامة والجهود الجماعية للقادة.
اقرأ أيضًا:
الرأسمالية الواعية والمسؤولية الاجتماعية للشركات
المسؤولية الاجتماعية بالمملكة.. جهود متواصلة
أنماط الحوكمة.. المفاهيم والأبعاد
المسؤولية الاجتماعية للشركات الصناعية.. ما أهميتها؟




