في خُطوة تاريخية تعكس التعاون المتنامي بين السعودية ومصر، بدأ صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود؛ ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، مساء أمس الثلاثاء الموافق 15 أكتوبر 2024، زيارة رسمية إلى العاصمة المصرية “القاهرة”، بناءً على توجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود -حفظه الله-، حسبما أفاد الديوان الملكي السعودي.
وكان في استقبال ولي العهد بمطار القاهرة الدولي، الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي؛ حيث جرت مراسم استقبال رسمية تعكس عُمق العلاقات الوثيقة بين البلدين، وتأتي هذه الزيارة في إطار الجهود المستمرة لتعزيز الشراكة بين الرياض والقاهرة، خصوصًا في ظل المتغيرات الإقليمية الراهنة.
نتائج زيارة ولي العهد للقاهرة
وتناولت جلسة المباحثات الرسمية التي عقدت بين الزعيمين السعودي والمصري، خلال زيارة ولي العهد للقاهرة، العديد من الملفات ذات الاهتمام المشترك؛ حيث تصدرت هذه الملفات التطورات التي تشهدها المنطقة. لاسيما وأن هذه المباحثات تأتي في ظل تزايد التوترات في عدة مناطق. بما في ذلك التصعيد العسكري في قطاع غزة ولبنان، بالإضافة إلى تصاعد التوتر بين إسرائيل وإيران. وتشكل هذه التطورات تحديات كبيرة، خاصة في ظل الأوضاع غير المستقرة التي تمر بها المنطقة. ما جعل التنسيق بين البلدين أكثر ضرورة وإلحاحًا.
ومن أبرز المحاور التي تم التركيز عليها خلال زيارة ولي العهد للقاهرة، دور اللجنة الوزارية المشتركة المكلفة من القمة العربية الإسلامية المشتركة. والتي تعمل على التحرك دوليًا لوقف العمليات العسكرية في غزة، وتأتي جهود اللجنة في وقت حساس؛ حيث يسعى البلدان إلى إيجاد حلول عملية ومستدامة لهذه الأزمات المتفاقمة. وأثمرت هذه الجهود عن تحقيق تقدم ملموس على الصعيد الدبلوماسي؛ إذ بدأت عدة دول في الاعتراف بالدولة الفلسطينية. ما يمهد الطريق نحو إعادة إحياء مسار حل الدولتين الذي يعد أحد أهم الملفات الإقليمية.
اتفاقية لحماية الاستثمارات المتبادلة
شهدت القمة التاريخية التي عُقدت بين ولي العهد السعودي والرئيس المصري، توقيع اتفاقية تاريخية تشجع وتحمي الاستثمارات المتبادلة بين مصر والمملكة العربية السعودية.
وبهذه الاتفاقية، يكون البلدان قد خطا خطوةً جريئةً نحو تعزيز التعاون الاقتصادي المشترك؛ حيث تسعى الاتفاقية إلى توفير بيئةٍ استثماريةٍ جاذبةٍ للمستثمرين من كلا البلدين. وذلك من خلال توفير الحماية القانونية الكاملة للاستثمارات، وتسهيل الإجراءات المتعلقة بها. كما تأتي هذه الاتفاقية في إطار الجهود التي تبذلها الحكومتان المصرية والسعودية لتعزيز التكامل الاقتصادي بين البلدين. وتحقيق التنمية المستدامة في المنطقة.
وفي هذا السياق، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه بولي العهد السعودي على عمق ومتانة العلاقات التاريخية التي تربط البلدين الشقيقين. مشيدًا بالدور المحوري الذي تلعبه المملكة العربية السعودية في دعم مصر في مختلف المجالات.
التنسيق والتعاون المشترك بين البلدين
كما شدد الرئيس المصري على أهمية مواصلة التنسيق والتعاون المشترك بين البلدين في مواجهة التحديات التي تواجه المنطقة. مؤكدًا على أن هذه الاتفاقية تأتي تتويجًا للجهود المشتركة التي تبذلها القيادات في البلدين الشقيقين لتعزيز العلاقات الثنائية.
من جانبه، أعرب ولي العهد السعودي عن سعادته بتوقيع هذه الاتفاقية التاريخية. مؤكدًا على أهميتها في تعزيز العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وفتح آفاقٍ جديدةٍ للاستثمار المشترك. كما أكد على حرص المملكة على دعم مصر في مسيرتها التنموية. مشيرًا إلى أن هذه الاتفاقية تأتي في إطار رؤية المملكة 2030 التي تهدف إلى تعزيز الشراكات الاستراتيجية مع الدول الشقيقة والصديقة.
وبتوقيع هذه الاتفاقية، يكون البلدان قد وضعا اللبنة الأولى لبناء شراكة اقتصادية قوية ومتينة. من شأنها أن تساهم في تحقيق التنمية المستدامة في كلا البلدين، وتعزيز مكانتهما في المنطقة والعالم. كما تؤكد هذه الاتفاقية أيضًا على عمق العلاقات التاريخية التي تربط بين الشعبين الشقيقين، وتفتح آفاقًا جديدةً للتعاون المشترك في مختلف المجالات.
تشكيل مجلس التنسيق الأعلى السعودي المصري
في خطوة أخرى مهمة لتعزيز أواصر الأخوة والتضامن بين البلدين الشقيقين، شهد ولي العهد السعودي والرئيس المصري، خلال جلسة المباحثات، التوقيع على محضر تشكيل مجلس التنسيق الأعلى السعودي المصري.
وبحسب ما ذكرته وكالة الأنباء السعودي “واس” فإن مجلس التنسيق الأعلى يهدف إلى تعزيز التعاون الثنائي بين البلدين في شتى المجالات، وتنسيق الجهود المشتركة لتحقيق المصالح المشتركة، ومتابعة تنفيذ الاتفاقيات والبرامج المشتركة. وسيشكل هذا المجلس آليةً جديدةً للتشاور والتنسيق بين البلدين، ما يساهم في تعزيز التكامل الاقتصادي والسياسي والأمني بينهما.
وقع المحضر من الجانب السعودي صاحب السمو الأمير فيصل بن فرحان بن عبدالله؛ وزير الخارجية، ومن الجانب المصري الدكتور بدر عبد العاطي؛ وزير الخارجية، ويعكس هذا التوقيع الإرادة السياسية القوية لدى قيادتي البلدين لتطوير العلاقات الثنائية إلى آفاق أرحب، وتعميق التعاون المشترك في مختلف المجالات.
وجاءت هذه الخطوة في إطار الرؤية المشتركة للقيادتين في البلدين الشقيقين لتعزيز التعاون الثنائي، وتطوير العلاقات التاريخية التي تربط بين الشعبين الشقيقين. كما تأتي هذه الخطوة أيضًا في ظل التحديات التي تواجه المنطقة؛ حيث تسعى القيادتان إلى تعزيز التعاون والتنسيق لمواجهة هذه التحديات، وحماية المصالح المشتركة.
ويمثل تشكيل مجلس التنسيق الأعلى السعودي المصري خطوة فارقة في تاريخ العلاقات الثنائية بين البلدين، ويشكل نموذجًا يحتذى به في التعاون الإقليمي. كما يعكس عمق العلاقات التاريخية والحضارية التي تربط بين الشعبين الشقيقين، ويؤكد على أهمية التعاون المشترك في مواجهة التحديات التي تواجه المنطقة والعالم.

جلسة مباحثات رفيعة المستوى
حضر جلسة المباحثات الموسعة التي عقدت بين الأمير محمد بن سلمان والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، نخبة من كبار المسؤولين السعوديين والمصريين.
وضم الوفد السعودي كوكبة من الوزراء وكبار المسؤولين، منهم صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان بن عبدالعزيز؛ وزير الطاقة. وصاحب السمو الأمير فيصل بن فرحان بن عبدالله؛ وزير الخارجية. ويعكس هذا التشكيل الرفيع المستوى الاهتمام الكبير الذي توليه المملكة العربية السعودية لهذه الزيارة. والأهمية التي توليها لتعزيز العلاقات الثنائية مع مصر في مختلف المجالات.
كما ضم الوفد السعودي عددًا من الوزراء المعنيين بالشؤون الاقتصادية والاستثمارية، مثل: وزير التجارة، ووزير المالية، ووزير الاستثمار. ما يؤكد الرغبة المشتركة بين البلدين في تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري. وفتح آفاق جديدة للاستثمارات السعودية في مصر. بما يساهم في تنمية الاقتصاد المصري وخلق فرص عمل جديدة للشعب المصري.
ومن الجانب المصري، حضر جلسة المباحثات نخبة من الوزراء وكبار المسؤولين، منهم دولة السيد مصطفى مدبولي؛ رئيس مجلس الوزراء المصري. والدكتور بدر عبد العاطي؛ وزير الخارجية، واللواء أحمد علي؛ رئيس ديوان رئيس الجمهورية. ويعكس هذا الحضور الرفيع المستوى الأهمية التي توليها مصر لهذه الزيارة، والحرص على تعزيز العلاقات الثنائية مع المملكة العربية السعودية.
وتناولت المباحثات سبل تعزيز التعاون الثنائي بين البلدين في مختلف المجالات. بما في ذلك المجالات الاقتصادية والاستثمارية والطاقة والزراعة والصناعة. كما تم بحث سبل تعزيز التعاون في مجال مكافحة الإرهاب، وتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.
وبهذا الحضور الرفيع المستوى، تكون المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية قد أكدتا على عمق العلاقات التاريخية التي تربط البلدين، والحرص المشترك على تعزيز هذه العلاقات في مختلف المجالات.
استثمارات سعودية بـ15 مليار دولار
وفي سياق ليس ببعيد، أكد بندر العامري؛ رئيس مجلس الأعمال السعودي المصري، أن القطاع الخاص السعودي يتطلع إلى مضاعفة حجم استثماراته في مصر. وذلك عقب توقيع اتفاقية حماية الاستثمارات المتبادلة التي من شأنها أن تزيل كافة العقبات أمام تدفق الاستثمارات السعودية إلى مختلف القطاعات الحيوية في الاقتصاد المصري.
وبحسب تصريحات العامري لـ “العربية Business”، فإن الجهود المشتركة بين القطاعين الخاص في البلدين أسفرت عن إبرام اتفاقيات استثمارية ضخمة. تقدر قيمتها بـ 15 مليار دولار أمريكي. وتشمل هذه الاتفاقيات مجالات حيوية. مثل: الطاقة المتجددة والصناعة والتطوير العقاري والسياحة والتكنولوجيا. ما يعكس الثقة المتبادلة بين المستثمرين السعوديين والمصريين.
يذكر، أن هذه الاتفاقيات الاستثمارية الضخمة كانت تنتظر فقط توقيع اتفاقية حماية الاستثمارات، لكي تدخل حيز التنفيذ. وهذا يؤكد الأهمية الاستراتيجية لهذه الاتفاقية في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى كلا البلدين.
وعلى هامش الزيارة التي قام بها مصطفى مدبولي؛ رئيس الوزراء المصري إلى المملكة العربية السعودية في سبتمبر الماضي، تم الاتفاق على تعزيز التعاون بين القطاعين الخاص في البلدين. وذلك من خلال تفعيل دور الغرف التجارية واتحادات الصناعات في كلا البلدين. ويهدف هذا التعاون الوثيق إلى رفع حجم التبادل التجاري بين البلدين، وتعزيز التكامل الاقتصادي.
ولم يتوقف الطموح السعودي المصري عند حدود الاستثمار في أراضيهما، بل تجاوز إلى التعاون المشترك في أسواق خارجية. فقد اتفق رجال الأعمال السعوديون والمصريون على الدخول في شراكات استثمارية في بلدان ثالثة. وذلك وفقًا للاتفاقية التي تم توقيعها في المملكة العربية السعودية.
دعم الاقتصاد المصري
وتزامنًا مع زيارة ولي العهد للقاهرة، والتي شهدت توقيع عدد من الاتفاقيات الاستثمارية. تكشف البيانات الرسمية عن عمق العلاقات الاقتصادية بين البلدين الشقيقين. فبحسب أحدث الإحصائيات الصادرة عن البنك المركزي المصري. تمتلك المملكة العربية السعودية ودائع ضخمة في مصر تصل قيمتها إلى 10.3 مليار دولار.
وتشير البيانات إلى أن الودائع السعودية تتوزع بين ودائع قصيرة الأجل بقيمة 5 مليارات دولار يتم تجديدها سنويًا. وودائع متوسطة الأجل بقيمة 5.3 مليار دولار يحين أجل سدادها في أكتوبر 2026. وتأتي هذه الودائع في إطار الدعم المستمر الذي تقدمه المملكة للاقتصاد المصري. وتساهم بشكل كبير في تعزيز استقرار العملة المصرية وتلبية احتياجاتها من العملات الأجنبية.
وكان خالد الفالح؛ وزير الاستثمار السعودي، أعلن في وقت سابق عن نية المملكة لتحويل هذه الودائع إلى استثمارات مباشرة في مصر. وتعد هذه الخطوة مؤشرًا واضحًا على رغبة المملكة في تعميق الشراكة الاقتصادية مع مصر. والاستفادة من الفرص الاستثمارية الواعدة التي توفرها.
استثمارات متبادلة
وبالنظر إلى حجم الاستثمارات المتبادلة بين البلدين، نجد أن الاستثمارات السعودية في مصر قد بلغت نحو 26 مليار دولار. تغطي عددًا كبيرًا من القطاعات الاقتصادية. وفي المقابل، بلغت الاستثمارات المصرية في السعودية نحو 4 مليارات دولار. وتؤكد هذه الأرقام المتنامية على عمق التكامل الاقتصادي بين البلدين، وحرص الجانبين على تعزيز العلاقات الثنائية.
ولا يقتصر التعاون الاقتصادي بين السعودية ومصر على الاستثمارات فقط، بل يشمل أيضًا التبادل التجاري الذي يشهد نموًا ملحوظًا. فخلال النصف الأول من عام 2024، ارتفعت قيمة التبادل التجاري بين البلدين بنسبة 41% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وتعد المنتجات المعدنية واللدائن من أهم السلع التي يتم تبادلها بين البلدين.


