قدّمت شركة ميتا بلاتفورمز عرضًا يسمح لروبوتات الدردشة المنافسة بالوصول المجاني إلى واتساب داخل أوروبا. في محاولة واضحة لتفادي إجراءات احتكارية قد تُعيد رسم قواعد المنافسة الرقمية في القارة.
وبحسب ما نقلته وكالة «رويترز» فإن العرض الذي تقدمت به شركة ميتا يشمل منح روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي. بما فيها خدمات تابعة لشركات منافسة مثل «أوبن أيه آي»، إمكانية استخدام واتساب مجانًا داخل أوروبا. قبل البدء لاحقًا بفرض رسوم عند تجاوز مستوى محدد من الاستخدام.
في حين تُعد القضية الحالية من أبرز الملفات التي تواجهها ميتا داخل الاتحاد الأوروبي. خصوصًا بعدما كثّفت المفوضية الأوروبية رقابتها على الشركات التكنولوجية الكبرى خلال الأشهر الأخيرة.
كما تسعى الجهات التنظيمية إلى ضمان بقاء الأسواق الرقمية مفتوحة أمام الشركات الناشئة. وعدم السماح للشركات العملاقة بإغلاق المنصات أمام المنافسين الأصغر حجمًا.
ضغوط أوروبية متصاعدة على ميتا
بينما قدّمت ميتا بلاتفورمز مقترحها الرسمي إلى الجهات الأوروبية المختصة بمكافحة الاحتكار الأسبوع الماضي. بعدما أكدت المفوضية الأوروبية أنها تدرس إصدار قرار يُجبر الشركة على إتاحة الوصول إلى واتساب أمام المنافسين حتى انتهاء التحقيقات الجارية.
ورغم أن الطرفين لم يكشفا في البداية عن تفاصيل المقترح، فإن المعلومات الجديدة أظهرت حجم التنازلات التي تحاول الشركة تقديمها.
ووفقًا للمصادر المطلعة منحت المفوضية الأوروبية جميع الأطراف المعنية مهلة حتى 18 مايو. لتقديم ملاحظاتها الرسمية قبل اتخاذ القرار النهائي بشأن العرض.
كما يشير ذلك إلى أن الملف لا يزال في مرحلة حساسة. خاصة مع استمرار الاعتراضات من بعض الشركات المنافسة.
ويقضي العرض بأن تبدأ ميتا بفرض رسوم على روبوتات الدردشة المنافسة بعد تجاوز حد معين من الرسائل المرسلة إلى المستخدمين عبر واتساب.
وبينما تعتبر الشركة هذا النموذج وسيلة متوازنة لتنظيم الاستخدام. يرى منافسون أن المقترح لا يحقق تكافؤ الفرص بشكل حقيقي.

المنافسون يرفضون العرض الجديد
أبدت شركات ناشئة تعمل في قطاع الذكاء الاصطناعي اعتراضات واضحة على مقترح ميتا. معتبرةً أن العرض الحالي لا يعالج جوهر الأزمة المرتبطة بالمنافسة.
وكانت شركة متخصصة في تطوير مساعدات الذكاء الاصطناعي. إلى جانب شركة فرنسية ناشئة، تقدمتا سابقًا بشكاوى رسمية إلى المفوضية الأوروبية ضد سياسات ميتا المتعلقة بواتساب.
في حين أكدت إحدى الشركات المعترضة أن المقترح المطروح “بعيد جدًا” عن معالجة المخاوف التنافسية الأساسية. مشيرةً إلى أن ميتا لا تزال تملك أفضلية واضحة داخل منصتها.
كذلك دعت المفوضية الأوروبية إلى اتخاذ إجراءات مؤقتة إذا لم تقدّم الشركة الأمريكية تنازلات إضافية بشكل سريع.
من جهته اعتبر أحد مؤسسي الشركات المنافسة أن العرض يتضمن تمييزًا واضحًا ضد المنافسين. لأن نظام الذكاء الاصطناعي الخاص بميتا لن يخضع للآلية نفسها المتعلقة بالرسوم.
ورغم أن روبوت الدردشة التابع لميتا لا يعتمد على واجهة البرمجة الخاصة بواتساب. فإن المنافسين يرون أن النتيجة النهائية تمنح الشركة أفضلية تشغيلية وتسويقية.
الذكاء الاصطناعي في قلب الصراع الرقمي
تسلط القضية الضوء على التحول الكبير الذي يشهده قطاع الذكاء الاصطناعي عالميًا؛ حيث أصبحت تطبيقات المحادثة الرقمية جزءًا أساسيًا من المنافسة بين شركات التكنولوجيا الكبرى.
كما باتت تطبيقات المراسلة، وعلى رأسها واتساب، تمثل بوابة إستراتيجية للوصول إلى المستخدمين وتوسيع انتشار خدمات الذكاء الاصطناعي.
وكانت ميتا أطلقت خلال يناير سياسة تمنح مساعدها الذكي وحده حق العمل على واتساب، قبل أن تجري تعديلات في مارس تسمح للمنافسين باستخدام التطبيق مقابل رسوم مالية. غير أن هذه الخطوة لم تنهِ الجدل التنظيمي. بل دفعت الجهات الأوروبية إلى إصدار مذكرة اتهام ثانية ضد الشركة.
وفي محاولة لتهدئة التصعيد علّقت ميتا فرض الرسوم لمدة شهر، بالتزامن مع استمرار المفاوضات مع المفوضية الأوروبية. فيما أعادت تأكيد أنها منحت روبوتات الدردشة المنافسة وصولًا مجانيًا مؤقتًا إلى واجهة برمجة تطبيقات واتساب للأعمال. بهدف الوصول إلى تسوية متوازنة مع الجهات التنظيمية.
مستقبل المنافسة الرقمية في أوروبا
تعكس هذه القضية توجه الاتحاد الأوروبي نحو فرض قواعد أكثر صرامة على الشركات التقنية العملاقة. لا سيما مع تصاعد المخاوف من احتكار أدوات الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية الكبرى.
وتسعى بروكسل إلى توفير بيئة تنافسية تسمح للشركات الناشئة بالوصول إلى المستخدمين دون قيود تفرضها المنصات المسيطرة.
ويرى محللون أن نتيجة التحقيق الأوروبي قد تصبح سابقة تنظيمية مؤثرة على مستوى العالم، خصوصًا إذا أُجبرت ميتا على فتح منصاتها بشكل أوسع أمام المنافسين.
بينما قد تدفع هذه الخطوة شركات تقنية أخرى إلى تعديل سياساتها المتعلقة بخدمات الذكاء الاصطناعي وتطبيقات المراسلة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه أهمية خدمات الذكاء الاصطناعي داخل التطبيقات اليومية للمستخدمين. ما يجعل السيطرة على قنوات التواصل الرقمية عنصرًا حاسمًا في مستقبل القطاع.
لذلك فإن ملف واتساب لم يعد مجرد قضية تقنية أو قانونية، بل أصبح جزءًا من معركة عالمية أوسع لإعادة تشكيل موازين القوة داخل الاقتصاد الرقمي الحديث.


