مرّ الخليفة عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – ببعض الصبية، فتبددوا هيبةً له، سوى صبي واحد ثبت في مكانه؛ فسأله عمر: “ما لك لم تفرّ معهم؟”. فأجاب الصبي ببديهة: “لم أُجرِم فأخافك، ولم يكن الطريق ضيقًا فأوسّع لك”.
كان هذا الصبي هو عبد الله بن الزبير، وموقفه هذا أشار بوضوح إلى إمكانية اكتشاف سمات القيادة في أبنائنا منذ مراحلهم المبكرة؛ ليكونوا قادة حقيقيين للمستقبل.
سمات القادة الصغار
يمكننا استشراف قادة المستقبل من خلال مراقبة بعض السمات البارزة لدى الأطفال؛ مثل:
الذكاء:
يتجلى في سرعة البديهة، عمق التفكير، والقدرة على التعبير بأسلوب يفوق أعمارهم.
المبادرة:
تظهر بوضوح عندما يكون الطفل هو المحرك لأقرانه، يبادر إلى تنظيم الألعاب أو وضع قوانين لها.
الجرأة:
تتضح لدى الأطفال الذين يمتلكون الشجاعة في الحديث أو الدفاع عن حقوقهم دون خجل.
الجدية:
تكون أعلى لدى الطفل القائد، مقارنة بعموم الأطفال الذين يميلون إلى اللعب الدائم.
السمات الجوهرية للقادة عامةً
يتساءل كثيرون عن أهم السمات التي يجب أن يتحلى بها القادة بشكل عام؛ وهو ما لخصه “جيم كوزس” و”باري بوسنر” في كتابهما: “تحدي القيادة” بعد نتائج أبحاث استمرت لأكثر من ربع قرن، شملت أكثر من مليون ونصف شخص، طرحوا عليهم سؤالًا واحدًا: “ما الصفة الأولى التي تبحث عنها في القائد؟”، تكررت الإجابة ذاتها في القارات الست، ولم تتغير هذه الصفة بمرور السنين؛ فأصدر عنها الباحثان كتابًا بعنوان “المصداقية”، صلى الله على “الصادق الأمين”.
والقيادة في أبسط صورها هي تحريك الناس (التابعين) نحو الهدف. وبينما تركز الإدارة على الإنجاز والأداء في الوقت الحاضر، تهتم القيادة بالعلاقات الإنسانية والأهداف المستقبلية.
القائد يكون دائمًا في المقدمة، ليس مكانيًا فقط، بل فكريًا واستشرافيًا للمستقبل أيضًا. لا يمكن لأحد أن يقود أفرادًا دون رؤية مستقبلية واضحة؛ فالقائد هو “تاجر الأمل”. وهذا ما يفسر حرص بعض الدول على إنشاء وزارات للمستقبل، وتزايد عدد المؤسسات المعنية بالدراسات المستقبلية في معظم دول العالم.
سمات أخرى تميز القائد الناجح
الاستقرار النفسي.
القدرة على تحمل الإحباط والضغط العصبي.
التماسك والثبات.
القدرة على اتخاذ القرار وتخطي العقبات.
الحماس والحيوية.
حس المسؤولية العالي والميل التلقائي للمجازفة.
العملية، المنطقية، والتحديد.
الثقة بالنفس والقدرة على الالتزام؛ ما يبرز تماسكه ودقته في التعاملات.
العمل بطاقة عالية، والسعي للعمل ضمن فريق.
استغلال الجاذبية الشخصية لتحديد رؤية توحّد الفريق وتأسرهم.
ثلاثة أماكن لصناعة القائد
من وجهة نظري، هناك ثلاثة أماكن تساهم في صناعة قائد المستقبل:
1. المنزل:
يوفر عاطفة الوالدين، اصطحاب الأبناء إلى مجالس الكبار لتعلم آداب الحوار والاستماع، إشراكهم في القرارات المنزلية، وغرس الطموح في نفوسهم. ولا يمكن إغفال دور وتأثير الأم؛ فهي “جامعة” تعلمنا منها الآداب والحقوق وحتى الطب والهندسة.
2. المَدرسة:
تكتشف قدرات الطفل، تنمي توجهاته القيادية، تُعلمه مهارات الحياة، وتساعده على تحديد هدفه في مرحلة مبكرة.
3. المجتمع:
يسمح بالمكاشفة ويعزز الثقة بالنفس، يعلم مهارات القيادة، ويستثمر التنوع البشري لديه. فالقائد الحقيقي هو من يرى التنوع ثراءً لا صراعًا.
أتمنى أن يتم التوسع في المقررات الدراسية الجامعية حول علوم القيادة، لتحويل جامعاتنا إلى “مصانع” لإنتاج قادة المستقبل، كما أن إتاحة الفرصة للشباب للحصول على مقاعد نيابية ومناصب قيادية، سيفرز جيلًا مؤهلًا يقود الأمة ويعيد لها مجدها المفقود وعزها المنشود.


