في رحلة استثنائية امتدت عقودًا حفر محمد يونس اسمه عميقًا في ذاكرة العالم. ليس كاقتصادي بارع فحسب بل صانع تغيير حقيقي. فمن خلال تجربته الرائدة في بنجلاديش أثبت أن البنوك يمكن أن تصبح أداة لتمكين الفقراء، لا استغلالهم. فكرة بسيطة بدأت بقروض صغيرة دون ضمانات، تحولت إلى ثورة مالية واجتماعية، حصدت له جائزة نوبل للسلام، وألهمت ملايين حول العالم.
تأسيس بنك “غرامين” كان نقطة تحول في حياة محمد يونس وملايين البنغاليين. فمن خلال هذا البنك قدم قروضًا صغيرة للمرأة البنغالية، التي كانت تعاني من الفقر والتهميش. وهذا مكنها من بدء مشاريع صغيرة وتحسين دخل أسرتها. هذه الخطوة الجريئة، التي اعتبرها البعض مجازفة، أثبتت جدواها؛ حيث حقق البنك نجاحًا باهرًا في تقليل الفقر وتحسين مستوى المعيشة داخل بنجلاديش.
ورغم أن محمد يونس اضطر للتخلي عن منصبه كرئيس لبنك “غرامين” في عام 2011م. بطلب من البنك المركزي لتجاوزه سن التقاعد، فإن إرثه لا يزال حيًا. ففكرته في تمكين الفقراء من خلال القروض الصغيرة انتشرت في جميع أنحاء العالم. وألهمت العديد من المؤسسات المالية لتبني نماذج مماثلة. كما أن بنك “غرامين” استمر في النمو والتوسع؛ ليصبح نموذجًا يحتذى به في مجال التنمية المستدامة.
طفولة في أحضان البنغال
ولد محمد يونس -الحائز على جائزة نوبل للسلام- في 28 يونيو عام 1940م، في قرية باثوا التابعة لمدينة شيتاغونغ. وهي مدينة تجارية حيوية كانت جزءًا من باكستان ثم انضمت إلى بنجلاديش. ونشأ وسط أسرة مسلمة متوسطة الحال، وكان والده صائغًا حرص على تعليم أبنائه.
شكلت طفولة يونس في بنجلاديش -التي كانت تعيش تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة- الأساس لقيمه الإنسانية ومعرفته بمعاناة الفقراء. إذ شهد منذ صغره الفقر المدقع والظروف المعيشية الصعبة التي يعاني منها الكثيرون. وهو ما ترك أثرًا عميقًا في نفسه ودفعه لاحقًا إلى تكريس حياته لخدمة الفقراء.
لا شك أن الأم تؤدي دورًا حاسمًا في حياة كل فرد، وكان هذا الدور أكثر وضوحًا في حياة محمد يونس. فقد كانت والدته صفية خاتون قدوة عظيمة له؛ حيث غرست فيه قيم الكرم والعطاء، وعلمته أهمية مساعدة الآخرين.
وكانت صفية خاتون لا تتردد في مساعدة أي فقير يطلب المساعدة، وهذا السلوك النبيل ترك انطباعًا عميقًا في نفس ابنها. وشجعه على اتباع نهجها في الحياة.
التكوين الأكاديمي
محمد يونس -الذي يُعرف اليوم كأحد أبرز رواد الاقتصاد الاجتماعي- بدأ مسيرته التعليمية في مدرسة “لامابازار الابتدائية”؛ حيث ترسخت لديه أسس التعليم الأولى. وواصل مسيرته التعليمية في المرحلة الثانوية بمدرسة شيتاغونغ؛ حيث تفوق بين أقرانه واحتل المرتبة الـ 16 من بين 39 ألف طالب في باكستان الشرقية، وهو بالطبع إنجاز مميز في تلك الفترة.
في المراحل الدراسية المختلفة لم يكن “يونس” مجرد طالب تقليدي. بل انخرط في أنشطة الكشافة التي منحته الفرصة للسفر واكتساب تجارب ثقافية مختلفة. ففي مطلع الربع الثاني من عام 1952م زار غرب باكستان والهند. كما توجه إلى كندا في عام 1955م لحضور المهرجانات. ما وسّع من آفاقه وجعله يدرك التنوع الثقافي العالمي.
التحصيل الأكاديمي
وفي مطلع الربع الثالث من عام 1957م التحق محمد يونس بجامعة “دكا” لدراسة الاقتصاد. وتخرج فيها بعد أربع سنوات من الاجتهاد في عام 1961م. لم يتوقف طموحه عند الحصول على الشهادة الجامعية. بل بدأ حياته المهنية كمحاضر في الاقتصاد بكلية شيتاغونغ؛ حيث كان له دور فعّال في تعليم الجيل الجديد من الاقتصاديين.
خلال تلك الفترة أظهر يونس روح المبادرة والريادة من خلال تأسيس مصنع للتعبئة والتغليف. ليؤكد اهتمامه بالمساهمة في تحسين الاقتصاد المحلي.
وفي مطلع الربع الثاني من عام 1965م. حصل على منحة دراسية من مؤسسة “فولبرايت” لمتابعة دراساته العليا في الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث نال درجة الدكتوراه من جامعة “فاندربيلت” بولاية تينيسي. كانت هذه المرحلة نقطة تحول في حياته؛ إذ اكتسب معرفة أعمق بالاقتصاد العالمي وتوسع آفاقه الفكرية.

النشاط السياسي
خلال فترة دراسته في الولايات المتحدة الأمريكية اندلعت الحرب التي أدت إلى انفصال بنجلاديش عن باكستان. وهو الحدث الذي أثر بشكل كبير في محمد يونس. ولم يكن مجرد مراقب للأحداث من بعيد. بل عاد إلى بلاده واتخذ موقفًا واضحًا ومسؤولًا لدعم الاستقلال؛ فأسس لجنة وحركة طلابية تطالب بالتحرر والاستقلال. ما يعكس وطنيته وشغفه بخدمة بلده.
العودة إلى الوطن
بعد انتهاء الحرب وعودة الاستقرار تدريجيًا إلى بنجلاديش عاد “يونس” إلى وطنه في مطلع الربع الثالث من عام 1972م. وفور وصوله أرض الوطن تم تعيينه في لجنة التخطيط الحكومية. ومع ذلك سرعان ما أدرك أن هذا العمل لا يتوافق مع طموحاته ولا يحقق التغيير الذي يسعى إليه.
وبعد فترة وجيزة استقال من منصبه الحكومي وعاد إلى جامعة شيتاغونغ؛ حيث تولى رئاسة قسم الاقتصاد. لكن سرعان ما واجه “يونس” تحديًا آخر وهو تعرض بلاده لمجاعة مدمرة في عام 1974م. هذه المجاعة أودت بحياة مليون ونصف المليون شخص. ما أحدث صدمة كبيرة في حياته العملية والعلمية.
تأسيس بنك الفقراء
كانت المجاعة القاتلة التي شهدتها بنجلاديش في عام 1974م نقطة تحول في حياة يونس؛ إذ أدرك أن النظريات الاقتصادية التي يدرسها في الجامعة لا تكفي لمواجهة التحديات الحقيقية التي تواجهها بلاده. ومن هنا قرر أن يفعل شيئًا ملموسًا لمساعدة الفقراء؛ حيث رأى أن الفقر ليس مجرد حرمان مادي، بل هو انتهاك لحقوق الإنسان الأساسية، وبدأ في البحث عن حلول فعالة للخروج من دائرة الفقر.
وبالفعل بدأ بالتفكير في توفير قروض صغيرة للفقراء، وهو ما يعرف اليوم بـ “التمويل الصغير”. حاول إقناع البنك المركزي والبنوك التجارية في بلاده بوضع نظام لإقراض الفقراء دون ضمانات، إلا أن جميع محاولاته قوبلت بالسخرية والاستهزاء من قِبل رجال البنوك -الذين اعتبروا أن الفقراء ليسوا أهلًا للحصول على القروض- لكن إصرار يونس على تحقيق رؤيته دفعه للمضي قدمًا في تحقيق هدفه. ما أدى في النهاية إلى تأسيس “بنك غرامين” الذي أحدث ثورة في مجال مكافحة الفقر وتمكين المجتمعات المهمشة.
بدايات فكرة “بنك غرامين”
خاض محمد يونس تجربة اجتماعية هي الأولى من نوعها، في مطلع الربع الثاني من عام 1976م، عندما زار الأسر الأكثر فقرًا في محيط القرى المجاورة لجامعة شيتاغونغ. وأثناء هذه الجولة اكتشف أن القروض الصغيرة جدًا يمكن أن تحدث فرقًا حقيقيًا في حياة الفقراء. ولفت انتباهه أن مجموعة من النساء في إحدى القرى كن يصنعن أثاثا من الخيزران، إلا أن أرباحهن كانت تتأثر بشكل كبير بسبب الاعتماد على قروض صغيرة لشراء المواد الخام.
وبالطبع هذا الاكتشاف قاد يونس إلى إدراك أهمية توفير قروض ميسرة للفقراء، خاصة أن البنوك التقليدية في ذلك الوقت كانت توفر قروضًا صغيرة بفائدة معقولة، ولكن كل هذه القروض كانت بشروط صعبة تعوق الفقراء عن الاستفادة منها.
تلك القناعة دفعت يونس إلى البدء بمبادرة شخصية؛ حيث أقرض 42 امرأة من قريته مبلغًا بسيطًا بلغ 27 دولارًا. لم تكن هذه الخطوة مجرد مساعدة مالية فحسب، بل بداية لمشروع أكبر بكثير، هدفه الأساسي تمكين الفقراء من تحسين حياتهم والابتعاد عن دائرة الفقر.
نجاحات أولية
في ديسمبر عام 1976م حصل محمد يونس على قرض من الحكومة عبر بنك “جانات”، والذي استخدمه لإقراض الفقراء في قرية جوربا. هذه المبادرة حققت نجاحًا ملحوظًا؛ حيث تمكن يونس من تأمين قروض من بنوك أخرى لمشروعاته الاجتماعية، ووصل عدد المقترضين إلى 28 ألفًا بحلول عام 1982م.
هذا النجاح المبكر دفعه إلى التفكير في تأسيس مشروع تجريبي متكامل، وهو ما أطلق عليه فيما بعد “بنك غرامين”، الذي يعرف اليوم كواحد من أبرز المشاريع الاجتماعية في العالم.
تحديات ومعارضة
مع تطور الفكرة واتجاهها نحو الطابع المؤسسي واجه يونس تحديات كبيرة من بعض الحركات الراديكالية واليسارية التي عارضت فكرة الاقتراض من البنك. ورغم هذه المعارضة الشديدة لم يتراجع عن تحقيق حلمه، بل زاد إصرارًا على تنفيذ فكرته.
وفي الأول من أكتوبر 1983 نجح في تحويل المشروع التجريبي في قرية “جوبرا” بمقاطعة تشاتوغرام إلى مصرف رسمي تحت اسم “بنك غرامين”. وتمت إعادة هيكلة المصرف ليصبح مؤسسة مستقلة هدفها الأساسي التخفيف من حدة الفقر وتمكين الفقراء المهمشين في بنجلاديش من الحصول على قروض صغيرة.
دعم المرأة وتمكينها
واللافت في “بنك غرامين” أنه لا يطلب ضمانات للحصول على القروض. ما يتيح للفقراء فرصة حقيقية لتحسين حياتهم. ومن أولويات البنك أيضًا تمكين المرأة في جميع القرى؛ إذ كانت نسبة النساء المستفيدات من قروض البنك حوالي 98%. ما ساهم في تحسين ظروفهن المعيشية وإشراكهن في الأنشطة الاقتصادية.
نجاح بنك غرامين
بحلول يناير 2024 توسع “بنك غرامين” بشكل كبير؛ حيث افتتح فروعه في 40 منطقة داخل بنجلاديش، بينما يمتلك 40 مكتب تدقيق، و2568 مكتبًا فرعيًا. كما يبلغ عدد موظفيه نحو 22 ألف موظف. كل هذه هذه الأرقام تعكس النجاح الكبير الذي حققه البنك في تحقيق أهدافه الاجتماعية والاقتصادية. ما يجعله نموذجًا يحتذى به في مكافحة الفقر ودعم التنمية المستدامة.
رحلة حافلة بالتكريم والجوائز
تخطت قائمة جوائز “يونس” الـ 50 درجة دكتوراه فخرية من جامعات في عشرين دولة، بالإضافة إلى 113 جائزة عالمية من 26 دولة مختلفة. هذا التقدير العالمي لم يقتصر على الجوائز العلمية والأكاديمية، بل امتد ليشمل أوسمة الشرف التي منحته إياها عشر دول، تكريمًا لجهوده الإنسانية وإسهاماته البارزة في مختلف المجالات.
1. جائزة نوبل للسلام
مثلت جائزة نوبل للسلام، التي حصل عليها محمد يونس مناصفة مع بنك غرامين في عام 2006، تتويجًا لمسيرة حافلة بالإنجازات الإنسانية. وجاء هذا التكريم تقديرًا لجهوده في مجال مكافحة الفقر وتمكين الفقراء، خاصة في البلدان النامية.
2. تكريم عالمي
حظي يونس بتقدير كبير من قبل قادة العالم؛ حيث منحه الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما وسام الحرية الرئاسي والميدالية الذهبية للكونجرس الأمريكي عام 2009. هذا التكريم يعد اعترافًا بدوره الريادي في تعزيز السلام والتفاهم بين الشعوب.
3. جوائز أخرى بارزة
بالإضافة إلى جائزة نوبل حصد يونس العديد من الجوائز العالمية الأخرى؛ منها:
- جائزة ماجسايساي: وهي واحدة من أرقى الجوائز في آسيا، وحصل عليها تقديرًا لجهوده في مجال التنمية الاجتماعية.
- جائزة غاندي للسلام: تكريمًا لمبادئه السلمية وإسهاماته في نشر ثقافة السلام والتسامح.
- جائزة أمير أستورياس للوفاق: تقديرًا لجهوده في تحقيق الوفاق والتعايش السلمي بين مختلف الثقافات والأديان.
4. تكريم من العالم العربي
لم يقتصر التكريم على المستوى الدولي، بل امتد ليشمل العالم العربي. حيث حصل محمد يونس على العديد من الجوائز العربية؛ منها: جائزة الملك الحسين الإنسانية وجائزة سول للسلام.


