يحتل ستيف كيس مكانة استثنائية في تاريخ الإنترنت الحديث، فهو ليس مجرد رائد أعمال، بل هو مهندس أحد أبرز فصول الثورة الرقمية. اشتهر كيس بكونه الرئيس التنفيذي ورئيس مجلس إدارة شركة “أمريكا أونلاين” (AOL) سابقًا، التي كانت بمثابة البوابة الأولى لملايين المستخدمين إلى عالم الإنترنت في حقبة التسعينات. مسيرته، التي بدأت من الصفر، بلغت ذروتها بقيادته لشركة عملاقة، ثم واجهت تحديات أدت إلى انهيار الاندماج التاريخي الذي قاده.
علاوة على ذلك، تعدّ قصة كيس مرآة عاكسة لصعود وهبوط عصر الإنترنت الأول. فبعد انضمامه في عام 1985 إلى الشركة التي سبقت AOL، وهي “خدمات الحاسوب الكمي”، كنائب رئيس للتسويق، ارتقى ليصبح الرئيس التنفيذي عام 1991. وفي ذروة فقاعة الإنترنت عام 2000، أدار بالتعاون مع جيرالد إم. ليفين عملية الاندماج التي أنشأت شركة “AOL تايم وورنر”. والتي وصفت لاحقًا بأنها “أكبر كارثة في تاريخ الشركات الأمريكية”، ما دفعه للاستقالة من رئاسة الشركة عام 2003.
الحياة المبكرة والتعليم
وُلد ستيف كيس في الحادي والعشرين من أغسطس عام 1958م، في مدينة هونولولو بولاية هاواي، وهو ابن كارول ودانيال كيس. تخرج عام 1976 من مدرسة بوناهو الخاصة، وحضر كنيسة “سنترال يونيون”، ما يبرز جذوره في بيئة مستقرة. نال شهادة في العلوم السياسية من كلية ويليامز في ماساتشوستس عام 1980م. وهو تخصص قد يبدو بعيدًا عن عالم التكنولوجيا، لكنه منحه فهمًا عميقًا لديناميكيات المجتمع والتواصل، وهو ما استفاد منه كثيرًا في بناء AOL.

بعد تخرجه، بدأ كيس مسيرته المهنية في القطاع التجاري التقليدي؛ حيث عمل مساعد مدير علامة تجارية في شركة بروكتر آند غامبل في أوهايو لمدة عامين. ثم التحق بشركة بيتزا هت في كانساس عام 1982 مديرًا لتسويق البيتزا الجديدة. وهي تجارب أكسبته خبرة عملية قيمة في مجال التسويق وإدارة المنتجات قبل أن يتحول إلى عالم التكنولوجيا.
المسيرة المهنية
بدأت رحلة كيس الفعلية نحو عالم الإنترنت في يناير 1983م، عندما عرّفه شقيقه الأكبر دان على بيل فون ميستر؛ الرئيس التنفيذي لشركة “كونترول فيديو كوربوريشن”. كانت هذه الشركة تسوّق خدمة “جيم لاين” لجهاز أتاري 2600، والتي كانت تسمح بتحميل الألعاب عبر الهاتف والمودم، وهي فكرة سبقت عصرها بكثير. وبعد اللقاء، وظّفه فون ميستر مستشارًا للتسويق، لكنه انضم لاحقًا بدوام كامل، خاصة بعد أن كادت الشركة أن تفلس، ما يبرز إيمانه بقدرة الشركة على النهوض.
وفي عام 1985، أسس جيم كيمسي شركة “خدمات الحاسوب الكمي” من بقايا “كونترول فيديو”، وعين كيس نائبًا للتسويق. رقي كيس إلى منصب نائب تنفيذي عام 1987، وتم إعداده لتولي منصب الرئيس التنفيذي ورئيس مجلس الإدارة لاحقًا؛ حيث تولى منصب الرئيس التنفيذي عام 1991. ورئيس مجلس الإدارة عام 1995، ما يبرهن على صعوده السريع داخل الشركة.
كذلك، غير كيس استراتيجية الشركة بشكلٍ جذري؛ حيث أطلق خدمة “كوانتم لينك” لجهاز كومودور 64، ثم قدم خدمات “أبل لينك” و”بي سي لينك”، ودمجها لاحقًا تحت اسم “أمريكا أونلاين”. وصلت الشركة إلى مليون مشترك بحلول عام 1994م، وحققت نجاحًا كبيرًا. وركزت AOL على التواصل الاجتماعي من خلال غرف الدردشة والرسائل الفورية والمنتديات، وجعلت الخدمة ميسورة وسهلة الاستخدام، بعكس منافسيها الذين ركزوا على التسوق أو المعلومات. وهو ما كان سر نجاحها في تلك الفترة.
طرح خطة اشتراك غير محدود
من ناحية أخرى، في عام 1996، طرحت الشركة خطة اشتراك غير محدود مقابل 19.95 دولار شهريًا. وهي خطوة ثورية في ذلك الوقت، ساعدت على نمو قاعدة المستخدمين إلى 26.7 مليون بحلول عام 2002. كان كيس وراء العديد من الابتكارات التفاعلية على الإنترنت، مثل: بيئات الدردشة الرسومية “هابي تات” و”كلوب كاريبي”، وسلسلة القصص التفاعلية. وأول لعبة MMORPG رسومية، “نيفر وينتر نايتس” عام 1991، ما يبرز دوره في تشكيل التجربة الرقمية.
وفي ذروة عصرها الذهبي، اندمجت AOL مع “تايم وورنر” في عام 2001، في صفقة بلغت قيمتها 164 مليار دولار. كان هذا الاندماج ينظر إليه على أنه تحالف بين الإعلام القديم والجديد. لكنه فشل سريعًا بسبب ركود فقاعة الإنترنت وفضائح المحاسبة. وعلى خلفية ذلك، استقال كيس من رئاسة المجلس عام 2003، وبقي في المجلس حتى عام 2005؛ حيث دعا لاحقًا إلى تفكيك الاندماج الذي كان قد قاده. وهو ما يعكس شجاعته في مواجهة الأخطاء.
الاستثمارات والعمل الخيري
منذ استقالته من رئاسة AOL، أسس كيس شركة رأس مال استثماري اسمها “ريفولوشن ذ.م.م” (Revolution LLC) في واشنطن العاصمة. واستثمرت الشركة في العديد من الشركات الواعدة مثل Zipcar وLivingSocial وExclusive Resorts. وهو ما يؤكد رؤيته الثاقبة في اختيار الاستثمارات. كما أسس مجموعة “ريفولوشن هيلث” لتحسين النظام الصحي الأمريكي. لكنه اندمج لاحقًا مع شركة أخرى بعد نتائج مخيبة، ما يوضح أنه لا يخلو من التحديات.
وفي إطار تنويع استثماراته، باع كيس بعض استثماراته الناجحة مثل: Revolution Money التي اشترتها أمريكان إكسبريس بـ300 مليون دولار. وHelloWallet التي اشترتها MorningStar، وExtend Health التي بيعت بـ435 مليون دولار. هذه المبيعات أكدت قدرته على تحقيق عوائد استثمارية كبيرة.
كما أطلق كيس صناديق استثمار مثل: Revolution Growth وRevolution Ventures وRise of the Rest. التي تستثمر في شركات خارج مراكز التقنية الكبرى مثل كاليفورنيا ونيويورك وبوسطن. هذا التركيز على الاستثمار في المناطق غير التقليدية يعكس إيمانه بتوزيع الفرص الاقتصادية على نطاق أوسع. ويملك أيضًا مساحات شاسعة من الأراضي في هاواي، بما في ذلك حصص مسيطرة في شركات زراعية. ما يكشف عن اهتماماته المتنوعة خارج عالم التكنولوجيا.

أبرز الإنجازات والمؤلفات
يعد كيس من أوائل من تنبأ بـ”الموجة الثالثة” في عالم التكنولوجيا، وهي رؤية طرحها في كتابه الأكثر مبيعًا الذي حمل نفس الاسم في عام 2016. توقع كيس في هذا الكتاب أن التكنولوجيا ستنتقل من “إنترنت الأشياء” إلى “إنترنت كل شيء”. ما سيغير قطاعات كبرى مثل الصحة والتعليم والنقل والطاقة. وأن النجاح في هذه المرحلة يتطلب عقلية جديدة وتعاونًا بين رواد الأعمال والشركات والحكومات.
وفي كتابه الثاني “صعود البقية”، الذي نشره في عام 2022، يناقش كيس دور رواد الأعمال في بناء الحلم الأمريكي من خارج المراكز التقليدية. وهو ما يتماشى مع مبادراته الاستثمارية. هذا الكتاب يؤكد رؤيته بأن الابتكار لا يقتصر على منطقة جغرافية معينة، وأن هناك فرصًا هائلة تنتظر الاكتشاف.
وحظي كيس بالعديد من الجوائز والتكريمات؛ حيث نال جائزة Golden Plate من الأكاديمية الأمريكية للإنجاز عام 1999. وأدرج في قاعة مشاهير الأعمال الأمريكية عام 2009. كما حصل على دكتوراه فخرية من جامعة جورجتاون عام 2014. وهي تكريمات تعكس مكانته المرموقة في عالم الأعمال.


